في رحاب القرآن
ظواهر عامّة في القِصّة القرآنية
    تكرار القِصّة في القرآن
    اختصاص القصّة بأنباء الشرق الأوسط
    تأكيد قصّة إبراهيم وموسى
    اُسلوب القصّة
   


    على ضوء الأهداف السابقة للقِصّة يحسن بنا أن ندرس ظواهر أساسية برزت في عرض القِصّة القرآنية:
    تكرار القِصّة في القرآن الكريم:
    من ظواهر القِصّة في القرآن الكريم تكرار الحديث عن القِصّة الواحدة في مواضع مختلفة. وقد اُثيرت بعض الشبهات حول هذه الظاهرة، فقيل: إنّ القِصّة بعد أن تذكر في القرآن مرّة واحدة تستنفد أغراضها الدينية والتربوية والتاريخية، فلماذا يتحدّث عنها القرآن الكريم مرّة اُخرى؟! وقد اُثيرت هذه المشكلة في زمن مقدّم من البحث العلمي في القرآن الكريم، لذا نجد الإشارة إلى ذلك في مفردات اراغب الإصفهاني، وفي مقدِّمة تفسير التبيان للشيخ الطوسي(1)، قال: "والوجه في تكوير القِصّة بعد القِصّة في القرآن: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يبعث إلى القبائل المتفرِّقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء

والقصص متكررة لوقعت قِصّة موسى إلى قوم و قِصّة عيسى إلى قوم وقِصّة نوح إلى آخرين، فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض، ويلقيها في كلِّ سمع، ويثبِّتها في كلِّ قلب، ويزيد الحاضرين في الإفهام".
    فالشيخ الطوسي يفسِّر التكرار بعاملين:
    الأوّل:
    معالجة التفرّق في القطع القرآنية; ليكون تكرار القِصّة موجباً لوصولها إلى الجميع.
    والثاني:
    زيادة إفهام الحاضرين الذين يصلهم القرآن الكريم بكامله.
    وعبارة الشيخ الطوسيّ ربما لا تعالج المسأَلة بشكل أساس، غير أنّها تدلّ على أنّ الموضوع طُرِحَ في الدراسات القرآنية عند القدماء أيضاً.
    ونحن هنا نذكر بعض الوجوه التي يمكن أن تكون تفسيراً لتكرار القِصّة الواحدة

في القرآن الكريم:
    الأوّل:
    أنّ التكرار إنّما يكون بسبب تعدّد الغرض الدينيّ الذي يترتب على القِصّة الواحدة، وقد عرفنا في بحثنا السابق لأغراض القِصّة(2) أنّ أهداف القِصّة متعدِّدة، فقد تأتي القِصّة في موضع لأداء غرض معين، وتأتي في موضع آخر لأداء غرض آخر وهكذا.
    الثاني:
    أنّ القرآن الكريم اتّخذ من القِصّة اُسلوباً لتأكيد بعض المفاهيم الإسلامية لدى الاُمّة المسلمة، وذلك عن طريق ملاحظة الوقائع الخارجية التي كانت تعيشها الاُمّة، وربطها بواقع القِصّة من حيث وحدة الهدف والمضمون.
    وهذا الربط بين المفهوم الإسلامي في القِصّة والواقعة الخارجية المعاشة للمسلمين قد يؤدِّي إلى فهم خاطىء للمفهوم المراد إعطاؤه للاُمّة، فيفهم انحصاره في نطاق الواقعة التي عاشتها القِصّة وظروفها الخاصّة،

فتأتي القِصّة الواحدة في القرآن الكريم مكررة من أجل تفادي هذا الحصر والتضييق في المفهوم، وتأكيد شموله واتّساعه لكلِّ الوقائع والأحداث المشابهة; ليتّخذ صفة القانون الأخلاقي أو التاريخي الذي ينطبق على كلِّ الوقائع والأحداث.
    الثالث:
    أنّ التكرار يكون سبباً في فاعلية القِصّة كمنبّه للاُمّه على علاقة القضية الخارجية التي تواجهها ـ في عصر النزول أو بعده ـ بالمفهوم الإسلامي; لتستمدّ منه روحه ومنهجه، فيكون تكرار القِصّة بياناً للمنبّه عند الحاجة إليه.
    ولعلّ هذا السبب والسبب الذي قبله هو ما يمكن أن نلاحظ في تكرار قِصّة موسى، والفرق بين روحها العامة في القصص المكّي وروحها في القصص المدنيِّ، فإنّها تؤكِّد في القصص المكّي منها على العلاقة العامة بين موسى من جانب وفرعون وملائه من جانب آخر، دون أن تذكر


