من الطين ذاته جاءوا وإليه يعودون

   السماء أقرب ما تكون إلى الأرض في هذا الشهر.
   {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}، يعني تماماً انه شهر التوحّد بالأمل.
   الغفران متاح، والله يستجيب الدعاء، والملائكة تهبط إلى الحقول لكي تمهد للفرح الكبير الذي ينزله الخالق على قلوب المؤمنين الأوفياء له.
   نصوم ثلاثين نهاراً عن ما يروي ويشبع، ثلاثين ليلا ندخل طقوس الذوبان في العبادة والتطهر من كلّ ما علق بأرواحنا من أدران و مساويء.
   نصوم عن سهر بلا جدوى، ربما عن تصرفات نشعر أنها مراقبة أكثر هذا الشهر، عن مشاوير كنا نهرع نحوها، عن كذب أبيض وأسود، نشعر حقاً أن شهر رمضان دخول في حالة من البياض، وخروج إلى تجليات من عطر وضوء وبخور، لكن متى تتوب البنادق عن اغتيال الحلم؟ متى تتوقف القذيفة ويرتاح القناص ويعلن استقالتهم القاتلون؟
   متى يصوم الموت عن التهام المزيد من الضحايا؟
   ويسجد الظلم معتذراً عن كل ما اقترفته القناديل بحق الفراشات الراكضة نحو النور؟ أسجد أمامك يا شهر التوبة وأمدّ يديّ للخالق وحده وأسأله الرحمة بالناس في كلّ مكان، أسأله أن يهمس للأرض كي تتوقف عن الزلازل، وللبحر كي ينأى عن إرسال العواصف العاتيات، والمحتل يرحل عن أرض الغير والمخطيء يتوب عن خطئه.
   أسأله أن يصرخ في وجه الطغاة أن توقفوا عن شريعة الغاب وأن لا تقتلوا النفس التي حرّم قتلها الله من غير حق؟
   أسأله أن يعيد إلى القلوب صفوها، وإلى الأرواح نقاءها، لكي يدرك كل بني البشر انهم من الطين ذاته قد جاءوا وإليه ذاته سيعودون؟
   انّه شهر رمضان، رفقاً بنفسك يا أخي الإنسان أينما تكون، ومن أي لون تكون وبلد وجنس، رمضاننا ليس لنا وحسب، هو الشهر الذي تنفتح فيه أبواب السماء، فكن أينما كنت يا ابن آدم مرسال محبة كي تليق بوجودك الأرض، وتقترب الفراديس!