في رحاب القرآن

تتمة بحث مسيرة الاستخلاف‏
(خطيئة آدم)

  


  

والسؤال الآخر هو عن خطيئة آدم وغوايته وعصيانه {... وَعَصَى آدَمْ رَبّهُ فَغَوَى}(1).

إذ دلت بعض الروايات على أنّ آدم كان نبياً، وإن لم يذكر ذلك في القرآن الكريم، والأنبياء معصومون من الذنب والزلل والغواية منذ بداية حياتهم.

ومع غض النظر عن الشك والمناقشة في صحة هذه الفرضيات: (فرضية أن يكون آدم نبياً) و(فرضية أن يكون الأنبياء معصومون من الذنب منذ بداية حياتهم)، يمكن أن نفسر جدّية هذه المخالفة والعصيان على أساس اتجاهين:

الاتجاه الأوّل: أن يكون النهي الإلهي هنا هو نهي (إرشادي)(2) اُريد منه الإرشاد إلى المفاسد الموجودة في أكل الشجرة، وليس نهياً (مولوياً) يراد منه التحريك والطلب الجدي، والمعصية المستحيلة على الأنبياء التي توجب العقاب هي في الأوامر المولوية وليست الإرشادية.

الاتجاه الثاني: أن يكون النهي الإلهي هنا نهياً مولوياً كما - هو الظاهر - وحينئذٍ فيفترض أنّ الأنبياء معصومون من الذنوب المتعلّقة بالأوامر والنواهي التي يشتركون فيها مع الناس، وأمّا الأوامر والنواهي الخاصة بهم فلا يمتنع عليهم صدور الذنب بعصيانها، وليسوا معصومين تجاهها، وهذا النهي الذي صدر لآدم إنّما هو خاص به، ولذا لم يحرم على ذريته من بعده أكل الشجرة.

ومن هنا نجد القرآن الكريم ينسب الظلم والذنب - أحياناً - لبعض الأنبياء باعتبار هذه الأوامر الخاصة، كما حصل لموسى‏عليه السلام: {قال ربي إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنّه هو الغفور الرحيم}(3). مع أنّ قتل الفرعوني الظالم الكافر ليس ذنباً وحراماً على الناس بشكل عام، وإنّما كان حراماً على موسى لخصوصية في وضعه.

ومن هنا ورد أنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين باعتبار أنّ لهم تكاليف خاصة بهم تتناسب مع مستوى الكمالات التي يتصفون بها.

وهذا التفسير للعصمة أمر عرفي قائم في فهم العقلاء لمراتب الناس، فبعض الاُمور هي من العلماء والفضلاء ذنب يؤاخذون عليه، ولكنّه ليس كذلك بالنسبة إلى العامة من الناس، وبعض الإنفاقات القليلة ذنب من الاغنياء يؤاخذون عليها، وليست كذلك بالنسبة إلى الفقراء.

الجانب الثاني: التصور العام لمسيرة الخلافة

وهنا نشير إلى تصورين:

التصوّر الأوّل: ما ذكره العلّامة الطباطبائي‏قدس سره في الميزان، حيث يفترض أنّ هذه المسيرة بدأت من وضع آدم وزوجه في الجنة من أجل أن ينتقل إلى الأرض بعد ذلك، وكان لابدّ له من التعرض إلى المعصية من أجل أن يتحقّق هذا النزول إلى الأرض؛ إذ لا يمكن أن يحصل على التكامل الإنساني الذي يؤهله لهذه الخلافة مالم يتعرض إلى المعصية والنزول إلى الأرض بعد ذلك.

وذلك لأنّ تكامل الإنسان إنّما يحصل من خلال توفر عنصرين وعاملين أساسيين:

أحدهما: شعور الإنسان بالفقر والحاجة والمسكنة والذلة، أو بتعبير آخر شعور الإنسان بالعبودية للَّه - تعالى - الذي يدفعه للحركة والتوجه إلى اللَّه تعالى والمصير إليه.

والآخر: هو عفو اللَّه تعالى ورضوانه ورحمته وتوفيقه لهذا الإنسان، وإمداده بالعطاء والفضل الإلهي.

فشعور الإنسان بالحاجة يجعله يتحرك لسد هذه الحاجة، والفضل والعطاء الإلهي هو الذي يحقق الغنى النسبي للإنسان، ويسد النقص والحاجات لدى هذا الإنسان فيتكامل.

وإذا لم يشعر الإنسان بالحاجة فلا يسعى إلى الكمال حتى لو كان محتاجاً في واقع الحال، وإذا لم يتفضل اللَّه على هذا الإنسان بالعفو والرحمة والعطاء يبقى هذا الإنسان ناقصاً ومتخلفاً في حركته.

وما ذكر في قِصّة آدم إنّما يمثل هذين الأمرين معاً.

فلو لم ينزل الإنسان إلى الأرض لا يشعر بالحاجة؛ إذ كان يعيش في الجنة يأكل ويشرب بدون تعب أو عناء، فطبيعة هذه الجنة: {اِنّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرَى* وَأنّك لا تَظْمَأ فِيها وَلا تَضْحَى}(4).

ولو لم تصدر من آدم المعصية فلا يمكن أن يحصل على تلك الدرجات العالية من الرحمة والمغفرة التي حصل عليها الإنسان في حالات الرجوع والتوبة؛ إذ يفترض العلّامة الطباطبائي وجود درجات من الرحمة والمغفرة مرهونة بالتوبة والانابة، قال:

{فللَّه تعالى صفات من عفو ومغفرة وتوبة وستر وفضل ورأفة ورحمة لا ينالها إلّا المذنبون... فهذه التوبة هي التي استدعت تشريع الطريق الذي يتوقع سلوكه، وتنظيف المنزل الذي يرجى سكونه، فوراءها تشريع الدين وتقويم الملّة}(5).

فالقصّة وراءها قضاءان قضاهما اللَّه تعالى في آدم:

القضاء الأوّل: الهبوط والخروج من الجنة والاستقرار على الأرض وحياة الشقاء فيها، وهذا القضاء لازم حتمي لأكل الشجرة حيث بدت سوآتهما، وظهور السوءة لا يناسب حياة الجنة، بل الحياة الأرضية، ومن هنا كان إخراجهما من الجنة بعد العفو عنهما، ولولا ذلك لكان مقتضى العفو هو بقاؤهما في الجنة.

القضاء الثاني: إكرام آدم بالتوبة؛ إذ طيّب اللَّه تعالى بها الحياة الأرضية التي هي شقاءٌ، وبها ترتبت الهداية إلى العبودية الحقيقية، فتآلفت الحياة من حياة أرضية وحياة سماوية(6).

تتمة البحث في العدد القادم‏


   1 - طه 20: 121.
   2 - تقسم الأوامر والنواهي في الشريعة إلى قسمين: مولوي وإرشادي. والمراد من (المولوي): ما يصدر من المولى باعتباره مولى له حق الطاعة، ويكون فيه إرادة جديدة للطلب والتحرك نحو المطلوب أو الزجر عن المنهي عنه، كما في أوامر الصلاة والزكاة والجهاد والحج والنهي عن شرب الخمر والزنا والسرقة، و(الارشادي): هو الذي يكون للارشاد إلى المصلحة أو المفسدة، كما في الأوامر والنواهي في موارد المعاملات غالباً، حيث يكون ارشاداً لبطلان المعاملة أو صحتها، أو كما في أوامر الأطباء والمهندسين والعلماء التجربيين، فإنّهم لا يستحقون الطاعة بما هم سادة، واُولو الأمر والولاية، بل؛ لأنّ متعلّقات أوامرهم ونواهيهم فيها مصالح ومفاسد، فعندما يأمر بشرب الدواء فهذا يعني: أنّ شرب الدواء فيه مصلحة، وكذا عندما ينهى عن أكل شي‏ءٍ فإنّه يعني: أنّ أكله فيه ضرر ومفسدة.
   3 - القصص 28: 16.
   4 - طه 20: 118 - 119.
   5 - تفسير الميزان 1: 134
   6 - المصدر نفسه.
  





  نساء في ذاكرة التاريخ
اُم الهيثم النخعيّة



  

ام الهيثم بنت الأسود, ويقال : بنت العريان النخعيّة .

شاعرة , تابعية من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه .

ولم نجد من ذكرها باسم غير أم الهيثم , ولعل اسمها كنيتها , أو اشتهرت بالكنية , وقد اختلفت كلماتهم في اسم أبيها :

فالشيخ المفيد في الارشاد , وأبو مخنف فيما حكاه عنه أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين قالا : ام الهيثم بنت الاسود النخعية .

وابن عبد البر في الاستيعاب , وابن الاثير في اسد الغابة قالا : ام الهيثم بنت العريان النخعية .

وابن حجر في الاصابة قال : ام الهيثم النخعية .

و لعلها نسبت تارة الى أبيها , واخرى إلى جدها .

والذي عثرنا عليه من شعرها هو قصيدة ترثي بها أمير المؤمنين عليا u , وقد اختلفت رواية الرواة في هذه القصيدة اختلافاً كبيراً, ويظهر أنه وقع خلط من المؤرخين بين هذه القصيدة و قصيدة أبي الاسود الدؤلي , التي هي على وزنها وقافيتها , حتى أن القصيدة المنسوبة إلى ام الهيثم نسبها بعضهم بتمامها الى أبي الاسود الدؤلي .

والظاهر أنه لاتحاد الوزن والقافية بين القصيدتين ادخل شيء من قصيدة ام الهيثم في قصيدة أبي الاسود , وبالعكس اشتباهاً , كما وقع نظير ذلك في ميمية الفرزدق في مدح زين العابدين u , وميمية اخرى للحزين الليثي أو الكناني في مدح بعض بني أمية , كما نبه عليه في الأغاني .

وقد ذكر هذه القصيدة ابن عبد البر في الاستيعاب , وتبعه ابن الاثير في اسد الغابه , وذكرها أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين عن أبي مخنف مع بعض الاختلافات لما في الاستيعاب , ونحن نجمع بين الروايتين , فنذكرها أولا برواية الاستيعاب , ثم نذكرها برواية ابي مخنف .