أوضاع بني إسرائيل عن العقيدة الإلهيّة بشكل عام، وهذا بخلاف الروح العامة لِقصّة موسى في السور المدنية; فإنّها تتحدّث عن علاقة موسى مع بني إسرائيل، وتتحدّث عن هذه العلاقة وارتباطها بالمشاكل الاجتماعية والسياسية.
    وهذا قد يدلّنا على أنّ هذا التكرار للقِصّة في السور إنّما كان لمعالجة روحية تتعلّق بحوادث مختلفة واجهت النبي والمسلمين، ومن أهداف هذه المعالجة توسعة نطاق المفهوم العام الذي تعطيه قِصّة موسى في العلاقة بين النبي والجبارين من قومه، أو القوانين التي تحكم هذه العلاقة، وأنّ هذه العلاقة مع نهايتها لا تختلف فيها حادثة عن حادثة أو موقف عن موقف.
   

    ولعلّ إلى هذا التفسير تشير الآيات الكريمة التي جاءت في سورة الفرقان:
    {وقال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآنُ جملةً واحدةً كذلك لنثبّت به فؤادك ورتّلناه ترتيلا * ولا تأتونك بمثل إلاّ جئناك بالحقّ واحسن تفسيراً * الّذين يحشرون على وجوههم إلى جهنّم اولئك شرٌّ مكاناً وأضلّ سبيلا * ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معهُ اخاهُ هارُون وزيراً}(3).
    الملاحظة في هذه الآيات أنّ القرآن يذكر أنّ سبب التدرج والترتيب في القرآن الكريم هو: التثبيت للنبيِّ من ناحية، الإتيان بالحقِّ والتفسير الأفضل للوقائع والأحداث والأمثال من ناحية اُخرى، ثُمّ يأتي بهذا التفسير الأحسن من قِصّة موسى (عليه السلام).
   

    الخامس:
    أنّ تكرار القِصّة لم يأت في القرآن الكريم بشكل يتطابق فيه نصّ القِصّة نَصٍّ آخر لها، بل كان فيها شيءٌ من الزيادة والنقيصة، وإنّما تختلف الموارد في بعض التفاصيل وطريقة العرض; لأنّ طريقة عرض القِصّة القرآنية قد تستبطن مفهوماً دينياً يختلف عن المفهوم الدينيِّ الآخر الذي تستبطنه طريقة عرض اُخرى. هذا الأمر الذي نسميه بالسياق القرآنيِّ يقتضي التكرار أيضاً; لتحقيق هذا الغرض السياقيِّ الذي يختلف عن الغرض السياقيِّ الآخر لنفس القِصّة، وسوف تتضح معالم هذه النقاط بشكل أكثر عند دراستنا التطبيقية التالية لِقصّة موسى (عليه السلام) في القرآن الكريم.
   

وقد ذكر السيوطيّ في الإتقان عدّة أسباب اُخرى ينسبها إلى (البدر بن جماعة) في كتابه المقتنص في فوائد التكرار القصص:
    ومنها: ما ذكره الشيخ الطوسيّ آنفاً.
    ومنها: أنّ ذلك كان من وسائل التحدي بالقرآن; لاختلاف القِصّة بالنظم، ومع ذكل عجز العرب عن الإتيان بمثله.
    وذكر أسباباً اُخرى فيها تكرار هذه الأسباب(4).
   

تتمّة البحث في العدد القادم


    1 ـ التبيان: مقدِّمة المؤلف 1:14.
    2 ـ لزيادة الإيضاح انظر سيد قطب: التصوير الفني في القرآن: 128 ـ 134.
    3 ـ الفرقان 25:32 ـ 35.
    4 ـ الإتقان في علوم القرآن 3:230 ـ 231 تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
   



  نساء في ذاكرة التاريخ
إفخيتة الفتلاويّة



    إفخيتة بنت عبود الفتلاوي، من عشيرة آل فتلة، التي كانت تسكن منطقة الفرات الأوسط، وبالخصوص منطقة الشاميّة في محافظة الديوانيّة.
    شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة، ومجاهدة، شاركت

في أحداث ثورة العشرين مشاركة فعّالة، فكانت تارة تُضمّد الجرحى من أبناء عشيرتها، وتارة اُخرى تُشجّع الرجال على القتال وتشحذ همهم بواسطة الشعر الحماسي التي كانت تنشده وسط الجموع الذاهبة لساحة

