|
بدأ هذا ذات صباح ختم مرحلة الخفية والاستتار..
ففي ضحوة نهار..
في ساعة من ساعات تلألؤ النور..
في لحظة تؤذن بقرب إشراق الأرواح، وانطلاق الأفكار، واستواء البشر وإن تباينت بهم المنازل والأقدار، وتغايرت العناصر والأبشار.. صعد محمد على الصفا، يهتف بالناس..
"يا صباحاه!.."
فتوافد القوم على النداء، من هنا ومن هناك، وقد أخذ منهم الدهش، ينتظرون..
وكان صوته مجلجل الرنين، كله نذير:
"أُتيتم!.. أُتيتم!.."
ومضوا يتساءلون:
"من هذا الذي يهتف؟.."
فإذا هو يقول:
"أنا النذير العريان.."
قال قائلهم:
"هذا محمد على الصفا يصبح"
فتزاحموا، حتى زحموه..
وسمعوه يدعوهم قوماً قوماً، ودار دارا، ثم يقول:
"إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم تكذبوني؟.."
بغير تردد أجابوه:
"لا.. والله ما جربنا عليك كذباً.."
فقال:
"يا معشر قريش.. أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً.. إني لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد.."
لكن كلمة التوحيد التي دعاهم إليها لم تجد بينهم لا أذناً تصغي، ولا عقلا يعي، ولا قلباً يفقه..
غلبت عليهم شقوتهم، فاستعصموا بالضلال..
قابلوا الرحمة المتنزلة من الله بالاستهزاء..
راحوا يتندرون:
"إن غلام بني عبد المطلب ليزعم أنّه يكلم السماء!.."
حتى عشيرته الأقربون لم يلبوا الدعاء..
مرتين جمعهم ـ من بعد ـ ليبصرهم، وفي المرتين خذلوه..
كان من بعض أحاديثه معهم، أن قال:
"إن الرائد لا يكذب أهل.. والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم.. والله الذي لا إله إلاّ هو، إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة.."
وأكد:
"والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً.."
ثمّ بشّر وأنذر:
"إنها الجنة أبداً، أو النار أبداً.."
ثم ناشدهم، وهو يمينهم الجزاء الأوفى:
"يا بني عبد المطلب.. ما أعلم شاباً جاء قومه بأفضل مما جئتكم به.. إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة.."
وسألهم أيهم ناصره لنشر كلمة الله..
فلم يجيبوه..
أزوروا عنه..
خرست ألسنتهم ـ وإنهم لذوو الأحلام والرأي في الناس ـ عن الأخذ بالدعوة الهادية، إلاّ غلاماً حدثا منهم أراد ربه أن يضربه مثلا للفطنة وصفاء القلب وشفافية الروح..
عليٌّ وحده هو الذي لبّاه:
"أنا يا رسول الله.."
ثلاثاً أكد أنه مجيب مؤازر نصير
وثلاثاً أمره محمد بالسكوت، ليفسح المجال لأولئك "الكبار"..
لكنهم ظلوا على الصمت والوجوم.. صمتهم زرارية، ووجومهم تكذيب..
ثم نطق بلسان حالهم عمه أبو لهب، كأنّما يردد عن إبليس..
بكل ما فيه من صلف الشرك، انتفض مرة يصرخ غاضباً في وجه ابن أخيه:
"ما رأيت أحداً جاء بني أبيه وقومه بأشر مما جئتهم به.."
وهم أن يقذفه بحجر..
فتبت يداه!
وأخرى صاح بأهله ـ وشركه ينهش قلبه ـ يؤلبهم على الدعوة وداعي السماء..
"هذه والله السوأة.. خذوا على يديه.."
ثم أسرف في غيه..
فلولا أن عابت عليه فعله هذا أخته صفية بنت عبد المطلب، فلربما سدر عندئذ في طغواة إلى غاية مداه..
قالت له صفية تلحاه..
"أي أخي، أيحسن بك خذلان ابن أخيك؟.."
أفكان أبو لهب حليف الشيطان؟..
لكأنه الشيطان!..
وكيفما لاح، فقد كان الأسوة السوداء لكل متنكر لدين الله..
إنه لطليقعة أهل مكة إلى العيب والاضطهاد..
وهل كان أحد من القوم ليُرْوِد بمحمد، وكلهم يرى كيف يعنف به، ويزري عليه أخو أبيه؟..
بل فتح لهم ذلك العم الضّلِّيل باب الإساءة والفحش على مصراعية وأهاب بهم: هلم ادخلوه!..
فسمعوا له..
مشوا على ظله..
زنموه كأنهم له ذيول..
ثم زحموه في المدخل الوبيء..
