في رحاب القرآن
تكملة البحث


   الرابع: أنّ القصّة تبدأ بذكر أحكام عامّة عن الوضع الاجتماعي حينذاك، والغاية المتوخاة من تغييره {إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفةً منهم يذبّح أبناءهم ويستحي نساءهم إنّه كان من المفسدين * ونريد أن نمنّ على الّذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين * ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}(1).
   وعلى ضوء هذه الملاحظة يمكن أن نستنتج أنّ القصّة استهدفت أمرين:
   الأوّل: أنّ القرآن الكريم كتاب منزل من الله سبحانه وتعالى: وأنّه

ليس من صنع محمد(صلى الله عليه وآله)، وهذا هو الهدف الرئيسي من سرد القصّة في هذا المورد ـ كما يشير إلى ذلك الأمر الأوّل والثاني ـ وهو في نفس الوقت من الأهداف المهمة التي يؤكدها القرآن الكريم في مناسبات كثيره لما له منه تأثير في مسير الدعوى وبهذا يمكن أن نفسر ما أشرنا إليه في الأمر الثالث، لأنّ في الحديث عن تفاصيل جانبية من حياة الرسول دلالة قوية على ارتباط القرآن بعالم الغيب; إذ من المفروض أن لا يطّلع على هذه التفاصيل جميع الناس; لأنّها تعيش حياة الرسول حين كان فرداً عادياً في المجتمع، على خلاف تفاصيل حياته بعد النبوة، فإنّها

ـ بطبيعة الحال ـ تكون معروفة للناس لتسليط الأضواء على شخصيته من قبلهم.
   الثاني: إيضاح أنّ عملية التغيير الاجتماعي قد تتم حتى في أبعد الظروف ملاءمةً واحتمالا، وفي ظل أشد ظروف الظلم والاضطهاد والطغيان، بحيث تبدأ عملية التغيير من نقطة هي في منتهى البعد والضعف نسبة لهذه العملية، وذلك نتيجة للإيمان الواعي بالله، وما يستلزمه ذلك من الإصرار والصبر على تبني العقيدة والنضال من أجلها.
   ولذلك نجد القصّة في هذا الموضع تؤكّد ملامح الاضطهاد الذي كان يعانيه المجتمع بشكل عام

والإسرائيليون بشكل خاص، كما تؤكّد الوضع القاسي الذي كان يعيشه شخص الرسول في كونه منذ البداية في معرض خطر الموت والهلاك، ثم مطارداً من المجتمع بتهمة القتل العدواني، ثم مهاجراً وبعيد عن المواقع الطبيعية لحركة التغيير. وفي هذين الهدفين ما يبرر التكرار الذي يمكن أن يكون بالسبب الأوّل أو الثاني من أسباب التكرار.
   الموضع الخامس عشر:
   الآيات التي جاءت في سورة غافر والتي تبدأ بقوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحرٌ كذّاب}(2) والتي تختم بقوله



تعالى: {فستذكرون ما أقول لكم وأفوّضُ أمري إلى الله إنّ الله بصيرٌ بالعباد * فوقاهُ الله سيئات ما مكرُوا وحاق بآل فرعون سوءُ العذاب}(3).
   ويلاحظ في هذا المقطع من القصّة ما يلي:
   الأوّل: أنّ السورة التي جاء فيها هذا المقطع تتحدّث في مطلعها عن مصير من يجادل في آيات الله: {ما يجادل في آيات الله إلاّ الَّذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد}(4).
   الثاني: أنّ القصّة تأتي في سياق أنّ هذا المصير للمجادلين نتيجة طبيعية لعنادهم بعد أن تأتيهم البينات فيكفرون بها {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الّذين كانوا من قبلهم

كانوا هم أشدّ منهم قوّةً وآثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق}(5).
   الثالث: أنّ القصّة تؤكّد بشكل واضح موقف مؤمن آل فرعون والأساليب التي استعملها في دعوته لهم، ومحاولته ذات الجانب العاطفي في هدايتهم مع تذكيرهم بمصير من سبقهم من الاُمم، وما ينتظرهم نتيجة لعنادهم وكفرهم. وقبالة هذا الموقف يظهر لنا موقف فرعون وقد تمادى في غيّه حتى حاول أن يطّلع على إله موسى(عليه السلام).
   وعلى هذا الأساس يمكن أن نستنتج: أنّ القصّة سيقت لتوضيح مصير من يجادل في آيات الله، مع إيضاح الفرق

بين الاُسلوب الذي يستعمله الداعية والاُسلوب الذي يستعمله المجادل والكافر، وأن العذاب لا ينزل بهؤلاء إلاّ بعد أن تتم الحجّة عليهم.
   وأنّ الهداية والحجّة من الوضوح بحيث يمكن أن يقتنع بها حتى اُولئك الأشخاص الذين يعيشون في الوسط المتنفذ والمترف ـ كما هو الحال بالنسية إلى مؤمن آل فرعون ـ كما أنّها تؤكّد الدور الذي يجب أن يقوم به الإنسان تجاه هداية الآخرين، وأنّها مسؤولية شرعية وإنسانية يتحمّلها كل الناس حتى لو كان من الوسط الضال، كما فعل مؤمن آل فرعون.
   وفي هذا العرض القرآني للقصة يظهر لنا ـ أيضاً ـ هذا الامتزاج

بين الرحمة والغفران، وبين النقمة وشدة العذاب: {غافر الذّنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطّول لا إله إلاّ هُو إليه المصير}(6) فإن الله سبحانه يجعل تحت متناول عقول عباده وأنظارهم آياته وأدلته وبراهينه، ويتوسل إلى هدايتهم بالوسائل المختلفة التي لا تشل عنصر الاختيار فيهم، كلّ ذلك رحمة منه وفسحة لقبول التوبة والاستغفار، ولكنّه مع ذلك لا يعجزه شيء عن عقابهم أو القدرة على إنزال العذاب فيهم.
  