المعركة، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك، حيث حملت السلاح وأرادت التوجّه لقتال الأنگليز، فمنعها أبناء عشيرتها.
    وقد قدّمت هذه الشاعرة المجاهدة ولدها "اگريزي" كأوّل شهيد من هذه المنطقة،

ورثته بأبيات شعريّة ملؤها الحزن والأسى ممزوجاً بالفخر والاعتزاز، منها:
   


يا زور يللّي عيب ينطر *** يا ليث لو عبَّس اُوزمجر
اشحدّه الوگف دونك غضنفر *** ابذچرك (اگريزي) الگلب يستر
أوّل شهيد اللّي هو اُوخَر *** إبمثلك أهالي المجد تفخر(1)


    1 ـ معلومات ومشاهدات في الثورة العراقيّة الكبرى (شاعرات في ثورة العشرين): 354.
   



  نساء في ذاكرة التاريخ
انجبدة



    مجاهدة عراقيّة في منطقة الجنوب، شاركت في بعض وقائع ثورة العشرين، التي قادها علماء الدين آنذاك، ونزلت إلى

أرض المعركة مع أبناء عشيرتها.
    وعندما سقط ولدها شهيداً، اقتحمت النيران وحملت جثته عائدة بها إلى موقع

الثوّار، وهي ترتجز وتقول باللّهجة العاميّة العراقيّة: "عربيد اسم امّك يا هيبة"(1).
   



    1 ـ معلومات ومشاهدات في الثورة العراقية الكبرى (شاعرات في ثورة العشرين): 373.
   

  من عالم المرأة
حكاية من الواقع

« أوّل الطريق »


    صبري سفحته الاهوال. ذبحته سيوف مجهولة. عواصف الخلافات اغتالت مقاومتي، واقتلعت جذور النور. محطمة اغصان الضوء، وعناقيد الامل.. فاذا بالظلمة مطبقة على حياتي.. وأماني مبعثرة الاشلاء على ارض الواقع!
    لم ادرك يوم ان التقينا انه يحمل في حناياه هذا الحجم الضخم من الانانية، فقد خدعني اول الامر بالحب والبذل ليأخذ بصري بعيداً عن انانيته، ولست اشك في ان عطاءه كان صدى السيل العرم الذي افضته عليه. فقد اهديت اليه الامنيات والاحاسيس.. فتلقاها مبهورا.. ثم ما لبث ان اتخم بالحب، وأبطرته العاطفة.. فغدا كالنشوان يمشي مختالا يدوس بقدميه ارقى الاحلام واغلى الامنيات!
   

    في البداية شعرت بأن كل ما حولي يصادر احلامي. فما كدت ابدأ العام الدراسي الذي على ان اخوض فيه المعركة مع شهادة الثانوية حتى سقطت والدتي صريعة مرض عضال. وانقلب كل شيء في البيت، واحسست بأن واجبي يحتم علي ان اقوم بكل ما كانت تقوم به للآخرين، فأنا اكبر اخوتي، والاربعة الذين هم دوني كلهم في حاجة إلى الخدمة. وحينما لزمت والدتي الفراش، قرأت الحيرة في ملامح والدي، لكنه لم يقلها لي، ورأيت ان ارحمه، وأرحم نفسي فبقيت في البيت، وكل ما في يمضغ المرارة، ويبتلع الحسرة!!
    وطال مرض والدتي، وانتصف العام، وبدا واضحاً ان دخولي الامتحان هذا العام ضرب من المستحيل.

    وتنازلت مرغمة عن احلامي في الحصول على الثانوية على امل واحد.. هو ان تتحسن ظروفي مستقبلا وأحصل عليها في العام القادم.
    اجتذبتني دوامة مرض والدتي، وعذاب والدي، وشقاء اخوتي إلى أن وقعت الكارثة التي مهد لها مرض امي.. وانتقلت إلى رحمة الله. وخيل لي ان كلّ شيء سوف يتوقف. لكن الأيام مضت بنا جميعاً. وزادت حاجة الجميع إلى جهودي إلاّ أن ذلك لم يمنعني من الاستعداد للدراسة والاصرار على تحقيق حلمي القديم. وخلال ذلك كله، والاحزان تحيط بنا، والآلام ترابط في صدور الصغار، والكبار.. تقدم إلى والدي يطلبني منه..!
   