في الاستيعاب : قال أبو الاسود , وأكثرهم يرويها لام الهيثم بنت العريان النخعية .

و في اسد الغابة : من ذلك ما قاله أبو الأسود الدؤلي , وبعضهم يرويها لام الهيثم بنت العريان النخعية :


ألا يا عين ويحك أسعديناألا فأبكي أمير المؤمنينا
تبكي ام كلثوم عليهبعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوافلا قرّت عيون الشامتينا
أفي الشهر الحرام (1) فجعتمونابخير النا س طراً أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايافذلّلها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاهاومن قرأ المثاني والمبينا
وكل مناقب الخيرات فيهوحبّ رسول رب العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانتبأنك خيرها حسبا ودينا
إذا اسقبلت وجه أبي حسينرأيت البدر راق الناظرينا
وكنا قبل مقتله بخيرنرى مولى رسول الله فينا
يقيم الحق لا يرتاب فيهويعدل في العدى والاقربينا
وليس بكاتم علماً لديهولم يخلق من المتجبرينا
كأن الناس إذ فقدوا علياًنعامٌ حار في بلد سنينا
فلا تشمت معاوية بن حربفإن بقيـة الخلفـاء فينا
  

و في مقاتل الطالبيين : قال أبو مخنف , وقالت ام الهيثم بنت الاسود النخعية ترثي أمير المؤمنين u :


ألا يا عين ويحك فاسـعديناألا فأبكي أمير المؤمنـينا
رزئنا خير من ركب المـطاياوخيّسها ومـن ركب السـفينا
ومن لبس النعال ومن حـذاهـاومن قرأ المثاني والمئيـنا
وكنا قبل مقـتـلـه بخـيرنرى مولـى رسول الله فـينا
يقيم الدين لا يرتـاب فيهويقـضي بالفرائض مسـتبينا
ويدعـوا للجماعة من عـصـاهوينهك قطع أيدي الـسارقـينا
وليس بكاتم عـلـما لديـهولم يخلق من المتـجبـريـا
لـعمر أبي لقد أصـحاب مصرعلى طـول الصحابة أوجعونـا
وغرونـا بأنهم عكوفوليس كـذلك فعل الـعاكـفيـنا
أفـي شهر الصيام فجـعتمونابخير الناس طراً أجـمعيـنـا
ومن بعد النبي فخير نفـسأبو حسـن وخير الصـالحينا
كأن الناس إذ فقدوا علياً نـعام جال في بلـد سنينا
و لو إنا سئلـنا الـمال فيه بذلنا المال فـيه والبـنـينا
أشاب ذؤابتي وأطال حزني أمامة حين فارقـت الـقرينا
تطوف به لحاجـتها إلـيهفلما استيأست رفعت رنينا
وعبرةُ ام كلثوم إلـيهاتجاوبـها وقد رأت اليقينا
فلا تشـمـت معاوية بن حرب فـإن بقية الخـلفاء فيـنا
وأجمعنا الأمارة عن تراض إلى ابن نبينا وإلـى أخيـنا
فلا نعطي زمام الأمـر فينـا سـواه الدهر آخـر ما بـقينا
وإن سـراتنا وذوي حجاناتواصوا أن نجـيب إذا دعينا
بكل مهند عضب وجردعليهن الكماة مسوّميـنا (2)
  

   1- هكذا ورد, والصحيح : الصيام .
   2- انظر : الإرشاد : 18, أعيان الشيعة 3: 487 , رياحين الشريعة 3: 455, مقاتل الطالبين : 43, الأغاني 12: 329, تاريخ الطبري 5: 150 , الفصول المهمة : 139, مقتل الإمام علي بن أبي طالب u لابن أبي الدنيا المطبوع في نشرة تراثنا العدد 12 السنة الثالثة .
  





  من عالم المرأة
لماذا تغيرت؟


  

سيدتي‏

اكتب لك مشكلتي بعد ان اصبحت في حالة نفسية سيئة للغاية. انا فتاةفي الثامنة عشرة. طالبة في الثانوية. اكتب اليك ودموعي على خدي بعد ان ضاع المستقبل الذي كنت احلم به منذ طفولتي. لقد تغيرت احوالي من سي‏ء إلى اسوأ. فقد كنت ناجحة متفوقة في الدراسة تفوقاً احسد عليه. فجأة تبدلت احوالي وكان احداً قد استبدل الفتاة النشيطة المتفوقة باخرى فاشلة تحب الخمول والكسل.

اصبحت اكره زميلاتي ولا اثق بهن بعد ان كنت محبوبة ويحلو لي العمل والكلام معهن. كنت اجتاز جميع الامتحانات بنجاح. اما الآن فلا اعرف اي شي‏ء، ادرس ولا اتذكر ما درست. راح الذكاء الذي كنت معروفة به. عندما يقترب الامتحان استعد له وانجز التمارين واحفظ الدروس ولكن النتيجة تكون سيئة رغم تلك المجهودات. اصبحت حائرة في امري. ارغب في متابعة الدراسة ولكن قد يصبح ذلك غير ممكن. كيف انتصر على هذا الفشل؟ ساعدوني على استرجاع ذكائي وثقتي بنفسي حتى لا يفوتني قطار الدراسة.

عزيزتي‏

الانسان لا يولد ذكياً ثم يفقد ذكاءه. اطمئني فان ذكاءك بخير. هذا التعبير الذي طرأ على حالتك النفسية وسلوكك قد يكون ناتجاً عن عوامل فسيولوجية اجتماعية. من الجائز انك قد تعرضت لتجربة عاطفية قاسية، كفقدان شخص عزيز، قريب إلى نفسك. ومن الجائز ان يكون التغيير ناتجاً عن حالة صحية. ففي حالات نقص بعض الفيتامينات في الجسم يشعر الفرد بالكسل والخمول الذي تصفين. ومن الجائز ايضاً ان كثرة الانكباب على الدرس والتحصيل بدون أخذ ما يكفيك من الراحة والترفيه قد اثرت على قدرتك على التركيز.

عندما يفقد الفرد ثقته بنفسه يفقد ثقته بالآخرين. ومن هنا شعرت بالنفور من صديقاتك.

ابدئي الخطوة الأولى بعرض نفسك على طبيب للتأكد من خلوك من الانيميا (فقر الدم). لابد من ممارسة رياضة خفيفة مثل المشي حتى تحصل رئتاك على هواء نظيف. جددي الهواء في غرفتك ليلاً ونهاراً. واهتمي بمظهرك حتى تكتسبي ثقة شخصية بين صديقاتك. واهتمي بالمواد الدراسية التي تجدين في نفسك ميلاً اليها. ضعي نصب عينيك امراً هاماً وهو ان الدراسة متعة وان نجاح الانسان وقيمته الذاتية لا تقاس بمقياس النجاح المدرسي فحسب، فالفضائل الشخصية والاخلاقية الجميلة على نفس درجة الاهمية. وفقك اللَّه.






  الشباب
بعض مشكلات الشباب المعاصر
وسُبل علاجها



  

1- مشكلة ضعف الشعور بالانتماء
يعانى كثير من الشباب في كثير من مجتمعاتنا العربية من مشكلة ضعف الشعور بالانتماء سواء كان هذا الانتماء إلى مجتمعاتهم المحلية، أو إلى أسرهم، أو إلى أمة الإسلام وشريعته الغراء. فالشباب يشعر بالغربة على أرضه وعدم الانتماء. فلا يشعر مثل هؤلاء الشباب بالتوحد والاتحاد في كيان واحد وجسد واحد مع مجتمعاتهم. والمفروض - إذا تربى الشاب تربية دينية واجتماعية وأسرية سوية - أن يشعر أنه ومجتمعه جسد واحد وكيان واحد، ومن ثم يسعد لسعادة مجتمعه ويتألم لآلامه ويحتضن مبادى‏ء مجتمعه وأهدافه ورسالته وقيمه ومعاييره ونظمه وفلسفاته وعقيدته، ويدفعنا الشعور القوى بالانتماء إلى الوطن العربي الكبير وأمتنا الإسلامية، إلى إفراغ الجهود وبذل كل ما أوتينا من قوة وعزم في سبيل رفع شأنها وإعلاء كلمتها والنهوض بها والعمل على تقدمها وإزدهارها ورفع هامتها عالية بين أمم العالم.

أما عدم الانتماء فإنه يولد الفتور والسلبية واللامبالاة وعدم تحمل المسؤولية. ولعل موجات الهجرة الدائمة أو المؤقتة التي تشهدها بعض مجتمعاتنا العربية إحدى الظواهر الناجمة عن ضعف الشعور بالانتماء. حيث أصبح كل اهتمام الشاب في‏الكسب السريع والهجرة إلى حيث يوجد هذا الكسب تاركاً تعمير وطنه المحلي وهو غير مستعد للبذل والتضحية. كذلك من الآثار السلبية التي قد تترتب على عدم الانتماء قلة الشعور بالإيثار أو تفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وعدم الاستعداد للعطاء.

كذلك من بين مظاهر ضعف الشعور بالانتماء: الانبهار الزائد بالفكر الغربي، وبالتيارات الثقافية المستوردة، التي تبدو في التحرر الزائد والتفرنج والتبرج والسفور وتقليد العادات والبدع الغربية.

وينبغي أن يدرك الشباب أنّه يتعرض لكثير من حملات الغزو الثقافي التي يشنها اعداء الإسلام للنيل من قوة الشخصية المسلمة، ومن صلابة الإرادة العربية ومن قوة العقيدة الإسلامية.

وهنا يروق لنا أن نتساءل عن الأسباب التي تؤدى إلى ضعف الشعور بالانتماء.

أسباب ضعف الشعور بالانتماء:
لا شك أنه في مقدمة هذه الأسباب تقع العوامل التربوية، ذلك لأن نقص التوعية الوطنية والاجتماعية مسؤول عن فقدان الشعور بالانتماء. ذلك الشعور الذي يتعين أن يغرس في أعماق الفرد منذ نعومة أظافره. كذلك فإن إحساس الشباب بالظلم، سواء كان هذا الظلم حقيقيّاً أو خياليّاً يجعله يفقد الشعور بالانتماء.