ثم جاوزوه..
وكانت امرأته أسبقهم إلى صدارة صفوف الضغينة والحقد التي راحت تفح وتتلوى على طريق السموم وهي تناسب نحو الرسول انسياب الثعابين..
فإن يكن أسى ينهش القلوب، فأي أسى كانت تحسه فاطمة الغيرة يفريها، وهي أحياناًترى، وأحياناً تسمع، كيف تناول القوم أباها الكريم، بكل صنوف الإيذاء والبذاء؟..
إنهم ليتبارون ـ مفاخرة ومباهاة ـ في بغيهم عليه، عدوا باليد، وقذعا باللسان..
بل قد بلغ من طغيانهم أن رأوا ألاّ هدوء بال، ولا راحة عيش; ولا خلاص لهم من محنتهم به إلاّ أن يقتلوه..
عن هوى وزيغ، وضعوا كل ما عرف عن العرب من وفائهم للمروءات تحت الأقدام..
تنكروا لقيم الأخلاق..
مزقوا روابط الدم..
أهدروا حقوق الجوار..
وعجبت لهم، أيحاربونه أن ينشلهم من الضلال؟..
أن يقشع عنهم الظلام؟..
أن يقول: "ربي الله"؟..
أليس الخالق الأحد أولى بأن يسلموا له الوجوه من تكلم الأصنام التي صنعوها بأيديهم كما تصنع دمى الأطفال؟..
أو لم تكن لقريش آية في صاحبهم "حصين" الذي وجدوه خير من يوفدون إلى محمد ليكفه عن دعواه..
كان لحصين، فيما يرون، أقول لسان..
وكان ذا عقل وحجة، وثبات مشهود على عبادة الأصنام والأوثان..
وكانوا يعظمونه ويجلونه كل التعظيم وكل الإجلال..
جاءوه يشكون إليه فتى عبد المطلب الذي "يكلم السماء".
قالوا له:
"يا حصين.. إن هذا الرجل يسب آلهتنا، ويذكرها بالسوء، فلو ذهبت إليه فكلمته، لينزع عما يقول.."
قال الرجل الكبير:
"أفعل.."
ومضى وهم معه. فدخل على محمد. وتلبثوا ينتظرونه بالباب..
فلما رآه محمد، قال لمن حضره من المسلمين:
"أوسعوا للشيخ.."
فأفسحوا له في المجلس..
وأقبل حصين يخاطب رسول الله:
"وما هذا الذي بلغنا عنك.. إنك تشتم آلهتنا؟.."
فرد عليه النبي سوءالا بسؤال:
وتساجلا الحوار..
كان مما قاله له الرسول:
"يا حصين.. كم تعبد من إله؟..
قال حصين:
"سبعة في الأرض، وواحداً في السماء.."
"فإذا أصابك الضر، من تدعو؟.."
الذي في السماء.."
"فإذا هلك المال؟؟.."
"الذي في السماء.."
"يستجيب لك وحده وتشرك معه؟.."
فحسر الشيخ عن الجواب..
ودعاه محمد إلى الإسلام:
"يا حصين.. أسلم تسلم.."
فأحنى الرجل رأسه، يتفكر ويمعن التفكير..
وهل هي إلاّ دعوة إلى العودة للفطرة النقية التي فطر الله عليها الإنسان؟..
هل هي إلاّ تحرير للعقل البشري من حبائل الشرك، وتسام به أن تمتهنه طقوس مبتدعة أفرزها الزيغ، وزينها الجهل، وبث بذورها الخبيثة في الأخلاد هوى الأنفس السوء وتهاويل الأباطيل؟..
هل هي إلاّ كلمة حق، خفيفة على القلب، خفيفة على اللسان، ينطقها فيكون في المهتدين؟..
ورفع حصين عينه إلى النبي بعد قليل، وإنه ليشعر أن صدره قد انشرح، وقلبه قد خشع، وكيانه كله يسبح في النور..
ثمّ تشهد:
"لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله"
لكن قومه بالباب، ما أن خرج إليهم حتى أنكروه..
فلقد عاد من سفارته بسمت غير ذلك الذي عرفوه..
وحدثهم خبره، فإذا هم منه ينفرون..
أبوا أن يسمعوا له..
أخذهم صلف الكفر، وعناد الاستكبار..
ملكهم العنت، واستبد بهم تراث ماضيهم الوبيء، فأرتجوا مسالك التفكير..
وتفرقوا عنه وهم عليه زارون..
كانوا يرددون:
"صبأ حصين!.. صبأ حصين!.."
وكان في عيونهم غضب عاصف، وفي قلوبهم غل مجنون، وفي وفاضهم خسار وبوار..
|