شهر محرّم الحرام
لماذا تكرار العزاء

  

يطرح البعض سؤالاً عن المبرر الشرعيّ و الأهداف الدينيّه وراء تكرار العزاء و اقامة المأتم على سيّد الشهداء (عليه السلام) و على بضعة المصطفى (صلى الله عليه وآله ) كلّ عام مع تطاول المدّة بنحو دائم و ندبة راتبة , و الحال أنّ الندبة و الرثاء على السبط الشهيد (عليه السلام) قد ثبت أنّه سنّة الهيّة تكوينيّة و قر?نيّة اضافة لكونها سنّة نبويّة : و قد أوضحت الكثير من الكتب و المراجع التاريخيّة و الدراسات عدداً من هذه الوجوه ..

فالوجه الأوّل و هو السنّة التكوينيّة الالهيّة , فيشير اليه قوله تعالى في سورة الدخان {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الأَرْضُ (1) , تنفي هذه الآية بكاء السماء و الأرض على هلاك قوم فرعون الظالمين , ممّا يقضي بوجود شأن فعل البكاء من السماء و الأرض كظاهرة كونيّة , و الاّ لما كان للنفي معنى محصّل : و قد أشارت المصادر العديدة من كتب العامّة - فضلاً عن كتب الخاصّة - الى وقوع هذه الظاهرة الكونيّة عند مقتل الحسين (عليه السلام) , من مطر السماء دماً , و احمرارها مدّه مديدة , و رؤية لون الدم على الجدران و تحت الصخور و الأحجار في المدن و البلاد الاسلاميّة , فلاحظ ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة الحسين (عليه السلام) بأسانيد متعدّدة .

بل قد طالعنا أخيراً كتاب باللغة الانجليزية اسمه : (ذي أنكلو ساكسون كرونكل)(2) كتبه المؤلف سنة 1954 و هو يحوي الأحداث التاريخيّة التي مرّت بها الأمّة البريطانيّة منذ عهد المسيح (عليه السلام) .. فيذكر لكلّ سنة أحداثها , حتى يأتى على ذكر أحداث سنة (685) ميلادية و هي تقابل سنة (61) هجرية سنة شهادة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) , فيذكر المؤلف أنّ في هذه السنة مطرت السماء دماً , و أصبح الناس في بريطانيا فوجدوا أنّ ألبانهم و أزبادهم تحوّلت الى دم(3) , هذا مع أنّ الكاتب لم يجد لهذه الظاهرة تفسيراُ , و لم يْشر من قريب و لا بعيد

الى مقارنة ذلك إلى سنة

(61) ? ق .

و أمّا الوجه الثاني و هو كون ذلك سنّة قر?نية , فهو على نمطّين :

الأول : إلزام الباري تعالى مودةّ أهل البيت (عليه السلام) على الناس , بل و جعل هذه الفريضة من عظائم الفرائض القر?نية في قوله تعالى : {ذلِكَ الَّذِي يُبَشّرُ اللهُ عِبَادَهُ الّذِينَ ?مَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحَاتِ قُل لاَ أَسْأَلَكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَ مَن يَقْتَرِفْ حَسَنَهً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } (4) حيث جعل المودّه أجراً على مجموع الرسالة المشتملة على أصول الدين العظيمة , ممّا يدلّل على كون هذه الفريضة في مصاف أصول الديانة , ثم بيّن تعالى أنّ المودّة لها لوازم و أحكام ..

منها : الإتّباع كما في قوله تعالى {قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ}(5) و منها الإخبات و الايمان بذلك كما في قوله تعالى : {وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ العِصْيَانَ}(6).

و منها : الحزن لحزنهم و الفرح لفرحهم كما في قوله : {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَ يَتَوَلَّوْا وَ هُمْ فَرِحُونَ}(7) .. فبيّن تعالى بدلالة المفهوم : أنّ العداوة مقتضاها الحزن لفرح النبي (صلى الله عليه وآله ) و أهل بيته (عليه السلام) : و الفرح لمصيبة النبي (صلى الله عليه وآله ) و أهل بيته (عليه السلام) فالمحبة تقتضي الحزن لمصابهم و الفرح لفرحهم , و نظير هذه الدلالة قوله تعالى {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَ إِنْ تَصْبُروا وَ تَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ}(8) ,فعلى هذه الدلالة القر?نيّة يكون العزاء و إقامة المأتم و الرثاء و الندبة على مصاب السبط بضعة المصطفى سيّد شباب أهل الجنة ريحانة الرسول الأمين من مقتضيات الفريضة العظيمة الخالدة بخلود الدين , و هي مودة القربى .

الثاني : و هو ما عقدنا هذا المقال له , و هو أنّ القر?ن قد تضمّن الرثاء و الندبة على خريطة و قائمة

المظلومين طوال سلسلة أجيال البشرّية ,و قد استعرض القر?ن الكريم ظلاماتهم بدءاً من هابيل إلى بقيّة أدوار الأنبياء و الرسل و روّاد الصلاح و العدالة , و الجماعات المُصلِحة المقاومة للفساد و الظلم , كأصحاب الأخدود و قوافل الشهداء عبر تاريخ البشريّة , و حتّى الأطفال المجنيّ عليهم نتيجة سنن جاهليّة كالموؤدة , بل قد رثى و ندب القر?ن ناقة صالح لمكانتها ..و لم يقتصر القر?ن على الرثاء و الندبة لمن وقعت عليهم الظلامات , بل أخذ في التنديد بالظالم و بالعتاة الظلمة : و توعّدهم بالعذاب و النقمة و البطش, كما سنجده في جملة من الموارد الآتية التي نتعرّض لها في السور القرانيّة .


  

1- الدخان:29:44.

2- لا حظ ص 38 و ص 35 و ص 42 من كتاب (The angle-saxon Chronical) و قد سجّل الكتاب في مكتبة (Everyman,s Library) تحت رقم (624) .

3- و إليك نصّ العبارة باللغة اللاتينيّة : 685.ln this year in Britain it rained blood , and milk and butter were turned into blood.

4- الشورى:23:42.

5- ?ل عمران:31:3.

6- الحجرات:7:49.

7- البراءة:50:9.

8- ?ل عمران:120:3.