ومن العوامل السببية في نشأة هذه المشكلة شعور الشباب بأنه مهمل، وأنه لا يلقى الرعاية والاهتمام، وأن حقوقه مهدورة وحاجاته مهملة، وسواء كان هذا الشعور حقيقيّاً أم وهميّاً فإنه يلعب دوراً رئيسياً في شعور الشاب بعدم الانتماء.

كذلك فإن أجهزة الإعلام والثقافة الجماهيرية مسؤولة - ولو جزئياً - عن نشأة هذا الشعور، وذلك بما تقدمه من مظاهر للحياة الغربية مما قد يبعث على الانبهار بها والرغبة في تقليدها، أو ما قد تعرضه هذه المؤسسات من مشكلات وهموم في الحياة الاجتماعية وتبالغ في إبراز هذه المشكلات إلى حد يدفع الشاب إلى الشعور باليأس، وعدم الأمان والاستقرار، وتهز شعوره بالفخر والاعجاب والاعتزاز بوطنه ماضيه وحاضره ومستقبله. ولعل ما يواجه الشاب من مشكلات واقعية كصعوبة الزواج وإيجاد مسكن تكوين الأسرة والحصول على عمل مناسب لعل هذا من بين الأسباب التي تنال من شعوره بالانتماء.

هذه بعض العوامل التي قد تكمن وراء ضعف الشعور بالانتماء لدى بعض الشباب. ومن الجدير أن نفكر مع القارى‏ء الكريم في الوسائل التي تقضي على هذا الفتور والتي تدعم شعور الانتماء وتنميه وتعمل على تقويته في الشباب والكبار على حد سواء.

أساليب الوقاية والعلاج:
من أهم هذه الوسائل التوعية الوطنية؛ والتربية الدينية التي ترسخ المشاعر الدينية الإسلامية وتؤصلها وتنميها في ذهن الشاب وفي حسه ووجدانه.

ويستطيع أن يقوم رجال الوعظ والإرشاد الديني بدور هام في تنمية هذا الشعور، وفي صد هجمات الغزو الثقافية، والتصدى لمظاهر الانحراف والانحلال والتسيب والفساد والبدع والموُدات والخلاعة والفجور. والعمل على تنمية القيم الإسلامية الأصلية وغرس الفضائل الحميدة في المواطن المسلم. وتربيته على قيم الطهر والطهارة والصبر والمصابرة والعفة والتعفف والزهد والقناعة والجدية، وتحمل المسؤولية والجهاد والتعاون والإخاء والعدل والمساواة وتكافؤ الفرص والمودَّة والمحبة والتراحم والبر والإحسان والتقوى والورع والخشوع والإيمان باللَّه وبرسوله وبالشريعة الإسلامية السمحة.

وتستطيع المدرسة الإسلامية والجماعة أن تسهما في غرس الشعور بالانتماء عن طريق إبراز مفاخر الحضارة الإسلامية، التي هي ولا شكّ أرقى الحضارات التي عرفتها الإنسانية قاطبة. وكذلك إبراز ما ينطوي عليه تاريخنا القديم والحديث من الأمجاد الخالدة والمفاخر التليدة والانتصارات العظيمة. وينبغى بيان فضل الإسلام وعلمائه على الحضارة الغربية، وبيان فضل السبق لإسلامنا الحنيف في شتى مجالات العلم والمعرفة، مع التوكيد للشباب أن أمة هذا شأنها من العظمة هي قادرة على أن تستعيد مجدها وعظمتها، وأن تحتل مكانتها المرموقة تحت الشمس، وذلك إذا اتحد ابناؤها واتفقت كلمتهم واجتمع شملهم وتعاونوا على البر والتقوى... الخ.

وتستطيع مؤسسات الثقافة الجماهيرية، كالإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات والسينما والمسرح، وما يمكن أن يقام من المعارض والمتاحف والمهرجانات، أن تسهم في تنمية الشعور بالانتماء وذلك بانتقاء المادة الهادفة والبعد عن تشجيع اللهو والعبث، وما يثير الشك والريبة أو يثير الغرائز والشهوات.

كذلك فإن للأسرة دورّاً أساسياً في تنمية هذا الشعور، لأن الأسرة هي المؤسسة الأولى التي تستقبل الطفل وهو ما يزال عجينة لينه طيعة تقوم هي على صناعته وتشكيله وصقل شخصيته. وتستطيع أن تحبب عنده المجتمع وتجعله يرضى عنه بل ويعتز به ويفخر. بل إن ما يمر به الطفل من خبرات داخل دائرة الأسرة سرعان ما ينتقل معه إلى المجتمع الخارجي.

ومن هنا فإن الأسرة التي يشعر أعضاؤها بالانتماء إليها والتوحد معها والتعاطف فيما بينهم، يشب أعضاؤها على حب الوطن وتقديره والإعجاب به.

ومن الوسائل العملية التي تنمي هذا الشعور حل مشكلات الشباب وتحريره مما يكبل طاقته من الأزمات والصراعات، ومن مواقف الإخفاق والإحباط، ومن الشعور باليأس والقنوط، مع توفير الرعاية الدينية أو الروحية والصحية والنفسية والاجتماعية والتعليمية لجمهور الشباب، والعمل بقدر المستطاع على تحقيق طموحات الشباب التي تقع في نطاق الاعتدال والمعقولية.

وعلينا أن نعمل على تعريف شبابنا بمظاهر النهضة الحديثة وما يقام من المصانع الضخمة والمشاريع العمرانية واستصلاح الأراضي وتحلية المياه واستغلال الطاقة الشمسية ومشاريع الخدمات... الخ.

تتمة البحث في العدد القادم‏






  صحة الأسرة
الأرق‏
غول العصر أم حجة البليد



  

جميع المخلوقات الحية تحتاج الى‏ فترة معينة من الراحة تستريح فيها من عناء الحياة وضغوطها. قد نسمي هذه الفترة سكوناً او ركوناً، وقد نسميها سباتاً او نوماً او أي تسمية اخرى‏، المهم انّها فترة ضرورية جدا لراحة الكائن الحي كي يستطيع بعدها استعادة حيويته ونشاطه، ومن ثمّ يصبح قادراً على‏ متابعة مشواره في الحياة. وبالنسبة لبني البشر، فان النوم هو مصدر هذه الراحة. فإذا لم يأخذ العقل والبدن كفايتهما من النوم بسبب "الأرق" فإن النتيجة تكون بلا شك سيئة عندما تظهر اعراضها المميزة على‏ الشخص المصاب. فيشعر بالتعب والقلق والاجهاد وتوتر الاعصاب. ويقول الدكتور رالف ليتل - استاذ التحليل النفسي في كلية طب جامعة بنسلفانيا الاميركية ان "الارق" ليس مشكلة في حذا ذاتها، وانّما المشكلة هي الخوف من الاصابة بالأرق، وان هذا الخوف هو الذي يسبب التعاسة للإنسان، وليس الأرق نفسه، فهناك كثير من البشر الذين لديهم "وهم" بأنهم مصابون بالأرق نظراً لكونهم اصبحوا يحتاجون الى‏ وقت اطول في السرير حتى‏ تثقل جفونهم، وينتابهم النوم المتواصل العميق. وهذا "الوهم" قد يترك آثاراً نفسية وجسدية بغيضة عليهم مستقبلاً.

الأرق - كما يقول خبراء النوم - لا يتعلّق بعدد ساعات النوم، ولكن بتأثيره على‏ الانسان. ذلك لأن ثمة رجالاً ونساء كثيرين لا يحتاجون في نومهم الى‏ اكثر من 4 الى‏ 5 ساعات يومياً بعدها يشعرون بالنشاط والحيوية والراحة وكأنّهم ناموا طوال اليوم. هذا في الوقت الذي قد يشعر الذين ينامون 9 الى‏ 10 ساعات يومياً بالأرق والتعب والاجهاد وكأنّهم لم يذوقوا "طعم" النوم. وهذا ما يجعلنا نؤكد ان اضاعة الانسان لبعض ساعات نومه لا تعني بالضرورة اصابته بالأرق، حتى‏ ولو زادت هذه الساعات عن خمس ساعات في اليوم.. المهم النتيجة من النوم حتى‏ لو كان قليلاً او متقطعاً.

الجنون مرض عصري‏

"الأرق" ليس مرضاً وراثياً يمكن انتقاله من الآباء الى‏ الأبناء. لكنه عارض نفساني في اكثر حالاته، او عارض عضوي ثانوي لمسببات مرضية اخرى‏ في قليل من حالاته. فالخبراء يقولون ان اكثر من 80% من مسببات "الأرق" هي القلق والتوترات النفسية الناجمة عن التفكير في المشاكل الحياتية. اضف الى‏ ذلك امراض الكآبة والاثارة الزائدة اللتين اصبحتا من سمات الرجل والمرأة في هذا العصر. وبالرغم من ان هذه المسببات تقع تحت طائفة كبيرة من الاضطرابات النفسانية التي يتلخص علاجها الوحيد بالعلاج النفساني، الا ان غالبية البشر الذين يعانون منها يحجمون عن زيارة العيادات النفسانية حتى‏ لا يقال عنهم بأنّهم مصابون بمشاكل عصبية قد يفسرها البعض "بالجنون". ولذلك فلا حل لهؤلاء يمكن ان نقدمه اليهم الا بنصيحة واحدة، وهي ضرورة زيارة طبيب نفساني موثوق به. لانّه هو الذي يستطيع وحده ان يعيد النوم لمثل هؤلاء الذين حرموا من نعمته.