    لم يكن غريباً عنا. كان يمت الينا بصلة قرابة بعيدة بعض الشيء. وكنت اعرف انه حصل على شهادته الجامعية، والتحق موظفاً باحدى مؤسسات البترول. ورغم انني لم اكن قد تعودت مناقشة والدي إلاّ أن اصراره على ان يستمع إلى رأيي، شجعني على ان اقول له: انني كنت احلم بالحصول على الثانوية العامة، واتمام تعليمي الجامعي، وان ثقتي في حبه للتعليم، وادراكه الواسع يجعلني ابسط رغبتي بين يديه بلا تردد. واستمع ابي الي. ثم قال لك هذا. وفي اول لقاء ضمني مع العريس، قلت له ان شرطي الوحيد هو تكملة تعليمي، فأما ان يقبل ان يكون ذلك بعد الزواج، او يدعني اواصل تعليمي، ثم بعد تخرجي يفعل الله ما يشاء..؟
   


    فوافق على شرطي مرحباً ومشجعاً واقسم انّه سوف يكون اسعد الازواج إذا استطاع ان يقف بجانبي في معركتي مع المرحلة التعليمية الشاقة التي اصر على قطعها. وكان واضحاً أنّه صادق، وجاد في كلّ عهد يقطعه على نفسه. فما لاحظت عليه كذباً طوال فترة الخطبة، وبدأنا نستعد للزواج، والامل يملأ جوانحي في تحقيق حلمي الكبير..!!
    ومضت الامور متجهة بكل قواها نحو الزواج.. ولم يهتم واحد من الطرفين، برغبتي في التعليم، وفكرت في اثارة الامر عند زوجي في الاسبوع الأول لشهر العسل.. فرجاني أن امنحه فرصة، وإلاّ اجتزىء شهر العسل لكي اضيعه في الكتب، والشرح، والاستذكار، وتعهد بأن يقوم هو بكل ما يتطلبه نجاحي هذا العام في الثانوية العامة..
   

    وطال شهر العسل، فقد اهدى اليه العمل رحلة إلى اوروبا. وبعد العودة اسرعت إلى ادارة الامتحانات لاحصل على رقم جلوس استعداداً لدخول الامتحان، لكن الموعد كان قد فات بأيام، وعبثاً حاولت، وأصبت باحباط لست انكر انّه حطم الجزء الأكبر من سعادتي. وانعكس ذلك على حياتي الزوجية. فقد استقر في ذهني انّه خدعني وان رحلة اوروبا هي السبب في الحيلولة بيني وبين الحصول على الثانوية هذا العام.
    دون ان ادري، راحت السحب تتجمع في سماء الزوجية. وأقبل زوجي علي يحاول ان يؤكد لي أنّه لا هم له سوى ان يوفر اسباب السعادة لي، وانّه المسؤول شخصياً عن حصولي على الثانوية في العام القادم، وكان لابدّ من أن احني رأسي. لابدّ ان تكون اعتذاراته محل تقدير..

وابتسامتي يجب ان تعود.. وإذا كان الأمر قد أفلت من يدي هذا العام.. فيجب ان اكون على اهبة الاستعداد في العام القادم.
    ورغم الام الاحباط التي كانت تصفع اعماقي بقسوة، إلاّ انني كنت احاول مخلصة ان اوفر له كلّ سعادة ممكنة، مقدرة انّه في الثلاثين او على ابوابها، وان الزواج كما اعترف لي جعل لحياته معنى، وقيمة لم يكن يعرف طعمهما من قبل.. وانّه لو لم يكن قد التقى بي فلعله كان سيظل بدون زواج فترة طويلة.
    من اجل كل هذا كنت اطارد السحب الداكنة كلما تجمعت في بيتنا، حتى لا تغلبني الهموم، وشبح الفشل يهددني في حياتي تعليماً، وزواجاً.
    وجاء العام الثاني، ورحت ارتقب بنفسي. قررت ان اتولى زمام اموري بيدي. أنّها مشكلتي،

