|
إنه لقدر مقدور..
حركة غيبية يعيى دون إدراكها جهد التفكير..
سر مكنون لا يتكشف الزمن عنه إلاّ بعد حين..
كان من قدر فاطمة الزهراء، اقتران مجيئها إلى الدنيا بوضع أبيها الحجر الأسود موقعه من ركه الكعبة.. فإذا هو يطفىء بحكمته شرر الحرب بين قومه قبيل اندلاع شرّتها ألسنةَ نار، دارئا عنهم الدمار والبوار..
أفلا يرى مولدها وكأنه آية بركة وخير..؟
طليعة يمن وأمن؟
علامة نفحة قدسية من ألطاف الرحمن؟..
بشرى رحمة ربانية أفاءت على الناس المودة، وغمرت النفوس بالصفاء، ونشرت في مكة السلام؟
وكان من قدر علي بن أبي طالب، اقتران مجيئه أيضاً إلى عالم الناس ـ كحال الصغيرة ـ بالكعبة الغراء.
فها هي أمه: فاطمة بنت أسد، تطوف بالبيت الحرام..
ها هي تكاد تتعثر في طوافها وقد أثقل بطها جنين، راح يتحرك بين جنينها، كأنما ينشد الخروج للنور والهواء.
ها هي يفاجئها المخاض، فتتوارى، من الأعين، وراء أستار الكعبة..
وتضع الوليد..
إلى جوار الحجر الأسود يكون المولد..
فإن تكن إشارة في الزمان، تعلن للعالمين عن حظ غلامها من الطهر، وإشراق الروح، فإنها نزوله بأطهر بقعة وبأقدس مكان، كرم به وجهه كما لم تكرم وجوه غيره من أطهار الأقران..
آية..
بل آيتان، في خلال بضع سنين، اختُص بهما ذانك الهاشميان..
كلتاهما إيماء.. كإبداء وجلاء..
تلميح.. كإفصاح وتصريح..
آيتان تومئان، ولا تخطئان، إلى قدرين يتلاقيان ويتلازمان..
ميلاد الصغيرة، وميلاد الصغير، يقترنان بالحرم الشريف..
وقليلا قليلا يميط القدران عن سريهما الغطاء، فإذا هما قدران عظيمان عند الناس، كريمان على الله.. كأعظم ما تكون الأقدار عندما ترفع أسجاف الأسرار، وتتفتح أبواب الغيب أمام الأبصار في هذه الحياة.. وكأكرم ما تكون عندما يعرض، من بعد، أصحاب الأقدار على الله..
ولا مغالاة..
فالثمرة بنت الشجرة..
وعن الفروع تنبىء الأصلو..
وكانت الشجرة ثابتة الجذور، فاستوت على الساق..
وطالت الفروع..
واخضرت الأوراق..
وكانت طيبة، فزكا النْور..
وتضوع الزهر..
وينعت الثمار..
فما يختلف ماء الجدول العذب عن ماء ينبوعه إلاّ بقدر يسير، إن كان لابد من تباين واختلاف..
وما يخلو غد الناس من آثار ماضيهم، ومن بصمات حاضرهم، وكلها، لا محالة، جارية في قابلهم القريب اللصيق، والبعيد العريق، جريان الدم في عروق الأجسام..
وما تغيب تماماً من مخايل الأخلاف سمات الأسلاف؟..
وكيف لا يرى المرء، في تربي الطفولة، بتلك الدار القائمة بجوار بيت الله، شبها من هنا، وشبها من هناك للملامح المعنوية للآباء والأجداد فضلا عن المظاهر المادية للأبدان والأجساد؟..
فأما السمات العضوية، فلا عليها تعويل..
إن هي إلاّ كقشور..
بل هي كدهان..
وأمّا السمات النفسية، فأبقى على الزمان..
جواهر وألباب..
كالدماء تجري ـ كلها أو بعضها ـ في شرايين الأجيال..
إلى الذراري تنتقل من البطون والأصلاب..
إلى الآباء من الأجداد..
إلى الأبناء من الآباء، فإلى الأحفاد وأحفاد الأحفاد..