أمّا عن المسببات الاخرى‏ الشائعة للأرق فهي كثيرة فالضوضاء وتناول عشاء ثقيل قبل النوم - خصوصاً المقليات والمواد الحريفة - او النوم في غرفة رديئة التهوية، او "شخير" شخص آخر يشارك المصاب غرفته.. كلّها تأتي بالأرق. وهذه كلّها يمكن علاجها بسهولة ما دام قد تم اكتشافها. أضف الى‏ ذلك مسببات اخرى‏ ناجمة عن الاصابة بأمراض عضوية مختلفة مثل الاصابة ببعض الامراض المزمنة كأمراض الرئة او القلب او الكلي، او بعض الالتهابات المزمنة مثل الروماتيزم او الربو. فهؤلاء المرضى يصبح نومهم متقطعاً. كما ان هؤلاء الذي يشكون من بعض الآلام او من الحمى‏ او من كثرة العرق الليلي قد لا ينامون الليل بأكمله. كثيراً ما يغمض النوم جفون المريض سريعاً، ولكنه بعد مضي ساعتين او ثلاثة نجده يستيقظ ولا يستطيع مواصلة النوم بعد ذلك. وهذا ما يجعله يشعر بالتعب والاجهاد في اليوم التالي. كما لا ننسي فئة مدمني تعاطي بعض انواع العقاقير، فهؤلاء لا ينعمون بنومهم بسبب المضاعفات الجانبية البغيضة التي تخلفها هذه العقاقير لهم بمرور الوقت. كما قد تبدأ عادة تعاطي الحبوب المنومة من المستشفى‏ بعد اتمام عملية جراحية مثلاً حيث يتعود عليها المريض، ويواصل تعاطيها بعد خروجه منها.

ويكفي ان نعلم ان هناك ما يربو عن 60 مليون شخص في اميركا "يعانون من الأرق" بمختلف أسبابه.

كما ان هناك شخصاً واحداً من كلّ خمسة أشخاص في المانيا الغربية يعاني من نفس المشكلة. ومعظم هؤلاء من فئات الرجال والنساء بشكل خاص، من ذوي الأعمار المتوسطة او الكبيرة. ولعل كثيراً من هذه الحالات خاصة الطاعنة منها في السن، تتوهم اصابتها "بالأرق" لأنّها ببساطة لا تعرف انّه كلّما تقدم العمر بالانسان قلت حاجته الى‏ النوم.

العصر الذهبي‏

والآن نأتي الى‏ السؤال التقليدي:

ماذا يفعل عادة المرء المصاب بالأرق للتخلص من هذا الزائر المزعج؟ هذا السؤال إذا وجهناه الى‏ المرض انفسهم - اينما كانوا - لوجدنا ان 90% منهم يتعاطون نوعاً او آخر من الحبوب المنومة. لذلك فلا عجب ان نرى‏ ازدهاراً ورواجاً لسوق مبيعات هذه الحبوب بشكل لا مثيل له. فهناك نحو 9 ملايين اميركي يتناولون حالياً الحبوب المنومة بشكل منتظم. وفي بريطانيا توجد امرأة ضمن أربع تتعاطى‏ هذه الحبوب بصفة دائمة، حتى‏ وصل عدد وصفات العالم المنومة هذا العام الى‏ نحو 25 مليون وصفة في بريطانيا وحدها.

وقصة الحبوب المنومة طريفة فقد كان الكحول والأفيون في مطلع هذا القرن العلاج الأمثل للأرق، لكن مشاكلهما الادمانية لا تخفى‏ على‏ احد. بعدهما اكتشفت مادة "الكلورال" ومشتقاتها، ثمّ "البروميدات"، و"البارا الدهيدات"، وكلّها تتصف بطعم ردي‏ء للغاية وبمضاعفات جانبية غير مستحبة. ثمّ جاء عصر "الباربيتيورات" حتى‏ باتت هذه في الخمسينات والستينات من اكثر انواع الحبوب المنومة شيوعاً على‏ الاطلاق. ولكن نظراً الى‏ مضاعفاتها الخطيرة خاصة امكان الادمان الجسدي بحيث تصبح بمرور الوقت جزءاً لا يتجزأ من كيمياء الجسم، فان الأطباء يحجمون عادة عن وصفها الا تحت ظروف خاصّة، واشراف طبي دقيق.

امّا الآن فان صناعة الحبوب المنومة تشهد عصراً ذهبياً آخر بعدما اكتشفت مجموعة جديدة من العقاقير المهدئة التابعة لطائفة "البنزوديازيبينات" ومن امثلة هذه المجموعة حبوب "فاليوم" (ديازيبام)، و"الموغادون" (نيترازيبام) التي شاع استخدامها الآن بشكل لم يسبق له مثيل. وحتى‏ هذه الحبوب لها مشاكل خطيرة ومضاعفات كبيرة إذا ما استعملها الانسان لمدد زمنية طويلة.

والصيدليات بصفة عامة تعج بمختلف أشكال الحبوب المنومة حيث يقارب عددها نحو 20 نوعاً بعضها يمكن صرفه من دون روشته طبية، والبعض الآخر لا يصرف فرضاً الّا بأمر الطبيب. بيد ان وسائل الحصول على‏ هذه الاخيرة بطرق "التوائية" غير مشروعة، اضحت مشكلة المشاكل التي تواجه كثيراً من بلدان العالم النامي نظراً لقلّة الرقابة الصحية على‏ الصيدليات.

اخطار اخطار!

يقول الدكتور "ليتل" استاذ التحليل النفسي الأمريكي: ان على‏ المريض الذي يعاني من الأرق عدم تعاطي العقاقير والحبوب المنومة مطلقاً. كما هاجم في تصريح صحفي لمراسل وكالة "يونايتد برس" هؤلاء الأطباء الذين يطلبون من مرضاهم تناول هذه الحبوب، ووصفهم بأنّهم قليلو الخبرة ولا يعرفون شيئاً عن اسرار النوم. فهؤلاء الأطباء للأسف يعتقدون ان زيادة عدد ساعات النوم كفيلة بحل مشكلة الأرق، والواقع انّه لا علاقة لطول مدّة النوم بالأرق. اذ يمكن للانسان ان يمضي ليلته كلّها في النوم، ويستيقظ في الصباح وهو قلق ومتوتر الأعصاب وكأنّه لم ينم مطلقاً.

ويقول البروفيسور "كريستيان بيكر" خبير التحليل النفسي في مدينة مونسترا الألمانية الغربية: ان الحبوب المنومة وان كانت الجواز المؤقت الى‏ النوم، الّا ان اضرارها اكثر من حسناتها. ذلك لأن طبيعة النوم الذي تجلبه هذه الحبوب للمرء انّما هي اصطناعية بحتة ما تلبث ان تترك آثاراً سيئة للغاية على‏ النفس والبدن. كما ان مفعول هذه الحبوب قد يبقى‏ حتى‏ بعد الاستيقاظ من النوم. وهذا ما يجعل المرء في حالة نعاس وكسل مستمرين علاوة على‏ ان درجة تفاعله مع الغير تصبح بطيئة للغاية. ويواصل هذا الخبير قوله: ان الحبة المنومة لها ردّ فعل سي‏ء جداً على‏ الجسم لأنّها لا تتيح للنائم التمتع بالنوم الطبيعي، ولا تجعله ينام نوماً عميقاً هادئاً يتمتع من خلاله برؤية الأحلام البهيجة. ذلك لأنّ الحبوب المنومة تقلل من فرص مشاهدة الاحلام، بل وقد تقضي عليها كلية، والظن السائد الآن ان هذه الاحلام التي نراها اثناء نومنا، هامة جداً لحياتنا لانها بمثابة صمام "التنفيس" الذي من خلاله نطرد كثيراً من المشاكل والعقد النفسية الحبيسة في عقلنا الباطن.

كما ان المشكلة الأخرى‏ الهامة للحبوب المنومة هي ان مفعولها لا يدوم طويلاً، فهي بعد ثلاثة الى‏ عشرة ايام فقط من تعاطيها المتواصل تصبح عديمة المفعول ويصبح الجسم لا يستجيب اليها. فيضطر المرء الى‏ زيادة جرعاتها، وهكذا يدور في حلقة مفرغة كئيبة على‏ النفس بسبب ظهور مشكلة ادمان الحبوب المنومة. فاذا قرر التوقف عن تعاطيها، اصيب بنكسات صحية خطيرة منها الشعور بالخوف، وبرجفة في الأطراف، وبرعشة في الأصابع، علاوة على الاصابة بخفقان القلب، والاصابة بتشنجات عضلية مع تصبب العرق مع اعراض شديدة من القي‏ء والغثيان، وبنوبات من الصداع اشبه بالصداع "النصفي"، كما لوحظ أيضاً على‏ هؤلاء الذين توقفوا عن تعاطي الحبوب المنومة فجأة انهم اصيبوا بداء "التأتأة"، وبعدم القدرة على‏ التركيز والتفكير السليم، علاوة على‏ شدة توتر الاعصاب وسرعة الغضب. وللأسف نجد من هذه الاعراض ما كانت مشابهة اصلاً لعلامات "الأرق" الذي وصفت من اجله الحبوب المنومة.

وفي دراسة جديدة حول الحبوب المنومة وأخطارها، اظهرت بعض النتائج ان الاشخاص الذين يتعاطون هذه الحبوب يعانون من احباط فادح في قدراتهم الجسدية والعقلية تقدر بنحو الربع. كما ان معظم هؤلاء يعانون في اليوم التالي من بعض الآثار البغيضة التي تخلفها هذه الحبوب. فنجدهم يشعرون "بدوخة"، وعدم القدرة على‏ اتقان صنع أي شي‏ء يفعلونه، أو اي حكم يصدرونه. وفي هذه الحالة ينصح الخبراء مثل هؤلاء بعدم قيادة السيارة، او تشغيل اي ماكينة نظراً لامكان حدوث اخطاء غير مقصودة عندما يكونون تحت تأثير المادة المنومة. ويكفي ان نعلم ان المرء قد يحتاج الى‏ نحو ثلاثة أيام كاملة حتى‏ يستطيع جسمه التخلص نهائياً من المادة المنومة. واخيراً، فإن تناول الحبوب المنومة لمدد طويلة قد تكون سبباً مباشراً للاصابة بالضعف الجنسي الذي يشكو منه بعض الرجال "المدمنين".