تتمّة البحث في العدد القادم

   1 ـ القصص 28: 4 ـ 6.
   2 ـ غافر 40: 23 ـ 24.
   3 ـ غافر 40: 44 ـ 45.
   4 ـ غافر 40: 4.
   5 ـ غافر 40: 21.
   6 ـ غافر 40: 3.





  نساء في ذاكرة التاريخ
قمر بنت عبد


   وقيل قمري، وهي اُم وهب بنت عبد، زوجة عبدالله بن عمير، الشهيد بأرض الطف يوم عاشوراء مع سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين(عليه السلام).
   حضرت مع زوجها معركة الطف وشجّعته على نصرة الحسين(عليه السلام)، وقالت له حينما أخبرها بعزمه على نصره الحسين(عليه السلام): أصبتَ أصاب الله بك وأرشد اُمورك افعل وأخرجني معك.
   قال الطبري في تاريخه: نزل الكوفة عبد الله بن عمير من بني عُليم، واتخذ بئر الجعد داراً، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط يقال لها: اُم وهب بنت عبد، فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين، قال: فسأل عنهم، فقيل له: يسرحون إلى الحسين بن فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله).
   فقال: والله كنتُ على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإنّي لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغرّون ابن بنت نبيّهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين.
   فدخل إلى امرأته اُم وهب فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد، فقالت: أصبتَ أصاب الله بك، وأرشد اُمورك افعل وأخرجني معك.
   فخرج بها ليلا حتى أتى حسيناً فأقام معه، فلمّا دنا منه عمر بن سعد ورمى بسهم ارتمى الناس، فلمّا ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان وسالم مولى عبيد الله بن زياد فقالا: مَن يبارز ليخرج إلينا بعضكم، فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن خضير فقال لهما الحسين: "اجلسا".
   فقام عبد الله بن عمير الكلبي فقال: أبا عبد الله رحمك الله إئذن لي فلأخرج إليهما، فرأس الحسين رجلا أدم طويلا شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين، فقال الحسين: "إنّي لأحسبه للأقران مثالا، اُخرج إن شئت".
   فخرج إليهما، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن خضير.
   فقال لهما الكلبي: يا ابن الزانية وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ويخرج إليك أحد من الناس وهو خير منك، ثم شدّ عليه فضربه بسيفه حتى برد، فإنّه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم، فصاح الناس به قد رهقك العبد، فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الضربة فاتّقاه الكلبي بيده اليسرى فأطار أصابع كفّه اليسرى، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله، وأقبل الكلبي مرتجزاً وهو يقول وقد قتلهما جميعاً:
  
إن تُنكروني فأنا ابن كلبِحسبي بيتي في عُليم حسبِي
إنّي امرءٌ ذو مرة وعصبِولستُ بالخوارِ عندَ النكبِ

إني زعيمٌ لك أُمُ وهبِ
بالطعنِ فيهم مقبلا والضربِ
ضربُ غلام مؤمن بالربِ

   فأخذت اُم وهب وهي امرأته عموداً، ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي واُمي قاتل دون الطيبين ذرية محمّد(صلى الله عليه وآله)، فأقبل إليها يردّها نحو النساء، فأخذت تجاذب ثوبه ثم قالت: إنّي لن أدعكَ دون أن أموت معك، فناداها الحسين فقال: "جُزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي يرحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن، فإنّه ليس على النساء قتال"، فانصرفت إليهن.
   ثم خرجت اُم وهب تمشي إلى زوجها ـ بعد أن قُتل ـ حتى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول: هنيئاً لك الجنة، فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام يسمّى رستم: أضرب رأسها بالعمود، فضرب رأسها فشدخه فماتت مكانها.
   ولا يخفى عليك عزيزي القارىء أنّ هناك امرأة اُخرى تكنّى باُم وهب، وهي اُم وهب ابن حباب الكلبي حضرت معركة الطف في كربلاء مع ولدها، واشتبه الأمر على بعض فعدّها واحدة(1).
  

   1 ـ انظر: أعيان الشيعة 3: 482، رياحين الشريعة 3: 30، تأريخ الطبري 5: 429، الكامل في التأريخ 4: 69، البداية والنهاية 8: 181، أعلام النساء 5: 290.





  من عالم المرأة
أسيرة الماضي


   سيدتي
   انا فتاة تجاوزت الخامسة والعشرين من العمر انهيت جميع مراحل الدراسة بنجاح. سبب المشكلة هو الطلاق الذي وقع بين ابي وامي وفرق بينهما وكان عمري انذاك سنة واحدة وعمر اخي عدة شهور. ثم اختفاء امي، لا اعلم حتى الان هل هي حية ترزق ام توفاها الله إلى جواره. واخي الذي لااراه إلاّ من عيد إلى عيد وفي المناسبات فقط. حيث ان كلا منا يعيش في جهة بعيدة عن الاخر.
  

   اما بالنسبة لي فأنا اعيش مع عائلة قريبة لابي منذ ان كان عمري سنة واحدة وحتى الان.
   بعد كل هذا الشرح اخبرك بمشكلتي وهي انه حتى الان رغم سنواتي الخمسة والعشرين لم اصادف الحزن الحقيقي او الفرح الحقيقي، فأنا لا اذكر اني في مرة من المرات قد حزنت من اعماق قلبي وانه قد نزلت من عيني دمعة واحدة. ولا اذكر اني قد فرحت بشدة. فأنا لا افرح او احزن الاّ للمجاملة. حتى انه في اليوم الذي توفي

فيه والدي لم تنزل من عيني دمعة واحدة. رغم ان كل اقاربي واهلي كانوا يشهقون بالبكاء الاّ اني لم اشعر بذرة حزن واحدة.
   لذلك حتى الان لم اصادف الحب مثل كل صديقاتي ولم يتقدم احد للزواج مني. وانا الان على ابواب السادسة والعشرين من العمر وبدأت اشعر ببوادر العنوسة تدق على ابوابي وانا ارى زميلاتي وقريباتي الاصغر سنا مني قد تزوجن واصبح لهن بيوتهن واطفالهن.
  