ولن يهتم بها غيري. بحثت عن الكتب، وقرأت المقررات، واتصلت بمدرسة كانت تسكن بالقرب مني، واتفقت معها على كل شيء، وبدأت في جدية استعد لتحقيق حلمي. وكان سعيداً، يشجعني في حماس لعله يبرىء نفسه من تهمة الوقوف ضد احلامي!
    ولم يكن ذلك بالسهل الهين، فالعمل في البيت كان متعباً واستذكار الدروس كان شيئاً اثقل من الهموم. العزاء الوحيد لي، كان هو شعوري بأنني أقترب كل يوم خطوة من شاطىء الامل. وكلّما تفاقمت متاعبي ادركت ان ثمن النجاح يجب ان يكون على قدره!
    واقتربت الامتحانات. واقتحمتني المتاعب، وملأت فمي مرارة المعاناة الحقيقية، ورأيت ان استعين بشقيقتي لتعمل معي، بعد ان استأذنته فوافق، وحصلت على موافقة والدي، واحسست بأن الجميع


يؤازرونني في تحقيق الحلم، وكان لهذا كلّه اعظم الاثر في نفسي، ودخلت الامتحان!
    وظهرت النتيجة ولم اصدق اول الامر، وحينما تأكدت ملأت الدموع عيني، والثقة جوانحي، وملت على يدي زوجي اقبلهما، عارفة بفضله، مقدرة لجميله. واهدى الي يومها هدية من الذهب.
    نجحت بتفوق ارضى فؤادي، ومسح كلّ الصدأ الذي كان يرقد في اعماقي، وحملت اوراقي إلى كلية الاداب التي كنت احلم بها وصدري يزاحم "بزغاريد" اسمعها باذني.. فرحة لم اشعر بها من قبل.. حتى في يوم زفافي!
    وبدأت التهم الدراسات والكتب، احسد نفسي في كل لحظة. فهأنذا اعيش الحلم واقعاً ملموساً مجسماً، وهأنذا اخيراً طالبة في الجامعة!
   

    اجتزت الامتحان في السنة الاولى بنجاح. وحينما كنت اسوق الخبر إلى زوجي همس في اذني أنّه قد مضى على زواجنا ثلاث سنوات، وبضعة اشهر. ولم افطن إلى ما يريده اول الامر. فحدقت في وجهه لعلي اعثر على ما يريده في ملامحه. لكنه اشار بيديه، وهو يقلد صراخ طفل. فضحكت طويلا، وقلت له: ان هذا لن يكون الاّ بعد حصولي على الليسانس.
    على وجه التحديد لم استطع ان استشف صدى جوابي عليه. كنت جادة في ردي، وكنت اعني كل حرف نطقت به. جاءت السحب الداكنة من جديد. اقبلت في هجوم متتابع.. ولم يعد زوجي كما كان.. انتابه الضجر، والتبرم. انقلب ساخطاً يثور لأتفه الأسباب ويحول البيت إلى جحيم!
   

    لم اكن غبية إلى الحدّ الذي يجعلني اسأله عن سر ثورته. لكني حاولت امتصاص غضبه، وترويضه مستهدفة اقناع اعماقه، بأن يمضي معي في مسيرتي العلمية وان يؤجل رغبته في الانجاب إلى السنوات المقبلة. غير اني فشلت وركب رأسه. فقد كانت اصابع اهله تدفعه من الخلف، وترسب في حناياه انّه يجب ان يكون صاحب الكلمة الاولى والاخيرة.
    وفوجئت به يضعني امام امرين احلاهما مر: فاما ان استجيب، وانجب، وبذلك يتوقف تحصيلي للعلم واما أن سيرضى لكى اتفرغ للعلم الذي افضله عليه؟
    احسست به يطعنني، ويسفح دمائي في مرحلة انا فيها احوج ما اكون اليه. وكبر علي ان ارضخ له، وهو يسحق اشلاء اماني

المبعثرة تحت قدميه. وكبر عليه ان يتراجع في الشروط التي فرضها. وتمزق كلانا، وانا اغادر البيت إلى حيث والدي، وقد اتفقنا على الطلاق!
    انني على ابواب الليسانس هذا العام، وهو لم يتزوج بعدي. ان حصولي على الليسانس سوف يحقق احلامي، ويفتح لي الطريق إلى مستقبل جديد... لكنه لن يعيد ابداً الامنيات والاحساسيس التي كانت في اول الطريق!
   