لذلك يكاد يجزم معظم الخبراء وأهل العلم على‏ ان: لا الحبوب المنومة، ولا العلاج "بالابر" يفيدان في علاج الأرق. ذلك لأن معظم حالات الأرق يمكن حلها اما عن طريق العلاج النفسي psychotherapy، او عن طريق العمل على‏ تغيير انماط حياة هؤلاء المرضى‏ بارشادهم وتعليمهم كيف ينامون نوماً طبيعياً مريحاً من دون عناء. امّا الحبوب المنومة فيجب ان يقتصر استعمالها فقط على‏ المصابين بأمراض عصبية مزمنة مثل المصابين بداء "الصرع"، او اولئك الذين لسبب او لآخر حرموا تماماً من نعمة النوم.

وصفات شعبية لعلاج الأرق‏

هذه طائفة من الوصفات الشعبية التي تغنيك تماماً عن الحبوب المنومة ما دمت لا تعاني اصلاً من امراض عضوية او نفسية تمنعك من النوم:

* تناول قرصين من السكر او قطعة من سكر "البنات" قبل النوم. فلقد اثبتت بعض الأبحاث الجديدة ان رفع مستوى‏ السكر في الدم يساعد على‏ جلب النعاس والاستغراق في نوم مريح.

* او تناول كوباً دافئاً من "الزهورات" او خليط من الأعشاب البرية. وهذه تباع في محلات "السوبرماركت" على‏ هيئة اكياس صغيرة كأكياس الشاي. كذلك جرب مشروباً دافئاً من النعناع البري او النعناع البستاني او الناردين فهي مفيدة جداً للتخلص من الأرق.

* تناول كوباً او كوبين من الحليب الدافى‏ء المحلى‏ بالسكر قبل النوم. لقد أكدت بعض الأبحاث الجديدة ان الحليب غني بمادة طبيعية اسمها "تربتوفان" وهي واحدة من الأحماض الأمينية الأساسية الضرورية لبناء مادة البروتين. وهذه المادة هي مصدر مواد اخرى‏ عصبية (سيروتونين ودوبامين) الضرورية لتلطيف مراكز النوم في الدماغ.

* إذا كنت لا تحب الحليب فيمكنك الآن شراء اقراص "التربتوفان" الطبيعية من الصيدلية، وهذه تتراوح قوتها ما بين غرام واحد الى‏ اربعة غرامات.

حتى‏ لا تصاب بالأرق‏

* عليك ان تذهب الى‏ الفراش من أجل النوم فقط. فالفراش ليس مكاناً مناسباً لاستعراض مشاكلك الحياتية، وايجاد الحلول المناسبة لها.

* إذا صحوت أثناء النوم ولم تستطع العودة اليه، اترك الفراش وحاول القراءة او عمل اي شي‏ء آخر حتى‏ تشعر بالنعاس مرّة اخرى‏.

* يجب النوم في الفراش في وقت محدد، واليقظة في الصباح في وقت محدد أيضاً.

* عليك ان تتناول طعام العشاء قبل ميعاد نومك المعتاد بفترة كافية، الا إذا كان الطعام خفيفاً سهل الهضم مثل الحليب او اللبن او الجبن.

* عليك ايضاً عدم تناول القهوة او الشاي او الشكولاته او التدخين قبل النوم. وإذا كان لا بدّ من ذلك، فحاول تناولها قبل أربع ساعات على‏ الأقل من موعد النوم.

* ننصحك بتناول كوب او كوبين من الحليب الدافى‏ء قبل النوم، مع ضرورة الابتعاد عن تناول الاطعمة "المقلية" او الحريفة في وجبة العشاء نظراً لصعوبة هضمها.

* اذا كان هناك شخص آخر يشاركك غرفة نومك ومصاب "بالشخير"، فلا بد من الاسراع بهذا الشخص الى‏ الطبيب لتحديد السبب وازالته إذا كان مصدره مرضاً في الأذن او الأنف او الحلق او ادمان التدخين او بسبب البدانة الزائدة.

* بعض الخبراء ينصحونك بممارسة المشي في الهواء الطلق قبل النوم. كما ينصح آخرون بالقيام ببعض التمارين الرياضية او "اليوغا" او تهوية غرفة النوم بما فيه الكفاية قبل ذهابك الى‏ الفراش.

* ينصح الخبراء الاتنام في فترة النهار، وهذه مسألة يمكن بسهولة التعود عليها إذا حاولت شغل نفسك بأعمال اخرى‏ اثناء فترة ما بعد الظهيرة.

* اخذ حمام ساخن قبل موعد النوم مفيد للغاية لأنّه لا يؤدي الى‏ استرخاء عضلاتك فحسب، بل والدماغ ايضاً بسبب سرعة جريان دورة الدم الى‏ الجلد للتخلّص من الحرارة الزائدة عبر المسام، وهذا ما يقلل من وصول الدم الى‏ الدماغ فتشعر بالنعاس.

* يجب مراعاة عدم ارتداء ملابس النوم الضيقة حتى‏ تنعم بنوم هادى‏ء ومريح.

* اخيراً لا تنزعج إذا بقيت مستيقظاً، فكثير من الناس لا يحتاجون كلّ ساعات نومهم، ويمكنهم العيش بصورة طبيعية تماماً حتى‏ إذا ناموا ساعات اقل من المعتاد.






  الطفل والتربية
(تتمة البحث)
العناية بالطفل



  

مشاكل النوم‏

إنّ النوم ضرورة حيويّة في حياة الإنسان، ولا سيّما في حياة الطفل، لأنّه يحمي صحّته الجسدية والنفسيّة، كما يساعده على‏ الاحتفاظ بتوازنه النفسيّ، وعلى‏ النموّ الصحيح.

تظهر مشاكل النوم حين يعجز الطفل عن الإغفاء حين يشعر بالحاجة لذلك. وقد تكون هذه المشاكل مؤقّتة وغير خطرة، وتدلّ غالباً على‏ قلق الطفل وعدم إحساسه بالأمان.

لكن قد تصبح هذه المشاكل حادّة للغاية ودائمة، ممّا يدلّ على‏ وجود مشكلة نفسية تتطلّب معالجة فوريّة حتى‏ لا تتطوّر.

تثبت الدراسات أنّ مشاكل النوم تظهر لدى‏ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين السنتين والخمس سنوات، وهي تشمل الأرق والسير أثناء النوم والكوابيس المزعجة المتكرّرة.

لا شكّ أنّكم تتساءلون الآن: ما الأسباب الكامنة وراء هذا النوع من المشاكل؟

أ - أسباب مشاكل النوم‏

1 - الخوف من الظلام الذي يرافق الكثيرين من الأطفال، وقد يبلغ أحياناً حدّ التسبّب في الأرق أو الكوابيس المزعجة.

2 - المشاكل العاطفيّة والانفعاليّة التي يعاني منها الطفل، فتجعله دائم التوتر، ممّا يفضي إلى‏ مشاكل عدم النوم.

3 - الإحساس بالقلق والإضطراب والخوف، وغياب الشعور بالأمان والاطمئنان.

4 - تخويف الأهل للطفل كي يطيعهم، فيقولون له مثلاً خلال النهار: إذا لم تفعل كذا وكذا، سيخنقك الشيطان أثناء النوم، وغير ذلك من الروايات.

5 - تكرار الكوابيس أثناء النوم، ممّا يجعل الطفل يخاف من وقت النوم، فيتسبّب ذلك بالقلق، وبالتالي بالأرق.

6 - التعب الشديد جسديّاً أو عصبيّاً.

7 - الإكثار من تناول الطعام، ولا سيّما قبل النوم.

8 - إجبار الطفل على‏ النوم أكثر من حاجته، لأنّ الأهل يعتقدون أنّه من الضروري أن ينام مدّة معيّنة.

9 - معاملة الطفل بشكل سيّى‏ء، كالاعتداء عليه بالضرب وزجره وتعنيفه لأتفه الأسباب.

10 - حياة عائليّة مضطربة تسودها المشاكل.

ب - الوقاية من مشاكل عدم النوم‏

للوقاية من مشاكل عدم النوم، يمكن اعتماد العديد من الوسائل، أهمّها:

1 - مساعدة الطفل على‏ حلّ مشاكله العاطفيّة والانفعاليّة، وذلك بالتحدّث عنها مع الأهل.

2 - عدم تخويف الطفل، مهما تكن الظروف.

3 - محاولة معرفة الكوابيس، إذا كان الطفل يعاني منها، حتى‏ لا تتطور حالته.

4 - عدم السماح للطفل أو الطلب إليه القيام بأعمال تفوق قدرته الجسدية والعصبيّة.

5 - عدم السماح له بالإكثار من الطعام قبل النوم.

6 - ترك الحرية للطفل كي ينام بحسب حاجته، لا بحسب ما يريد الأهل.

7 - معاملة الطفل بالحُسنى‏، وتصحيح أخطائه بالتوعية والمناقشة، لا بالضرب والزجر.

8 - تأمين جوّ عائليّ هادى‏ء.

9 - تشجيع الطفل على‏ ممارسة الرياضة في أثناء النهار.

10 - عدم استخدام السرير لأيّ نشاط (كالقراءة أو مشاهدة التلفزيون أو غير ذلك) غير النوم.

11 - تجنّب مشاهدة البرامج التلفزيونية المخفية والعنيفة قبل النوم.

ج - علاج مشاكل النوم‏

إذا وقعت المشكلة وأصيب الطفل بالأرق أو بالكوابيس المخيفة أو راح يسير أثناء النوم، فما العمل؟

1 - التحدّث مع الطفل عمّا يخيفه أو يقلقه.

2 - الطلب إلى‏ الطفل أن يستحمّ قبل الذهاب إلى‏ النوم، لأنّ الاستحمام يؤدي إلى‏ استرخاء العضلات، ممّا يساعده على‏ النوم.

3 - تشجيع الطفل على‏ القراءة قبل النوم.

4 - عدم الإكثار من الطعام قبل النوم.

5 - ممارسة الرياضة خلال النهار.

6 - تأمين غرفة نوم هادئة وملائمة.

7 - عدم استخدام السرير لغير النوم.