   لا اعلم هل انا باردة العواطف ام اني بدون احساس او مشاعر؟ ام اني حسب اقوال زميلاتي، "جد" زيادة عن اللزوم؟ فأنا لا اتكلم من غير داع ولا اشارك الزملاء في العمل الانشطة المختلفة ودائماً في المنزل. ام انها احلام اليقظة التي تلازمني ليل نهار؟ حتى اني كونت لي عالماً خاصاً بي فيه الاب الحنون والام المحبة والزوج والاطفال. وكل ما ارغب به في العالم الخارجي.
   ارجوك لا تعتبريني مراهقة بل انا عاقلة والكل يشهد بسلامة عقلي. لذلك ارجو ان اجد لديكم الحل.
  



   الجواب
   كل منا يتأثر بماضيه، لان الحاضر ما هو الاّ امتداد للماضي ومقدمات للمستقبل. ولكن هذا الواقع يتحول إلى مشكلة عندما يجور جانب من التجربة على الجوانب الاخرى.
   ان حرمانك من الحياة الطبيعية بين والديك هو السبب وقد فهمت من بين

سطور رسالتك انك لم تسامحي والديك بعد على حرمانك من حياة اسرية مستقرة وحرمانك من شقيقك. الحالة التي تعانين منها، ان صدق ظني، بحاجة إلى علاج نفسي يحررك من الغضب المكبوت. ومتى ما استطعت مواجهة غضبك واحتواءه نفسياً وعاطفياً استطعت التعبير عن الحزن

والفرح في مواقف اخرى والتخلص من الانطوائية. كلمة اخرى بخصوص العنوسة لا ترتبط بسن معينة والفتاة حتماً لا تصبح عانساً وهي في السادسة والعشرين. العنوسة هي حالة شعور بالنقص والهزيمة ولذلك انصحك بالترفق مع نفسك والبحث عن ايجابيات تكوينك الاجتماعي

والنفسي والعاطفي. قد تكون والدتك على قيد الحياة. ابحثي عنها واستعيني في البحث بشقيقك. وقد تقرب بينكما الرغبة في العثور على الام.
   وان لم تعثري عليها حاولي ان تكون اقامتك في نفس المدينة التي يقيم بها شقيقك، او ان يسعى هو إلى الانتقال حتى يكون بجوارك. كل منكما بحاجة إلى الاخر. وفقك الله.
  






  الشباب
تتمة البحث

2 ـ النرجسية (Narcissime):


   إن التغيرات التي تطرأ على جسم المراهق يصحبها تغيّر جذري في نظرته للآخرين، وكذلك نظرته لنفسه، وهذا قد يؤدي به أحياناً إلى انطواء نرجسي تجاه الدافع الجنسي، وهذه النرجسية تظهر في مستوى الصورة الجسمية مثل الاهتمام الزائد بالمظهر الخارجي، وفي الملابس، والنظافة، والمظهر العام، مما يعطي المراهق أهمية كبيرة لهويته الذاتية وشعوره الخاص بنفسه مع تضخم الإحساس بالقلق، وتعرض المراهق لفصام المراهقة أحياناً، وإلى أنانية مفرطة في سلوكياته.
   3 ـ فقدان الشهية للطعام (Anorexia):
   يلاحظ فقدان الشهية للطعام في حالات المراهقين الذين يقللون من طعامهم، أو يرفضون الطعام كليّة، ويصاحب ذلك نحالة في الجسم، ونقصان في الوزن، وجفاف في الجلد، وبرودة في الأطراف، وضعف في

مقاومة الجسم، وقد يكون ذلك بسبب اضطراب في وظيفة الغدد، أو يكون ذلك عبارة عن رد فعل ضد الخوف من السمنة (Obesity phobia)، فبعض الأفراد وخاصة الفتيات المراهقات يربطون بين البدانة وبين بشاعة الجسم، أو بين البدانة والحمل، وقد يؤدي ذلك لدى الفتيات إلى انقطاع الطمث أو نقصانه (AMenia orAmenorrhoea)، وكذلك إلى أعراض البرود الجنسي، والعنة الجنسية (IMpotence)، والهزال، وبعض الاضطرابات السلوكية، ويعتبر بعض علماء النفس أن فقدان الشهية للطعام يعتبر حالة بسيكوسوماتية، تعبّر عن الرفض، أو النبذ للذات، أو للعلاقات مع الجنس الآخر (الزوج مثلا)، كما تعبر عن عقاب للذات بسبب الشعور بالإثم، وبشكل عام إن فقدان الشهية للطعام يعتبر مؤشراً على عدم النضج النفسي، والعاطفي، وعلى وعلى وجود صراع،

وحرمان، ويكون العلاج الطبي غير فعال في هذا المجال مما يؤكد على دور العوامل النفسية العميقة وأهمية العلاج النفسي، وعادة ما تكثر هذه الحالات لدى الفتيات بين عمر (16 ـ 18) سنة وتسمى بفقدان الشهية العصبي لدى المراهقين، ويغلب أن تنتشر هذه الحالات داخل الأسر الراقية، وقد تستمر أعراض فقدان الشهية للطعام حوالي (3 ـ 5) سنوات، وقد تحدث بعض الانتكاسات...
   القانونية، والتشرد، وتناول الخمر، والسرقة التي تتراوح من سرقة الأشياء البسيطة إلى سرقة المنازل، والسيارات، وجرائم الاعتداء، والاغتصاب، والقتل، وقد لوحظ أنه منذ عام (1960) وأعداد المخالفات الخطيرة من الشبان في العالم في ارتفاع لدرجة تجعلها ضعف ما هي عليه لدى الراشدين، مثلا في مدينة شيكاغو نجد أن (21) جرائم القتل من

قبل شبّان في عمر العشرين، وهذه النسبة عام (1976) تزيد عن السنة السابقة بمعدل (29%)، ومخالفات الذكور أكبر من مخالفات الإناث، وهي تختلف من حيث النوع بين الجنسين، فالإناث يتهمن بمخالفات مثل الهروب والتشرد، أما الذكور فيتهمون بمخالفات مثل الضرب، والسرقة، والتمرد على السلطة، وارتكاب السلوك الجنسي غير السوي... وكذلك فإن معدل القبض على الإناث المخالفات آخذ في الازدياد في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت نسبة مخالفات الذكور بالمقارنة مع مخالفات الإناث (13) تقريباً بعد أن كانت (15)، ولهذا تفسيره النفسي والتربوي... وتزداد نسبة الجنوح في الأحياء المتخلفة، والأحياء الخاصة بالأقليات. وهذه الجرائم والمخافات تتزايد معدلاتها في وطننا العربي، كما تتزايد لدى الإناث وصغار المراهقين والأطفال.
  






