ورُفع عن أهل الأرض أحد الأمانين

في يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر اختار النبي الرفيق الأعلى على الخلود في هذه الدنيا التي امتلأت بالفتن والجور والطغيان، وعلى بقائه بين قوم جاءهم بكل ما يقربهم من الله ويصلح أمورهم ويجمعهم على الايمان بإله واحد وشريعة واحدة، ودعاهم إلى الجهاد والعدل ودفع الظلم والبغي وإلى مكارم الأخلاق والرحمة والدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ولكل ما يوفر لهم السعادة في دنياهم وآخرتهم، وظل أكثر من عشرين عاماً لم يذق خلالها طعم الراحة، يجاهد ويناضل لإرساء تلك القيم التي جاء من أجلها ودعا إليها لتصبح ارثاً للأجيال في كل زمان ومكان وفيما هو يكافح ويناضل من أجل مستقبل يزخر بكل معاني الخير والرحمة والمحبة واذا بمستقبلهم القريب يتكشف لديه فيراهم وقد ارتدوا على أدبارهم ورجعوا الى جاهليتهم الأولى ولم ينج منهم إلاّ مثل همل النعم.
   لقد ناشدهم في مرضه وهو يعاني من آلامه ما لا يطاق أن يكتب لهم كتاباً حتى لا يضلوا من بعده كما أجمعت على ذلك كتب الحديث والتاريخ، فوصفوا كلامه هذا بالهذيان واللغو فيئس منهم واختار الرفيق الأعلى مع اخوانه النبيين والمرسلين، ولفظ نفسه الأخير وهو على صدر علي(عليه السلام) يناجيه ويلقنه من أسرار الكون وطبيعة الحياة والناس ألواناً من الأحداث والأزمات.