8 - عدم الذهاب إلى‏ الفراش إلّا للنوم، فإذا لم يستطع ذلك بعد خمس دقائق، عليه النهوض والقيام ببعض الأعمال كي يتسلّى‏.

9 - إذا كان الطفل يسير في أثناء النوم، يجب أن يُعاد إلى‏ فراشه بهدوء، ويمكن أن يحاول الأهل أن يوحوا إليه، بالتأكيد الدائم، أنّه حالما سيلمس أرض الغرفة سيستيقظ.

10 - في هذه الحالة أيضاً، ينصح عدم استخدام وسائل عنيفة أو فجائيّة كي يستيقظ الطفل.

11 - إذا استمرّ في السير أثناء النوم وازداد حدّة، من الضروريّ اللجوء إلى‏ اختصاصي في علم النفس أو إلى‏ الطبيب.

12 - التحدّث إلى‏ الطفل حتى‏ يشعر بالأمان، إذا رأى‏ كابوساً مخيفاً.

13 - السماح للطفل باللعب أثناء النهار كي يتحرّر من مشاعر القلق والخوف.

التبرّز اللّاإراديّ‏

يصبح التبرّز اللاإراديّ في الثياب أمراً غير طبيعيّ بعد سنّ الثالثة. هذه المشكلة غير منتشرة، كما هي الحال مع التبوّل اللاإراديّ.

أ - أسباب التبرّز اللّاإراديّ‏

1 - إذا عانى الأهل من هذه المشكلة في طفولتهم، فقد يُصاب بها الطفل وراثياً.

2 - إذا ضغطت الأمّ بشدّة على‏ الطفل كي يتدرّب على‏ السيطرة على‏ برازه، فقد يؤدّي به اضطرابه الشديد إلى‏ العجز تماماً عن ذلك.

3 - قد يكون لذلك علاقة بمشاكل جسديّة في الأمعاء أو غير ذلك.

ب - الوقاية من التبرّز اللاإراديّ‏

1 - التغذية الصحيحة والمتنوّعة، بحيث تحتوي على كامل الفيتامينات والبروتينات والدهون والسكريّات الضروريّة.

2 - تناوُل الطعام في جوّ من الهدوء والاسترخاء.

3 - تنظيم أوقات الطعام.

4 - تعويد الطفل على‏ الذهاب بانتظام إلى‏ الحمّام، لكن دون قسوة. على‏ أيّة حال، فإنّ ذلك غير ممكن قبل سنّ الثالثة.

ب - علاج التبرّز اللّاإرادي‏

1 - عدم توبيخ الطفل ومعاملته بحنان وحبّ.

2 - إبعاد كلّ أسباب التوتّر عن الطفل.

3 - التأكيد للطفل بأنّ مشكلته غير نادرة، وأنّه ليس أقلّ شأناً من رفاقه.

4 - تشجيع الطفل ومكافأته حين يسيطر على‏ برازه.

مشاكل النطق‏

غالباً ما يعجز الأطفال عن النطق الصحيح، فتظهر لديهم التأتأة أو استبدال حرف بآخر أو غير ذلك. قد تكون هذه الحالةمرحلة طبيعيّة يمرّ بها الطفل في بداية تعلّمه النطق، ويمكن بالتالي أن يتخطّاها تدريجيّاً، كلّما كبر في السنّ. لكن، قد تكون هذه الحالة مرضيّة، وهنا من الضروريّ التدخّل لحلّ المشكلة. لذلك يبدو من الضروريّ التأكّد من نوع الحالة.

أ - أسباب مشاكل النطق

1 - عوامل وراثيّة.

2 - مشاكل في الجهاز العصبي أو في جهاز الكلام أو في الدماغ.

3 - إحساس الطفل بالقلق والخوف.

4 - عدم شعور الطفل بالأمان، لا سيّما بوجود المشاجرات العائليّة المتتالية.

5 - إرغام الطفل على‏ ما لا يرغب فيه وعلى‏ ما لا يقدر عليه.

ب - الوقاية من مشاكل النطق‏

1 - تعليم الطفل الكلام بشكل صحيح منذ البدء، وعدم تقليده في الأخطاء التي يرتكبها، بل تصحيحها، دون زجره ومعاقبته.

2 - عدم إجبار الطفل على‏ الكلام، بل الاستجابة لرغبته.

3 - تشجيع الطفل على‏ الكلام ببطء وبدقّة حتى‏ لا يخطى‏ء.

4 - محاولة تفهُّم مشاكل الطفل ومساعدته على‏ التحدّث عنها.

5 - تشجيع الطفل على‏ الكلام، دون إكراه، لا سيّما أمام الآخرين.

ج - علاج مشاكل النطق‏

يجب أوّلاً عرض الطفل على‏ طبيب للتأكّد من عدم وجود مشاكل جسديّة تتسبّب في المشاكل التي يعانيها في النطق، لأنّه، في حال وجود مشاكل كهذه، من الضروريّ معالجتها لدى‏ أخصّائيّ.

في حال كانت مشاكل النطق ناتجة عن اضطرابات نفسيّة، ما العمل‏

1 - مساعدة الطفل على‏ تخطّي مشاعر القلق والتوتّر الناتجة عن أيّة مشكلة عاطفيّة أو نفسيّة تواجهه.

2 - عدم الضغط على‏ الطفل وتوبيخه إذا أخطأ.

3 - تشجيع الطفل على‏ التكلّم والقراءة بصوت عالٍ وببطء.

4 - تأمين جوّ عائليّ هادى‏ء، يعطي الطفل إحساساً بالأمان والثقة.

5 - عدم السخرية من الطفل وتجاهل المشكلة.

6 - مكافأة الطفل حين يحسّن نُطقه.

تنبيه:

يجب إحاطة الطفل بجوّ من الأمان والثقة، وعدم توبيخه إذا أخطاء.

قضم الأظافر

إنّ عدد الأطفال الذين يقضمون أظافرهم كبير جداً. وتنتشر هذه المشكلة بين الفتيات أكثر منها بين الفتيان.

أ - أسباب قضم الأظافر

1 - عوامل وراثيّة.

2 - أمراض جسديّة تتسبّب لديه العصبيّة وعدم الإحساس بالأمان.

3 - إحساس الطفل بالحزن نتيجة الفقر، أو عدم القدرة على‏ تحقيق ما يرغب فيه.

4 - عدم انسجام الطفل في علاقاته الاجتماعيّة والعائليّة.

5 - سوء التربية.

ب - الوقاية من قضم الأظافر

كيف نحمي الطفل من هذه العادة التي غالباً ما تتحوّل إلى‏ مشكلة يصعب التخلّص منها؟

1 - قصّ أظافر الطفل بشكل دائم، حتى‏ لا يُضطّر قضمها بنفسه.

2 - الاهتمام الدائم بالطفل حتى‏ لا يشعر بالحزن والعجز عن تحقيق ما يرغب فيه.

3 - علاج أيّة مشكلة جسديّة يُصاب بها.

4 - مساعدة الطفل على‏ تكوين علاقات اجتماعيّة ناجحة.

5 - تأمين جوّ عائليّ هادى‏ء ملي‏ء بالمحبة والأحساس بالأمان.

ج - علاج قظم الأظافر

كيف يتصرّف الأهل حين يبدأ الطفل بقضم أظافره؟ هل يعاقبونه؟ هل يقومون بدهن أصابعه بمادّة مرّة المذاق؟

كلّ هذه الوسائل خاطئة. يجب اللجوء إلى‏ وسائل أخرى‏ لا تؤدّي إلى‏ ازدياد إحساس الطفل بالقلق والعصبية. فما هذه الوسائل؟

1 - قصّ أظافر الطفل يومياً.

2 - دفع الطفل إلى‏ ممارسة أعمال يدويّة وعضليّة، ممّا يجعل يديه في شغل دائم.

3 - الاهتمام بالطفل، وإشباع حاجاته، ومحاولة تحقيق رغباته حتى لا يشعر بالقلق والنقص.

4 - التحدّث إلى‏ الطفل حول مساوى‏ء هذه المشكلة، ومحاولة إقناعه بضرورته التخلّي عنها.

5 - مكافأة الطفل كلّما بذل جهداً جدّيّاً للتخلّص من هذه العادة السيئة، ولو تمّ ذلك على‏ مراحل.

6 - تعليم الطفل كيفيّة الاسترخاء والتغلّب على‏ التوتّر.

7 - تأمين جوّ هادى‏ء، ملي‏ء بالفرح، بعيد عن أيّ إحساس بالقلق.

8 - مساعدة الطفل على‏ تحسين علاقاته برفاقه.

المصاعب المدرسيّة

مصاعب مدرسيّة تجعل الأهل مضطربين لايعرفون كيف يمكن ينقذوا حياة طفلهم المدرسية، وبالتالي مستقبله العلميّ.

أهمّ هذه المصاعب هي الرسوب وعدم الرغبة في التعلمّ. فما الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلة الشديدة الانتشار؟

أ - أسباب المصاعب المدرسيّة

1 - التأخّر العقليّ لدى‏ الطفل، إذ يكون نموّ العقل غير ملائم لسنّ الطفل، وهي حالات نادرة.

2 - عدم وجود الدقّة في الحواس الخمس لدى‏ الطفل.

3 - الجوّ العائليّ المتوتّر، الملي‏ء بالمشاكل والمشاجرات.

4 - إهمال الأهل للطفل.

ب - الوقاية من المصاعب الدراسيّة

1 - العناية بصحّة الطفل بشكل دائم. ولا سيّما صحّة حواسّه الخمس لأنّها النوافذ التي يستقبل من خلالها العلم.

2 - ملاحقة الطفل في دروسه يومياً دون الضغط عليه.

3 - تأمين جوّ عائليّ بعيدٍ عن المشاكل والمشاجرات.

4 - الاهتمام بالطفل والإصغاء لمشاكله وهمومه.

5 - عدم الضغط على الطفل كي يحصل على‏ نتائج تفوق قدراته.

6 - مكافأة الطفل على‏ كلّ تقدّم أو نجاح يحرزه.

ج - علاج المصاعب المدرسيّة

1 - عدم السّخرية من الطفل أو معاقبته.