  صحة الأسرة
القامة. الطفل القصير القامة
هرمون النموّ

إبني صغير جدّاً وقد قرأت في الصحيفة معلومات حول استعمال هرمون النموّ.
هل هو مفيد؟ أم خطر؟


     تحتمل القامة القصيرة لدى الطفل تفسيرات عدّة. لا يجوز استعمال هرمون النموّ التركيبيّ الذي اكتُشف بواسطة الهندسة الجينيّة إلاّ في عدد محدود من الحالات.
     إن معظم الأطفال القصيري القامة هم كذلك لأنّ والدهم أو والدتهم قصيراً القامة. لدى هؤلاء الأطفال، لا تجوز معاندة الطبيعة، بل يجب تقبّل القامة القصيرة الوراثيّة. ليس للمقوّيات وللفيتامينات أيّ تأثير. وحدها التغذية المتوازنة مع نسبة كافية من الهيوليّات ضروريّة (انّ الأطفال الذين عاشوا خلال فترة الاحتلال الألماني لفرنسا هم أقصر قامة من أولادهم بسبب عدم تواجد اللحم بكثرة في تلك السنوات العجاف).
   ينصح دوماً بالرياضة، لكنّها لا تزيد من طولهم ولن تمنع نموّهم، كما يظنّ الأهل أحياناً.
  

   ينمو هؤلاء الأطفال القصيري القامة بشكل متواصل. على الأهل أن ينتبهوا الى حالات هبوط أو انكسار منحنى القامة كي يستشيروا طبيب الأطفال. من الضروريّ عندئذ إجراء فحوصات اضافيّة.
   في عدد لا بأس به من الحالات، يكون الأطفال قصيري القامة لأنّ نموّهم لم يكن كافياً خلال الحياة الجنينيّة كلّ عام، يولد أكثر من 25000 طفل في فرنسا مع تأخّر في النموّ داخل الرحم (RCIV). تختلف الأسباب. فتدخين الأمّ هو غالباً المسؤول عن ذلك، ويمكن أن نضيف السكّري أو الضغط المرتفع، وبشكل عامّ، كلّ ما يمكن أن يؤدي الى اضطراب الحياة الجنينيّة (الكحول، تعب الأمّ بشدّة، الاصابة الفيروسيّة، الخ).
   في معظم الأحيان، لا نجد سبب

نقص النموّ لدى المولود الجديد.
   سيستعيد نصف هؤلاء الأطفال قامة طبيعيّة في سنة أو سنتين. وستبقى قامة النصف الآخر قصيرة.
   ضمن هذه المجموعة من الأطفال، تجري حاليّاً تجارب على علاج بهرمون النموّ التركيبيّ الحيويّ. يخضع للعلاج الأطفال الذين يعانون من نقص شديد في القامة. يصعب القول اليوم ما اذا كانت هذه العلاجات الغالية الثمن (من 000/40 الى 000/60 فرنك فرنسيّ سنويّاً) والمزعجة (حقنة تحت الجلد يوميّاً، خلال عدّة سنوات) ستغيِّر القامة النهائيّة.
   قد يكون لتأخّر النموّ سبب نفسيّ ـ عاطفيّ. ينمو أطفال الطبقات المحرومة اجتماعيّاً واقتصاديّاً ببطء أكبر، ربّما لأنّ التغذية غير كافية، لكن يمكن للنقص العاطفيّ العميق أن يؤثّر على النموّ، مهما يكن المحيط

الاجتماعيّ.
   لدى البنت القصيرة القامة بشكل كبير، من الأفضل إجراء فحص كروموسوميّ (Caryotype)(1) للتأكّد من عدم وجود تناذُر تورنر Syndrome de، Turnerوهو تشوّه في الكروموسومات الجنسيّة.
   اذا كان الطفل مُصاباً بتناذر تورنر، تكون الصيغة لديه Xo، بدلا من XX لدى البنت أو XY لدى الصبي. بشكل عامّ، يكون ذكاؤه طبيعيّاً.
   يؤدي عدم وجود مبيضين الى ضرورة اطلاق البلوغ اصطناعيّاً بالعلاج الهرمونيّ.
   إذا كانت البنت مصابة بتناذر تورنر، عليها أن تخضع، بأسرع ما يمكن، لعلاج بهرمون النموّ التركيبيّ الحيويّ لأنّها، إذا لم تفعل، لن تتعدّى قامتها 50/1 متراً في سنّ الرشد،



يستطيع الطفل عادةً تحمّل هذا العلاج الذي يساعده على النموّ بشكل طبيعيّ تقريباً وبالحصول على قامة طبيعيّة في سنّ الرشد.
   أخيراً، قد يعيق النموَّ نقصٌ وراثيّ في هرمون النموّ بسبب إصابة الغدّة النخاميّة التي تقع داخل الدماغ وتفرز هرمون النموّ بشكل طبيعيّ.
   مظهر هؤلاء الأطفال مميّز (جسم ممتلىء، سحنة دميويّة ومستديرة، ذقن صغير، أنف منخفض ونحيف في طرفه، صوت مرتفع). عليهم أن يخضعوا، بأسرع وقت ممكن وحتّى سنّ البلوغ، لعلاج بهرمون النموّ، وإلاّ فإنّهم قد يصبحون أقزاماً.
   ظهرت لدى الأطفال الذين عولجوا سابقاً بهرمون للنموّ مسحوب من غدد نخاميّة لجثث هامدة ثمان وعشرون حالة من التهاب الدماغ غير التقليديّ (ANtc أو prion proteine)، وقد