عادةً.. عن طريق الوراثة..
غالباً.. عن طريق التلقين..
أحياناً عن طريق الامتثال..
الشبه النفسي بين فاطمة وعلي كان أدنى موارده جدهما "عبد المطلب"، كبير قريش، وسيد الهاشميين.
إن يكونا تألقا بنور الكرامة، فبعض ذلك النور انحدر إليهما من ذلك الشيخ المتأله الحنّان.
أم من ذا ينكر على "أبي الحارث" أن قد أودعه الله من فضله ما لم يكد يودع شواه من رفاق؟ من الذي في الناس يجهل ما كانت عليه نفسه من صفاء وحس رهيف شفيف؟..
من الألى بين قومه لم يخيروا فيه سليقة نقية، حلاه طهرها بكل رفيع وجليل من الشيم والخصال؟
فكأن هذا الذي أنعم به عليه ربه، يمثل فاتحة لانطلاق من بعد، على الطريق إلى الله..
كأنّه تسبيب يناسب موازين المعقولات ـ دع عنك انجاز الغيبيات ـ يؤكد أن لكل نتيجة مقدمة، ولكل معلول علة، فإذا الخير المرتقب في الصغير إن هو إلاّ ثمرة طيبة لبذرة طيبة، قد غرست في كيان الأحداد، فلا الأمر خبطة عشواء، ولا هو أتى من فراغ..
كأنّه إشارة من القدر بليغة، تومىء ـ من خلال فضائل الشيخ الوقور ـ إلى ذخر فضائل حفيده المختار لتبليغ الرسالة الربانية التي ستهدي العالمين للتي هي أقوم، وتنتشل البشرية من وهدة الغي والظلام..
كأنه بصيص، يعلن عن وضاءة خلالِ الوليد المنتجب، ونقاوة سجاياه، التي أجملها الله سبحانه في كريم نطقه، فوصفه بأن قال: {وإنك لعلى خلق عظيم..}(1)
لقد كان من فضل الله على هذا الأب ـ الجد ـ أن اختصه بقلب ناصع كبير وذهن متوقد منير.
وآتاه نفسا زكية نقية، كنسمة الفجر في يوم ندي من أيام الربيع..
وأفاء عليه إشراق الوعي وعبقرية الإدراك.
وهيأ له رحابة روحية اتسعت لاحتواء روعة المجهول..
وأودع ضميره صدق التوسم والاستجلاء.
وملّكه القدرة على استشعار الكثير من المجردات والمطلقات، كقدرته على إبصار مظاهر الملموسات والمرئيات..
وما عرف عنه هذا السبيل ليس بقليل..
والشواهد أعداد..فما وصفه به معاصروه، كان ألصق بالطهر، وأفعل للخير، وأحرص على نصوع الضمير..
تنزه عن فواحش الأعمال والأقوال..
عف عن نقائص بيئته التي عاشت حياتها ـ كفرا وعهرا وهجرا ـ تحت أجنحة الشياطين..
تناءى بعيداً ـ بقلبه وفكره ـ عن خبائث العقائد والعادات والتقاليد، التي شكلت شطراً غير صغير من طبائع مجتمع عربيد، الناس فيه أشد كلفا بها من كلفهم بالمآثر الزهر، والمناقب الغر وما تدعو إليه مكارم الخلق من كل حميد ورشيد..
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون؟..
أعلى أبصارهم غشاوة؟..
أفي آذانهم وقر؟..
أعلى قلوبهم أقفال؟
كانوا يرون، في أعرافهم تلك النكراء، موائل اعزاز..
لكأنما امتثالهم طرقها المعوجة كان لهم فيه الفخار كل الفخار، وإقلاعهم عنها هو العار أفدح العار!..
كأن أنقيادهم للموبقات إنماجاء عن تلبية حتمية لأمر مقدس ليس إلى تحللهم منه سبيل!..
أما أبو الحارث: شيبة الحمد عبد المطلب، فلم يكن على نفس هذا الغرار..
كما نبذ المنكرات أخذ بالمكرمات..