2 - التحدّث إلى‏ الطفل، ومحاولة اكتشاف مشكلاته النفسيّة والمدرسيّة.

3 - الاهتمام بدروس الطفل وملاحقته يومياً، دون أن يشعر بأنّه أقلّ من إخوته ورفاقه.

4 - تأمين جوّ عائليّ هادى‏ء.

5 - تشجيع الطفل ومكافأته على‏ أيّ تقدّم يحرزه، مهما يكن بسيطاً.

6 - الاتّصال بأساتذة الطفل والتعاون معهم في سبيل حلّ الصعوبات التي يواجهها.

7 - عدم الضغط على‏ الطفل كي يتقدّم بشكل سريع، أو كي يحصل على‏ نتائج تفوق قدرته.






  على طاولة الحوار
القسم الرابع (تتمة البحث)
ذكر مجلس الإمام الرضا (عليه السلام) مع أهل الأديان‏
وأصحاب المقالات في التوحيد عند المأمون‏


  

قال الرضاعليه السلام : مشيّته واسمه وصفته وما اشبه ذلك وكلّ ذلك محدث مخلوق مدبّر قال عمران: يا سيدي فايّ شي‏ء هو؟ قال: هو نور بمعنى إنّه هاد خلقه من اهل السماء واهل الارض وليس لك على اكثر من توحيدي اياه قال عمران: يا سيدي أليس قد كان ساكتاً قبل الخلق لا ينطق ثم نطق؟ قال الرضاعليه السلام : لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله والمثل في ذلك إنّه لا يقال للسراج هو ساكت لا ناطق ولا يقال: إنّ السراج ليضى‏ء فيما يريد أنّ يفعل بنا لانّ الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون وإنّما هو ليس شي‏ء غيره فلما استضاء لنا قلنا: قد اضاء لنا حتى استضأنا به فبهذا تستبصر امرك قال عمران: يا سيدي فان الذي كان عندي ان الكائن قد تغير في فعله عن حاله بخلقه الخلق قال الرضاعليه السلام: جهلت يا عمران في قولك : إنّ الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره يا عمران هل تجد النار تغير بغير نفسها؟ وهل تجد الحرارة تحرق نفسها او هل رأيت بصيراً قط رأى بصره؟ قال عمران لم أر هذا إلا أن تخبرني يا سيدي اهو في الخلق أم الخلق فيه؟ قال الرضاعليه السلام : جل هو عن ذلك ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه تعالى عن ذلك وساء علمك ما تعرفه به ولا قوّة إلا باللَّه اخبرني عن المرآة انت كنت فيها أم هي فيك؟ فإنّ كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شي‏ء استدللت بها على نفسك يا عمران قال: بضوء بيني وبينها قال الرضاعليه السلام : هل ترى من ذلك الضوء في المرآة اكثر مما تراه في عينك؟ قال: نعم قال الرضاعليه السلام : فارناه فلم يحر جواباً قال: فلا ارى النور إلا وقد دلك ودل المرآة على انفسكما من غير ان يكون في واحد منكما ولهذا امثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالاً وللَّه المثل الأعلى ثم التفت إلى المأمون فقال: الصلاة قد حضرت فقال عمران: يا سيدي لا تقطع علي مسألتي فقد رق قلبي قال الرضاعليه السلام : نصلي ونعود فنهض ونهض المأمون فصلى الرضاعليه السلام داخلاً وصلّى الناس خارجاً خلف محمد بن جعفر ثم خرجا فعاد الرضاعليه السلام إلى مجلسه ودعا بعمران فقال: سل يا عمران قال: يا سيدي ألا تخبرني عن اللَّه عزّ وجلّ هل يوجد بحقيقة أو يوجد بوصف؟ قال الرضاعليه السلام : إنّ اللَّه المبدى‏ء الواحد الكائن الاول لم يزل واحداً لاشى‏ء معه فرداً لا ثاني معه لا معلوماً ولا مجهولاً ولا محكماً ولا متشابهاً ولا مذكوراً ولا منسياً ولا شيئاً يقع عليه اسم شى‏ء من الاشياء غيره ولا من وقت كان ولا الى وقت يكون ولا بشى‏ء قام ولا إلى شي‏ء يقوم ولا إلى شي‏ء استند ولا في شي‏ء استكن وذلك كلّه قبل خلقه الخلق إذ لاشى‏ء غيره وما اوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة وترجمة يفهم بها من فهم .

واعلم ان الابداع والمشية والارادة معناها واحد واسماؤها ثلاثة وكان اول ابداعه وارادته ومشيته الحروف التي جعلها اصلاً لكلّ شى‏ء ودليلاً على كلّ شي‏ء وفاصلاً لكلّ مشكل وبتلك الحروف تفريق كلّ شي‏ء من اسم حق وباطل او فاعل او مفعول او معنى او غير معنى وعليها اجتمعت الامور كلّها ولم يجعل للحروف في ابداعه لها معنى غير انفسها تتناهى ولا وجود لها لأنّها مبدعة بالابداع والنور في هذا الموضع (اول) فعل اللَّه الذي هو نور السموات والارض والحروف هي المفعول بذلك الفعل وهي الحروف التي عليها مدار الكلام والعبادات كلّها من اللَّه عزّ وجلّ علمها خلقه وهي ثلاثة وثلاثون حرفاً فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدلّ على لغات العربية ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفاً تدلّ على لغات السريانية والعبرانية ومنها خمسة احرف متحرفة في ساير اللغات من العجم والاقاليم واللغات كلّها وهي خمسة احرف تحرفت من الثمانية والعشرين حرفاً من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً فأمّا الخمسة المختلفة (ف ي ج ح خ) لا يجوز ذكرها اكثر مما ذكرناه ثم جعل الحروف بعد احصائها واحكام عدتها فعلاً منه كقوله عزّ وجلّ (كن فيكون) وكن منه صنع (وما) يكون به المصنوع فالخلق الاوّل من اللَّه عزّ وجلّ الابداع لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حس والخلق الثاني الحروف لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور اليها والخلق الثالث ما كان من الانواع كلّها محسوساً ملموساً ذا ذوق منظوراً إليه واللَّه تبارك وتعالى سابق للابداع لانّه ليس قبله عزّ وجلّ شي‏ء ولا كان معه شي‏ء والابداع سابق للحروف والحروف لا تدلّ على غير نفسها قال المأمون وكيف لا تدل على غير انفسها؟ قال الرضاعليه السلام لأنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئاً بغير معنى ابداً فإذا الف منها احرفاً اربعة او خمسة او ستة او اكثر من ذلك او اقل لم يؤلفها بغير معنى ولم يكن إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شي‏ء قال عمران فكيف لنا بمعرفة ذلك قال الرضاعليه السلام امّا المعرفة فوجه ذلك وبيانه إنّك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فرداً فقلت (ا ب ت ث ج ح خ) حتى تأتي على آخرها فلم تجد لها معنى غير انفسها وإذا الفتها وجمعت منها احرفاً وجعلتها اسماً وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها داعية إلى الموصوف بها افهمته؟ قال نعم قال الرضاعليه السلام واعلم انّه لا يكون صفة لغير موصوف ولا اسم لغير معنى ولاحد لغير محدود والصفات والاسماء كلّها تدلّ على الكمال والوجود ولا تدلّ على الاحاطة كما تدلّ الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس لانّ اللَّه عزّ وجلّ تدرك معرفته بالصفات والاسماء ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن وما اشبه ذلك ولا يحل باللَّه وتقدس شي‏ء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم انفسهم بالضرورة التي ذكرنا ولكن يدل على اللَّه عزّ وجلّ بصفاته ويدرك باسمائه ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع إذن ولا لمس كف ولا احاطة بقلب ولو كانت صفاته جلّ ثناؤه لا تدل عليه واسماؤه لا تدعو إليه والمعلمة من خلق لا تدركه لمعناه لكانت العبادة من الخلق لاسمائه وصفاته دون معناه فلولا إنّ ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير اللَّه لان صفاته واسمائه غيره أفهمت؟ قال: نعم يا سيدي زدني قال الرضاعليه السلام : اياك وقول الجهال من اهل العمى والضلال الذين يزعمون إنّ اللَّه جلّ وتقدّس موجود في الآخرة للحساب في الثواب والعقاب وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود للَّه عزّ وجلّ نقص أو نقصان لم يوجد في الآخرة ابداً ، ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحقّ من حيث لا يعلمون وذلك قوله عزّ وجلّ : (ومن كان في هذه اعمى فهو في الآخرة اعمى واضل سبيلا) يعني اعمى عن الحقايق الموجودة وقد علم ذووا الالباب إن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما ها هنا ومن اخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وادراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعداً لانّ اللَّه عزّ وجلّ جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الابداع اخلق هو ام غير خلق؟ قال الرضاعليه السلام : بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون وإنّما صار خلقاً لانّه شى‏ء محدث واللَّه تعالى الذي احدثه فصار خلقاً له وإنّما هو اللَّه عزّ وجلّ وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما خلق اللَّه عزّ وجلّ لم يعد ان يكون خلقه وقد يكون الخلق ساكناً ومتحركاً ومختلفاً ومؤتلفاً ومعلوماً ومتشابهاً وكلّ ما وقع عليه حد فهو خلق اللَّه عزّ وجلّ .

واعلم إنّ كلّ ما اوجدت بالحواس فهو معنى مدرك للحواس وكلّ حاسة تدل على ما جعل اللَّه عزّ وجلّ لها في ادراكها والفهم من القلب يجمع ذلك كلّه .