كانت النهاية هي الموت دوماً (مرض كروتزفيلدت ـ جاكوب JakobـCreutzfeldt). يقع هذا المرض بعد مرور عدّة سنوات على حقن الطفل بالهرمون المصاب. لا وجود لهذا الخطر الكبير مع هرمون النموّ التركيبيّ الذي يستعمل اليوم ويمكن الحصول عليه بواسطة الهندسة الجينيّة.
   كيف تراقبين نموّ طفلك؟
   القامة محدَّدة وراثيّاً، لكن يجب أن يكون طفلك سعيداً وأن يتغذّى جيّداً وأن تكون صحّته سليمة كي ينمو بشكل صحيح.
     عليك قياس طوله كلّ ثلاثة أشهر في فترة النموّ السريع (من عمر صفر الى 4 سنوات وخلال فترة البلوغ) وكلّ ستّة أشهر في فترة النموّ المستقرّ.
     من الضروريّ رسم منحنى

النموّ على المفكّرة الصحّيّة.
     منذ الولادة وحتّى عمر 4 سنوات، تتضاعف قامة الطفل تقريباً (من 50 سم الى متر واحد).
     منذ عمر 4 سنوات وحتّى انطلاق فترة البلوغ، تزيد قامة الطفل من 4 الى 5 سم تقريباً في السنة الواحدة.
     يترافق البلوغ مع تسارع كبير في النموّ (بين بداية تسارع البلوغ ونهايته، تزداد القامة حوالي 25 سم لدى الصبيان و18 سم لدى البنات).
     لا تردّدي أبداً في استشارة الطبيب اذا لاحظت أنّ نموّ طفلك غير طبيعيّ.
     تزداد امكانيّة معالجة اضطرابات النموّ بنجاح، كلّما تمّ اكتشافها باكراً.
     المقوّيات غير فعّالة ولا تغيّر منحنى النموّ.
  

     نادراً ما ينصح بالعلاج بهرمون النموّ، الاّ في حالات خاصّة.
     يتأخّر نموّ بعض الأطفال، لكنّهم يبلغون قامةٌ طبيعيّة في سنّ الرشد.
     تستحق القامة الكبيرة اهتماماً معادلا للاهتمام بالقامة القصيرة.
     قد تتطلّب الفحوصات الخاصّة باضطراب النموّ الدخول الى المستشفى لفترة قصيرة. لا خطر على الطفل في هذه الحالة.
     ستكون قامة الراشد تقريباً ضعف قامة الطفل في عمر السنتين (أكثر أو أقلّ بـ 2 سم); لكنّ الاختصاصيّين في علم الغدد الصمّ يستعملون طرقاً أخرى أكثر دقّة للتنبّؤ بالقامة النهائيّة.
     ما من قامة مثاليّة.
  


   1 ـ نعني بكلمة caryotype مجموع التجهيزات الكروموسوميّة لدى الفرد. تشتمل الصيغة الكروموسوميّة على العدد الكامل للكروموسومات الموجودة داخل نواة الخليّة، ثمّ على صيغة الكروموسومات الجنسيّة. يكون الجواب لدى الرجل الطبيعيّ 46 XY، ولدى المرأة الطبيعيّة 46 XX.





  الطفل والتربية
الخوف من العتمة. الرهاب

يبكي ويصرخ ويناديني حالما أطفىء الضوء. هل هي نزوة أم قلق حقيقيّ؟


     ليس الأمر نزوة ولا تحدّياً. إنّ الخوف من العتمة حالة بسيطة لدى الطفل، يكون الأهل غالباً مسؤولين عنها لأنّهم يجعلونه يعتاد على الضوء.
     الخوف من العتمة هو، ككلّ الرّهاب، خوف غير عقلانيّ من موقف (أو من شيء) ليس فيه أيّ خطر موضوعيّاً.
   في الضوء، يستطيع الطفل أن يسيطر على كلّ ما يحيط به بعينيه، بينما يسرح خياله في الظلام ويروح يتمثّل شخصيّات مخيفة مثل الذئب والساحرة الشريرة والسارق والشرير.
  

   يتحمّل كلّ من التلفزيون والحكايات جزءاً من المسؤوليّة. لكن، بالنسبة لعلماء النفس، يرتبط هذا الرهاب بمشاعر معقدّة تسيطر على الطفل في المساء تجاه أمّه (تتحوّل "الأمّ ـ الحنان" إلى "الشريرة" التي تتخلّى عنه في الليل، رغم حاجته إليها).
   يحاول الطفل أن يطمئن نفسه كي يكافح ضدّ الخوف من العتمة، فيستعمل أشياء مضادّة للرهاب مثل الدمية واللعبة وغير ذلك.
   هذه الأمور بسيطة. من الخطأ اجبار الطفل على الشجاعة وفرض تحدّ عليه. اذا كان خوّافاً، يمكنك أن

تضعي ضوءاً خفيفاً في غرفته أو أن تفتحي باب الغرفة بحيث يدخل اليها ضوء خفيف من غرفة أخرى.
   اذا استمرّ رهاب العتمة بشكل غير طبيعيّ وترافق مع ظواهر وسواسيّة (طقس الغسيل، طقس التدقيق، إلخ)، تصبح الحالة مرضية. من الضروريّ عندئذ أن يتولّى الأمر اختصاصيّ في علم النفس.
  






  على طاولة الحوار

تسيير الخليفة عامر بن عبد قيس التميمي البصري
الزاهد الناسك إلى الشام:
  


   أخرج الطبري من طريق العلاء بن عبد الله بن زيد العنبري أنَّهُ قال: اجتمع إليه رجلا يكلّمه ويخبره بأحداثه، فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ثمَّ العنبري وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فأتاه فدخل عليه فقال له: إنَّ ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أُموراً عظاماً فاتَّق الله عزَّ وجلَّ وتب إليه وانزع عنها. قال له عثمان: انظر إلى هذا فإنَّ النّاس يزعمون أنَّه قارىءٌ ثمَّ هو يجيء فيكلّمني في المحقّرات فوالله ما يدري أين الله. قال عامر: أنا لا أدري أين الله؟ قال نعم، والله ما تدري أين الله. قال عامر: بلى والله إني لأدري إنَّ الله بالمرصاد لك. فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغ عنهم فلمّا اجتمعوا عنده قال لهم: إنَّ لكلِّ امرىء وزراء ونصحاء وانّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع النّاس ما قد رأيتم، وطلبوا إليَّ أن أعزل عمّالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبُّون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ.
  