بل دعا القوم للنبذ وللأخذ ولم ينفرد وحده بهذا الناموس..
انتهى، ونهى عن الزنا والخنا والفجور..
عف، وأهاب بالتعفف عن شرب الخمر..
امتنع، ومنع من زواج المحارم..
أدان وأمر بالكف عن وأد الموءودة..
حرم أن يطوف بالبيت عريان..
رأى قطع يد السارق جزاء ما كسبت يداه، وتكالا وعبرة لسواه..
أوفى، وحث على الوفاء بالنذور..
ترفع، ونادى بالترفع عن البغي والظلم، وكان يقول:
"لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه.."
فلما قيل له عن ظالم مات قبل أن تصيبه عقوبة بظلمه، ألهمته بصيرته المشرقة أن يجيب:
"والله إن وراء هذه الدار لداراً يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته..".
فكأنما ـ بهذا الذي كان يرتأيه ـ قد أُلقي في روعه بعض ما شرعه الإسلام، وجاء به، بعد قليل حفيده النبي المختار..
وهل من عجب أن قد آتاه ربه هذه الكرامة وإنه للنقي الطهور الكريم؟..
بل إنه لكذاك..
فلقد ذكر أيضاً، وعلم الناس، أنه كان قرين البركة، صادق الرؤى، مستنير البصيرة تكاد نفسه تشفي على الإلهام..
وكيف لا وهو الذي كان ينقطع، الليالي الطويلة، عن دنيا زمنه متحنثاً في غار حراء؟..
أكان يتعبد بالحنفية دين إبراهيم؟
أم كان يتأمّل، كما تلمهه الفطرة السليمة، في عظمة الخالق وهوان المخلوق؟..
أم كان يتابع، بروحه وعقله، شعاعاً من نور الحقيقة الواحدة، انبثق له من بين ظلمة الجهالد الرانية حينذاك على قلوب البشر، كانبثاق ومضة برق من خلال غيم كثيف؟
وتلبية لشعور غامض، نزل على قلبه بالسكينة، أنكر ربوبية المجسدات والمنظورات، ونزه مالك الموت والحياة أن يكون على مثال هيئة من أشكال المادة التي تتغير وتحول، وتفنى وتزول..
وانطلاقاً من هذا الشعور، خالف عقيدة مجتمعه الوثني، ونأى ـ في أخريات أعوام عمره، كما نقلت الأخبار ـ عن عبادة الأصنام..
خطوة رائدة على طريق الاهتداء.. قدوة مبكرة لمن شاء، من قومه، الاقتداء..
أيما وصف تُصور به نفس الشيخ الهاشمي الجليل، فلقد كان كما تدل فعاله وسجاياه، وتشير إليه أحاديث معاصريه، صاحب كرامة ويمن ويقين ثابت في القدرة الربانية لا يتزعزع أمام نوائب الدهر ومدلهمات الأحداث..
حين ينظر إلى الأمور كان يراها بكلتا عيني الإبصار والاستبصار..
ينفذ فيها إلى أعماق المجاهيل..
يشيم بوادر الشر قبل أن يحيق..
ليس بالخوف الخالع، ولا الجزع الهالع كان يجابه الملمات..
إنّما بالصبر والهدوء..
بثبات اليقين..
بطمأنينة الإيمان..
برحابة روحية تذوب فيها عزائم الأخطار..
كثيراً كان ـ على غير ما درج الناس ـ لا يستقبل الشدائد بأساليب المقاومة شرية العنيفة والجلاد المادي الحاد..
كثيراً كان يستعين عليها بقوة غيبية عليا، يؤمن باقتدارها على صدا البلايا ودرء هوال كل الاقتدار، كل الإيمان..
كثيراً كانت أسلحته التي يحارب بها جنحافل المحن قلباً خاشعاً، وكفين يرفعهما السماء، وكلمات ضراعة وابتهال.
إنه لطاهر الدعاء، مبارك النداء..
يسأل فيجاب..
يستغيث فيغاث..
فكأنما الله شاء أن يمده بما يشبه الخوارق، ويماثل المعجزات..
|