واعلم إنّ الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقاً مقدراً بتحديد وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدّر وليس في كلّ واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل احدهما يدرك بالاخر وجعلهما مدركين بنفسهما ولم يخلق خلقاً فرداً قائماً بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه واثبات وجوده فاللَّه تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنه والخلق يمسك بعضه بعضاً باذن اللَّه تعالى ومشيته وإنّما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم اللَّه تعالى بصفة انفسهم فازدادوا من الحقّ بعداً ولو وصفوا اللَّه عزّ وجلّ بصفاته ووصفوا اللَّه المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا فيه واللَّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قال عمران يا سيدي اشهد انّه كما وصفت ولكن بقيت لي مسألة قال: سل عما اردت قال: أسألك عن الحكيم في أي شي‏ء هو؟ وهل يحيط به شي‏ء؟ وهل يتحوّل من شي‏ء إلى شي‏ء؟ أو به حاجة إلى شي‏ء؟ قال الرضاعليه السلام : اخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه، فانّه من اغمض ما يرد على الخلق في مسائلهم وليس يفهم المتفاوت عقله العازب علمه ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون امّا اوّل ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل ان يقول: يتحوّل إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك ولكنه عزّ وجلّ لم يخلق شيئاً لحاجة ولم يزل ثابتاً لا في شي‏ء ولا على شي‏ء إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضاً ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه واللَّه جلّ وتقدّس بقدرته يمسك ذلك كلّه وليس يدخل في شي‏ء ولا يخرج منه ولا يؤده حفظه ولا يعجز عن امساكه ولا يعرف احد من الخلق كيف ذلك؟ إلا اللَّه عزّ وجلّ ومن اطلعه عليه من رسله واهل سره والمستحفظين لامره وخزانه القائمين بشريعته وإنّما امره كلمح البصر او هو اقرب إذا شاء شيئاً فإنّما يقول له (كن فيكون) بمشيته وإرادته وليس شي‏ء من خلقه اقرب إليه من شي‏ء ولا شي‏ء ابعد منه من شي‏ء أفهمت يا عمران؟ قال: نعم يا سيدي قد فهمت واشهد أنّ اللَّه تعالى على ما وصفته ووحدته واشهد ان محمداًصلى الله عليه وآله عبده المبعوث بالهدى ودين الحق ثم خرّ ساجداً نحو القبلة واسلم .

قال الحسن بن محمد النوفلي : فلما نظر المتكلّمون إلى كلام عمران الصابي وكان جدلاً لم يقطعه عن حجته أحد منهم قط لم يدن من الرضاعليه السلام احد منهم ولم يسألوه عن شي‏ء وامسينا فنهض المأمون والرضاعليه السلام فدخلا وانصرف الناس وكنت مع جماعة من اصحابنا إذ بعث الي محمد بن جعفر فاتيته فقال لي : يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك؟ لا واللَّه ما ظننت إن علي بن موسى الرضاعليه السلام خاض في شي‏ء من هذا قط ولا عرفناه به إنّه كان يتكلّم بالمدينة أو يجتمع إليه اصحاب الكلام قلت: قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن اشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم وربما كلم من يأتيه بحاجه فقال محمد بن جعفر: يا ابا محمد اني اخاف عليه ان يحسده عليه هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بلية فاشر عليه بالامساك عن هذه الاشياء قلت: إذا لا يقبل مني وما اراد الرجل إلا امتحانه ليعلم هل عنده شي‏ء من علوم آبائه‏عليهم السلام؟ فقال لي : قل له ان عمك قد كره هذا الباب واحبّ ان تمسك عن هذه الاشياء لخصال شتى فلما انقلبت إلى منزل الرضاعليه السلام اخبرته بما كان عن عمه محمد بن جعفر فتبسم‏عليه السلام ثم قال: حفظ اللَّه عمي ما اعرفنى به لم كره ذلك؟ يا غلام صر إلى عمران الصابي فأتني به فقلت: جعلت فداك انا اعرف موضعه وهو عند بعض اخواننا من الشيعة قال: فلا بأس قربوا اليه دابة فصرت إلى عمران فاتيته به فرحب به ودعا بكسوة فجعلها عليه وحمله ودعا بعشرة آلاف درهم فوصله بها قلت: جعلت فداك حكيت فعل جدك امير المؤمنين‏ u قال u هكذا يجب ثم دعاعليه السلام بالعشاء فاجلسني عن يمينه واجلس عمران عن يساره حتى إذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحباً وبكّر علينا نطعمك طعام المدينة فكان عمران بعد ذلك يجتمع اليه المتكلمون من اصحاب المقالات فيبطل امرهم حتى اجتنبوه ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم واعطاه الفضل مالاً وحمله وولاه الرضاعليه السلام صدقات بلخ فاصاب الرغائب .

تتمة البحث في العدد القادم‏






   ترويح القرّاء
تكملة بحث‏
لماذا الترويح عن النفس؟(3)


  

ان المشكلة في الذين لم ينجزوا شيئاً في حياتهم ليست في وجود ساعات الترويح عن النفس الكثيرة لديهم، بل في عدم وجود اهداف محدّدة لديهم، وضآلة هممهم، وضياع الخطة لديهم..

وإلا فان كل العظماء كانوا - بالرغم من انشغالاتهم - يمتّعون أنفسهم، بين حين وآخر، ويروّحون عن أنفسهم في ساعات الفراغ..

وهكذا فان الترويح عن النفس ضروري من اجل العمل ذاته، فحتى المحاربين هم بحاجة الى محطات استراحة في ميدان المعارك.

ويعرف ابطال الرياضة ان الاجهاد، قبل الدخول في المباريات، لا يحقّق لهم الفوز المنشود، وقد يفوّت عليهم الفرصة، ويقلب النتيجة المرجوة، فهم يستريحون بالمقدار الكافي، ثم يهبّون الى الميدان بكل قوة واندفاع.

وهكذا فان عليك ان تعرف بدقّة: متى تبدأ ساعة العمل، ومتى يبدأ وقت الراحة، من دون ان تخلط بينهما، فلا عمل وقت الراحة، ولا استراحة وقت العمل، فانت تمتلك {بطارية} داخلية اذا فرغت فلابدّ من اعادة شحنها، ولا يتمّ ذلك الا اذا توقفت عن العمل، فترة من الزمن تكفي لإعادة اعصابك إلى هدوئها، واراحة عضلاتك، لتعود إلى النشاط من جديد، وأنت غير سئم من العمل، ولا ضجر من الحياة..

ولا بدّ من اعادة التأكيد على ان المطلوب هو الراحة بعد العمل، ومن اجله، وليس الراحة من غير العمل، ذلك ان وهم التعب، أو التعب الروحي الناجم عن الكسل، أو ضعف الهمّة، او الضجر او ما شابه ذلك يجب ان نعالجه بالعمل، وليس بالاستراحة..

يقول الامام علي‏عليه السلام: {ايثار الدعة، يقطع اسباب المنفعة}.

وقد يقول قائل: إن ثقافتنا تقول ان الدنيا ليست بدار راحة، فكيف يكون مطلوباً منا أن نهتم بلذاتنا واستراحتنا، وساعات فراغنا فيها؟

والحق ان الدنيا ليست بدار راحة، فتلك حقيقة يشعر بها الجميع، ولكنها ايضاً ليس بدار عذاب.. فمن جعلها دار عذاب، فهو ممن تعجّل ذلك لنفسه، وإلا فان اللَّه تعالى ليس بظلام للعبيد..

يقول الحديث الشريف: {اعلم ان اللَّه تعالى، يُراد (يُطلب) باليسير، ولا يراد بالعسير، كما انّه تعالى أراد بخلقه التيسير، ولم يرد بهم التعسير}(1).

فادخال السرور على النفس، وعلى الناس هو مما يريده اللَّه للناس.

وتحريم ذلك ليس اقلّ من تحليل ما حرّمه اللَّه يقول تعالى: {قل من حرّم زينة اللَّه التي أخرج لعبادة، والطيبات من الرزق؟!}.

{قل هي للذين آمنوا في الحياة الدّنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون}(2).

اننا نهينا عن تحريم ما احل اللَّه، تحت طائلة العقاب يقول ربّنا: {يا ايها الذين آمنوا: لا تحرّموا طيّبات ما احل اللَّه لكم، ولا تعتدوا، ان اللَّه لا يحب المعتدين، وكلوا مما رزقكم اللَّه حلالاً طيباً، واتقوا اللَّه الذي أنتم به مؤمنون}(3).

ولقد روي ان هذه الآية نزلت في حقّ عدةٍ من اصحاب النبيّ‏صلى الله عليه وآله، انّهم اتفقوا على ان يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفراش، ولا ياكلوا اللحم، ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح، ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الارض.. فخطب النبي‏صلى الله عليه وآله: فقال: {ما بال اقوامٍ حرّموا النساء والطيب والنوم وشهوات الدنيا؟ أمّا اني لست آمركم ان تكونوا قسيسين ورهباناً، فانّه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وان سياحة أُمّتي ورهبانيتهم الجهاد..}(4).

ولقد شكى احد اصحاب الامام علي‏عليه السلام واسمه العلاء بن زياد الحارثي اخاه عاصم بن زياد قائلاً للامام: ان اخاه لبس العباءة وتخلّى من الدنيا فقال الامام: عليّ به فلما جاء قال: يا عُديَّ نفسه، لقد استهام بك الخبيث، أمّا رحمت اهلك وولدك؟ اترى اللَّه احلّ لك الطيبات وهو يكره ان تأخذها؟..(5).

ومن الواضح ان لا تناقض بين التقوى والدنيا، اذا التزمنا بحدود ما شرح اللَّه تعالى.. يقول الامام علي‏عليه السلام: {واعلموا - يا عباد اللَّه - ان المتّقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركو اهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم اهل الدنيا في آخرتهم: اباحهم اللَّه في الدنيا ما كفاهم به واغناهم، قال اللَّه عزّ وجلّ: {قل من حرّم زينة اللَّه التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة..}، سكنوا الدنيا بافضل ما سكنت، واكلوها بافضل ما اكلت، شاركوا اهل الدنيا في دنياهم، فاكلوا معهم من طيبات ما ياكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون..(6).

تتمة البحث في العدد القادم‏


   1- البحار ج‏74 ص‏13.
   2 - الاعراف 17: 32.
   3 - المائدة 5: 8 - 87.
   4 - البحار ج 40 ص 328.
   5 - شرح نهج البلاغة / عبده ج‏2/ 213.
   6 - امالي الطوسي ج‏1 ص‏25 - 26.