   فقال له عبدالله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين! أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمّرهم في المغازي حتّى يذلُّوا لك، فلايكون همَّة أحدهم إلاّ نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه.
   ثمَّ أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن كنتَ تريد رأينا فاحسم عنك الداء واقطع عنك الذي تخاف، واعمل برأيي تصب. قال: وما هو؟ قال: إنَّ لكلِّ قوم قادة متى تهلك يتفرَّقوا، ولا يجتمع لهم أمرٌ. فقال عثمان: إنَّ هذا الرأي لولا ما فيه.
   ثمَّ أقبل على معاوية فقال: ما رأيك؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمنين! أن تردَّ عمّالك على الكفاية لما قِبَلهم وأنا ضامنٌ لك قِبَلي.
   ثمَّ أقبل على عبد الله ابن سعد فقال: ما رأيك؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين! أنَّ النّاس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.
   ثمَّ أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: أرى انَّك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وامض قدماً.
   فقال عثمان: مالك قمل فروك؟ أهذا الجدّ منك؟ فأسكت عنه دهراً حتى إذا

تفرَّق القوم قال عمرو: لا والله يا أمير المؤمنين! لأنت أعزُّ عليَّ من ذلك، ولكن: قد علمت أن سيبلغ النّاس قول كلِّ رجل منّا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فاقود إليك خيراً أو أدفع عنك شرّاً.
   فردَّ عثمان عمّاله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على مَن قِبَلهم وأمرهم بتجمير النّاس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاج إليه(1).
   وقال البلاذري في الأنساب ج5 ص57: قال أبو مخنف لوط بن يحيي وغيره: كان عامر بن قيس التميمي يُنكر على عثمان أمره وسيرته فكتب حُمران بن أبان مولى عثمان إلى عثمان بخبره فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز في حمله فحمله فلمّا قدم عليه فرآه وقد أَعظم الناس إشخاصه وإزعاجه عن بلده لعبادته وزهده، ألطفه وأكرمه وردَّه إلى البصرة.
   وروى ابن المبارك في الزهد من طريق بلال بن سعد أنَّ عامر بن عبد قيس وُشي به إلى عثمان، فأمر أن يُنفى إلى الشام على قتب، فأنزله معاوية الخضراء وبعث إليه بجارية وأمرها أن تعلمه ما حاله، فكان يقوم الليل كلّه ويخرج من السحر فلا يعود

إلاّ بعد العتمة، ولا يتناول من طعام معاوية شيئاً، كان يجيء معه بكسر فيجعلها في ماء فيأكلها ويشرب من ذلك الماء، فكتب معاوية إلى عثمان بحاله فأمره أن يصله ويدنيه فقال: لا ارب لي في ذلك(2).
   وذكر ابن قتيبة في المعارف ص 84 و194، وابن عبد ربِّه في العقد الفريد ج2 ص261، والراغب في المحاضرات ج2 ص212 جملة ممّا نقُم به على عثمان وعدّوا منه: إنَّه سيَّر عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام، وقال ابن قتيبة: كان خيّراً فاضلا.
   قال الأميني: منظرٌ غريبٌ لعمرك في ذلك اليوم، أليس من المستغرب أنَّ صلحاء البلاد مضطهدون فيه على بكرة أبيهم؟ فمن راسف تحت نير الاضطهاد، ومن معتقل في غيابة الجبِّ، ومن مغترب يجفل به من منفىً إلى منفى، ومن منقطع عن العطاء، ومن ممقوت ينظر إليه شزراً، ومن مضروب تُدقّ به أضالعه، إلى مشتوم يُهتك في الملأ الديني لِماذا ذلك كلّه؟ لأنّهم غضبوا للحق، وأنكروا المنكر، فهلاّ كان في وسع مَن يفعل بهم ذلك إقناعهم بالإقلاع عمّا ينكرونه وفيه رضا الله قبل كلِّ شيء، ومرضاة رسوله من بعده، ومرضاة الامَّة



جمعاء، وبه كانت تُدحر عنه المثلات وتخمد الفتن، وكانت فيه مجلبة للمودَّة، ومكتسح للقلاقل، وهو أدعى لجمام النفس، وسيادة الأمن، وإزاحة الهرج، وكان خيراً له من ارتكاب العظائم بالنفي والضرب والشتم والإزعاج والجفوة، ولو كان الخليفة يرى خطأهم في إنكارهم عليه فإنّه كان في وسعه أن يَعقد لهم محتفلا للتفاهم، فإمّا أن يتنازلوا عن بعض ما أرادوا، أو يتنازل هو عن بعض ما يبتغيه، أو يتكافئا في التنازل فتقع خيرة الكلِّ على أمر واحد، وكان عقد هذا المنتدى خيراً له ممّا عقده للنظر في شأن عامر بن عبد قيس،وجمع خلقاً من أُصول الجور، وجذوم الفتن، وجراثيم العيث والفساد، فروع الشجرة الملعونة، وهم الذين جرُّوا إليه الويلات بجورهم وفجورهم واستعبادهم الامّة وابتغائهم الغوائل، وهملجتهم وراء المطامع، فلم يُسمع منهم في ذلك المجتمع ولا في غيره إلاّ رأي مُستغش، ونظرية خائن، أو أفيكة مائن، أو دسيسة لعين بلسان النبيِّ الأقدس مرَّة بعد أُخرى، وهو مع ذلك يراهم وزراءه ونصحاءه وأهل ثقته أولا تعجب من خلافة يكون هؤلاء وزراءَها ونصحاءَها وأهل ثقة صاحبها؟
  

