|
ما أقصر العمر الذي كتب لها أن تحياه!..
قضت وهي في رونق الشباب..
في عزة الصبا المنفتح على الحياة..
بضلع موجَع وقامة محنيّة على الأعتاب وعصرة مؤلّمة بين الجدار والباب..
انتحب على فاطمة النيِّران، وبكى المشرقان والمغربان!..
وها هي ذي الزهراء تذهبت الى جوار ابيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)..
ترتفع عن دنيا الناس..
تحلق بعيداً عن قلى القالين، وعَدْو العادين..
مضت، راضية مرضية، إلى الحياة الأبدية بذلك العالم النوراني الجديد..
وعندما غفا الكون..
ونصب الليل خيامه..
وتناثرت في الأفق بضع من الأنجم السواهر شاحبات الشعاع..
ولبست الدنيا ثياب الحداد..
كان ثمة، بناحية من البقيع، نفير قليل من الصحب والآل يشيعون الزهراء..
فلما سُوي اللحد على الجسد..
واحترقت الأهداب والجفون..
وشاطت الأنفاس..
ودقت القلوب لحنها الجنازي..
تقدم عليٌّ يلصق وجهه بالقبر الطاهر، ويشم ثراه، وينعي إلى النبي بضعته، ويرد له بقية نبوته، وهو يودع رفيقة حياته وكيانه كله قد هدته الأحزان..
وبصوت هامس كلماته أنين، ونبراته حسرات، قال:
السلام عليك يا رسول الله، عني وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك..
قلّ يا رسول الله عن مصيبتك صبري، ورق عنها تجلدي..
إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك موضع تعزٍّ..
ولقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك..
إنا لله وإنا إليه راجعون..
لقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهنية..
أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم..
وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها..
فأحفها السؤال، واستخبرها الحال..
هذا ولم يطل بك العهد، ولم يخل منك الذكر..
والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم..
فإن أنصرف، فلا عن ملالة..
«وإن أقم، فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين..»
وهكذا مضت فاطمة الزهراء عن هذا الكوكب..
فإذا رحيلها ذاك رحيل خير نعمة مهداة..
وإذا غيابها نهاية الأجل لآخر من بقي من ولد رسول الله على قيد الحياة..
حدث هذا في أمسية نابغية الألم، موصول همها بهموم كل الليالي الليلاء التي تعاقبت على مدى الزمان..
وكان الشهر: جمادى الثانية..
واليوم: الثالث منها..
وانفض الجمع..
وكان الوداع..
لكن بقيت الدموع..
وطوي الكتاب!..
|