   ثمَّ انظر كيف كان التفاهم بين الرجلين: الخليفة وسفير المسلمين إليه، هذا يذكّره بالتقوى والتوبة إلى الله وينهاه عن ارتكاب العظائم التي استعظمها المسلمون العلماء منهم والقرّاء والنساك وذوو الرأي والمسكة، والخليفة يعدُّ ما استعظمته الامَّة من المحقّرات، ثمَّ يهزأ به ويقذفه بقلّة المعرفة مشفوعاً ذلك باليمين كما قذف به كعباً وصعصعة بن صوحان وسمع منهما ما سمعه من عامر لأنَّهم حملة العلم، والعلم حرفٌ واحد كثَّره الجاهلون.
   والأعجب كيف يعير الخليفة إلى سعاية حمران بن أبان أُذناً واعية وقد رآه على الفاحشة هو بنفسه وذلك أنّه تزوَّج امرأة في العدَّة فضربه ونفاه إلى البصرة(3).
   وأسرَّ إليه سرّاً فأخبر به عبد الرحمن بن عوف، فغضب عليه عثمان ونفاه(4) وقال البلاذري في الأنساب ج5 ص75: كان عثمان وجَّه حُمران إلى الكوفة حين شكا الناس الوليد بن عقبة ليأتيه بحقيقة خبره فرشاه الوليد فلمّا قدم على عثمان كذب عن الوليد وقرَّظه ثمَّ إنّه لقي مروان فسأله عن الوليد فقال له: الأمر جليل فأخبر مروان عثمان بذلك فغضب

على حمران وغرَّبه إلى البصرة لكذبه إيّاه وأقطعه داراً.
   كيف وثق خليفة المسلمين بخبر إنسان هذا شأنه من الفسق والتهوّر والله جلَّ إسمه يقول: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنوا، أن تصيبوا قوماً بجهالة}. الآية؟
   ثمَّ اعجب أنَّ حمران نفاه الخليفة على فسقه وأقطعه داراً لجمع شمله، والعبد الصالح أبوذر الغفاري الصادق المصدوق أُجفل إلى الربذة، وتُرك في البِّر الأقفر لا يأوي إلى مضرب، ولا يظلّه خباء، هذا من هوان الدنيا على الله.
   وهل الخليفة عرف عامراً ومكانته في الامّة ومنزلته من الزهد والتقوى ومحلّه من التعبد والنزاهة، فأصاخ فيه إلى قول الوشاة وأشخصه إلى المدينة مرَّة وسيّره إلى الشام على القتب أُخرى، وأزرى به وأهانه حين مثُل بين يديه؟ أو أنّه لم يعرفه ولا شيئاً من فضله، فوثق بما قالوه؟ وكان عليه أن يعرف لمّاعلم بسفارته من قِبَل وجهاء البصرة وأهل الحريجة والتقوى، ذوي الحلوم الراجحة، والآراء الناضجة، فإنّهم لا يرسلون طبعاً إلاّ من يرضونه في مكانته وعلمه وعقله وتقواه. وهل كان فيما يقوله مغضبة

أو أنَّه ما كان يتحرّى صالح الامَّة وصلاح من يسوسها؟
   إنَّ من العصيب أن نعترف بأنّه ما كان يعرف عامراً وصلاحه، فقد كان يسير بذكره الركبان، وهبَّت بأريج فضله النسائم في الأجواء والأرجاء، وفي طيّات المعاجم والسير اليوم نماذج من تلكم الشهرة الطائلة عن عامر بين العباد وفي البلاد يوم ألزم نفسه أن يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة(5). فكانوا يعدُّونه من أولياء الله المقرَّبين، وأوَّل الزهاد الثمانية، وذكروا له كرامات ومكرمات.
   أفمن الممكن إذن أن لا يعرفه الخليفة؟ ولم يكن فيما ينكره إلاّ ما أصفق على إنكاره أهل الحلِّ والعقد يومئذ من الصالح العام في الحواضر الإسلاميّة كلّها، غير أنّهم لم يجدوا كما أنَّ عامراً لم يجد أُذناً مصغية لهتافهم، فتكافىء دؤوب الخليفة على التصامم ودؤوب القوم على الإنكار حتّى استفحل الخطب ودارت الدوائر.
   وهلّم معي ننظر إلى رواية الضعفاء رواية كذّاب متروك عن مجهول منكر عن وضّاع متّهم بالزندقة متّفق على ضعفه: السري عن شعيب عن سيف بن عمر عن محمَّد وطلحة: إنَّ عثمان سيَّر حمران بن



أبان أن تزوَّج امرأة في عدَّتها وفرَّق بينهما وضربه وسيَّره إلى البصرة، فلمّا أتى عليه ما شاء الله وأتاه عنه الذي يحبُّ، أذن له فقدم عليه المدينة ومعه قومٌ سعوا بعامر أنَّه لا يرى التزويج، ولا يأكل اللحم، ولا يشهد الجمعة فألحقه عثمان بمعاوية فلمّا قدم عليه رأى عنده ثريداً فأكل أكلا عربيّاً، فعرف أنَّ الرجل مكذوبٌ عليه فعرَّفه معاوية سبب إخراجه فقال: أمّا الجمعة فإني أشهدها في مؤخَّر المسجد ثمَّ أرجع في أوائل الناس، وأمّا التزويج فإنِّي خرجت وأنا يُخطب عليَّ، وأمّا اللحم فقد رأيت(6).
   أوَ لا تعجب من الذين اتّخذوا هذه الرواية مصدراً في تعذير عثمان عن نفي عامر وإشخاصه وهم يبطلون الرواية في غير هذا المورد بوجود واحد من رجال هذا السند الثلاثة، لكنّهم يحتجّون بروايتهم جميعاً ها هنا، وفي كلِّ ما نقم به على عثمان؟
   ثمَّ لننظر فيما وُشي به على الرجل بعد الفراغ من النظرة في حال الواشي وهو حمران المتقدّم ذكره، هل يوجب شيءٌ منها ذمّاً أو تعزيراً أو تأديباً أو تغريباً؟ وهل هي من المعاصي

المسقطة لمحلِّ الإنسان؟ أمّا ترك التزويج فلم يثبت حرمته إن لم يكن من باب التشريع وأخذه ديناً، وإنّما النكاح من المرغَّب فيه، على أنّه كان لم يزل يخطب لنفسه لكنّه لا يجد من يلائمه في خفّة المؤنة، أخرج أبو نعيم في الحلية ج2 ص90: إنَّ عامر بن عبد قيس بعث إليه أمير البصرة فقال: إنَّ أمير المؤمنين أمرني أن أسألك مالك لا تزوِّج النساء؟ قال: ما تركتهنَّ وإنِّي لدائبٌ في الخطبة، قال: ومالك لا تأكل الجبن؟ قال: أنا بأرض فيها مجوس فما شهد شاهدان من المسلمين أن ليس فيه ميتة أكلته. قال: وما يمنعك أن تأتي الامراء؟ قال: إنَّ لدى أبوابكم طلاّب الحاجات فادعوهم واقضوا حوائجهم، ودعوا من لا حاجة له إليكم.
   وأخرج من طريق أحمد بن حنبل باسناده عن الحسن قال: بعث معاية إلى عبد الله بن عامر أن انظر عامر بن عبد قيس فأحسن إذنه وأكرمه ومره أن يخطب إلى من شاء وامهر عنه من بيت المال، فأرسل إليه انَّ أمير المؤمنين قدكتب إليَّ وأمرني أن آمرك أن تخطب إلى مَن شئت وأمهر

عنك من بيت المال. قال: أنا في الخطبة دائبٌ. قال: إلى مَن؟ قال: إلى مَن يقبل مني الفلقة والتمرة.
   وهذا الحديثان يكذِّبان ما جاء به السري، ولو صحَّ ذلك فما وجه هذه المسألة في أيّام معاوية عن تزويج عامر؟
   وأمّا ترك اللحوم فليس من المحرَّم ايضاً وقد جاءت السنّة بتحليلها كلّها من غير ايجاب، نعم تركها النهائي مكروهٌ إن لم يكن من باب التديّن، وقد تستدعي المبالغة في الزهادة الذهول عن شؤون الدنيا بأسرها فلا يلتفت صاحبها إلى الملاذّ كلّها، وكان مع ذلك لعامر عذر، قال ابن قتيبة في المعارف ص194: وكان سبب تسييره أنَّ حمران بن أبان كتب فيه: انَّه لا يأكل اللحم، ولا يغشى النساء، ولا يقبل الأعمال، فعرض بأنَّه خارجيٌّ، فكتب عثمان إلى ابن عامر: أن أُدعُ عامراً فإن كانت فيه الخصال فسيِّره فسأله فقال: أمّا اللحم فإنِّي مررت بقصّاب يذبح ولا يذكر إسم الله، فإذا اشتهيت اللحم اشتريت شاة فذبحتها، وأمّا النساء فإنَّ لي عنهنَّ شغلا، وأمَّا الأعمال فما أكثر مَن

تجدونه سواي. فقال له حمران: لا أكثر الله فينا أمثالك، فقال له عامر: بل أكثر الله فينا من أمثالك كسّاحين حجّامين.
   وأمّا عدم الحضور للجمعة: فقد بيَّن عامر نفسه حقيقته لمعاوية وهو الصَّادق الأمين على أنَّه كان له أن لا يحضر الجمعة والجماعة إن لم يرَ لمقيمها أهليَّة للائتمام به، وليس من المنكر ذلك في حقِّ الولاة الأُمويين يومئذ.
   وعلى فرض صحَّة الرواية وكون كلّ نُبزبه حوباً كبيراً فكان من الميسور تحقيق حال الرجل من قِبَل والي البصرة كما وقع ذلك فيما مرَّ من رواية أبي نعيم بالنسبة إلى التزويج وأكل الجبن وإتيان الأُمراء. ولا أدري هل من الفرائض في الشريعة السمحاء أكل الجبن بحيث يوجب تركه التجسُّس والتفتيش؟ وعلى كلّ فما الموجب لإجفال الرجل العظيم من مستقرِّ أمنه على قتب إلى الشام منفى الثائرين على الخليفة؟ وأيُّ عقل يقبل تسييره وتعذيبه لتلك الامور التافهة؟ نعم: الغريق يتشبَّث بِكلِّ حشيش.
  


   1 ـ أنساب البلاذري ج5 ص43، تاريخ الطبري ج5 ص94، الكامل لابن الاثير ج3 ص62، تاريخ ابن خلدون ج2 ص390.
   2 ـ الإصابة لابن حجر ج3 ص 85.
   3 ـ تاريخ الطبري ج5 ص91، الكامل لابن الاثير ج3 ص60.
   4 ـ تهذيب التهذيب ج3 ص24.
   5 ـ تاريخ ابن عساكر ج7 ص169، الاصابة ج3 ص85.
   6 ـ تاريخ الطبري ج5 ص91، تاريخ ابن عساكر ج7 ص167، الكامل لابن الاثير ج3 ص60، اسد الغابة، تاريخ ابن خلدون ج2 ص389.





  ترويح القرّاء
السردين بالجبن


     المقادير:
   ـ نصف كيلو سردين منزوع الشوك.
   ـ قطعة جبن ابيض كامل الدسم.
   ـ فصا ثوم مهروسان جيداً.
   ـ ملح وفلفل ودقيق للتتبيل حسب الطلب.
   ـ بيضتان مخفوقتان.
   ـ مسحوق كعك.
   ـ زيت للتحمير.
  

     الطريقة:
   1 ـ يتبل السردين بالملح والفلفل بعد تنظيفه وغسله جيداً بالماء البارد.
   2 ـ يضاف الثوم المهروس إلى الجبن ويحشى السمك بالجبن من الداخل. ويتبل ايضاً بالجبن من الخارج ويسوى شكله، ثم يغمس في الدقيق والبيض المخفوق ومسحوق الكعك.
  

   3 ـ يحمر السمك في زيت غزير لمدة 4 دقائق. ويصفى جيداً من الزيت ثم يقدم ساخناً. مع طبق من السلطة الخضراء المشكلة وشرائح من البطاطس المحمرة.