الشباب


    إن موضوع المراهقة والشباب يعتبر في وقتنا الحاضر من الموضوعات الهامة التي يهتم بها علماء النفس، وعلماء التربية، وعلماء الاجتماع، والسياسة، وعلماء الصحة، وسواهم من علماء الاقتصاد والدين... إلخ.
    ونحن نلاحظ بأن الدول المتقدمة تهتم بمراهقيها، وبشبابها، إيماناً منها بأن الأمة تبقى وتتقدم بقوة شبابها وأفرادها، هؤلاء الأفراد الذين يعملون على كشف الموارد المادية وتنميتها، وتطويرها، والاستفادة منها، وبالتالي تسخيرها في خدمة التنمية الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية...، وفي تقدم البلاد وازدهارها، وبقدر ما يتمتع به الأفراد من صحة بدنية ونفسية، ومن تربية صالحة وإيمان بالله، ومن وعي ومعرفه... بقدر ما تكون الفائدة أعظم للمجتمع، والفعالية أكبر، والتقدم أسرع.
   

    وهذا الكتاب يهتم بفئة المراهقين والشباب من أفراد المجتمع، وليس المقصود بذلك إهمال باقي أفراد المجتمع من حيث الاهتمام، والرعاية، والتوجيه... إلخ بل العكس تماماً فإنه من الضروري بالنسبة إلى جميع أفراد المجتمع، الذكور والإناث، الأطفال والشباب، الكبار والشيوخ، الأسوياء وغير الأسوياء... توفير الرعاية لهم وتقديم الخدمات اللازمة، والعمل على تنمية وتوجيه قدراتهم، وإجراء الدراسات العلمية حولهم، كلّ حسب الطرق والوسائل المناسبة له، وذلك لأن كل فئة من فئات المجتمع أو أفراده تعتبر مصدراً خصباً لتقدم الأمة وازدهارها وخاصة إذا ما أُحسن توجيهها، وتمت رعايتها بالشكل الصحيح والمناسب، هذا إلاّ أن الاهتمام بالمراهقين والشباب تحتمه بعض الضرورات العلمية نذكر منها على سبيل المثال

ما يلي:
    1 ـ على الرغم من إيماننا بأهمية الثروة البشرية بجميع أشكالها، وفئاتها، إلاّ أننا نشعر نحو مراهقينا وشبابنا بأهمية خاصة تفوق بعض الشيء الأهمية التي نشعرها بها نحو الفئات البشرية الأخرى. فالشباب في أي أمة يعتبر المراة الصادقة التي تعكس واقع المجتمع، ومدى نهضة الأمة وتقدمها، وفي هذا الصدد يذكر الأستاذ محمّد الصادق عرجون(1) في كتابه الدين منبع الإصلاح الاجتماعي ما يلي: "إن الشباب هم عصب الأمة، وموضع آمالها، وهو الذي يقود الأمة في مستقبل حياتها، فإنه إذا لم يلق الشباب توجيهاً تربوياً يقوم على دعائم الوعي والفضيلة، والتمسك بآداب الدين، والعلم والمعرفة، فإنه يذهب بكل عمل نعمله، ويهدم كل بناء نبنيه".
   

ويقول لويس كامل مليكة(2) في هذا الصدد أيضاً: "إن شباب الأمة هم قادة المستقبل، وسوف يكون منهم السياسي، والعالم، والمعلم، والطبيب... وكل منهم يمكنه أن يؤثر في محيطه، وفي مجتمعه، أو في وطنه، أو فيما هو أبعد من حدود هذا الوطن...". ويقول الأستاذ عمر التومي الشيباني(3): "إن الأجيال الشابة أكثر مرونة وتقبلا للتطور والتغيّر، وهي لاترى حرجاً في قبول أي تطور أو تغيّر اجتماعي، أو اقتصادي، أو تربوي، أو سياسي... أو فكري...". ويذكر سعد جلال في كتاباته التربوية(4) بأن التاريخ لم يسجل عصراً من العصور زاد فيه اهتمام الأمم، والعلماء بالمراهقين والشباب، وفي أي بلد من بلدان العالم مثل عصرنا الحالي، ونحن في بلداننا العربية والإسلامية أصبحنا اليوم أحوج ما نكون إلى



رعاية شبابنا ومراهقينا وحتى يتسنى لنا توجيههم التوجيه التربوي الإسلامي الصحيح.
    2 ـ إن الاهتمام بالشباب ضرورة تحتمها مصلحة الفرد الشاب، ومصلحة الأمّة، ومصلحة المجتمع الذي ينتمي إليه، هي ضرورة فردية لأنها تساعد الشاب على كشف استعداداته، وقدراته، وطاقاته الجسمية والروحية، والعقلية، والوجدانية، والاجتماعية... والعمل على تنمية هذه الجوانب، وعلى تفتح الشخصية واكتساب المتطلبات الجديدة للحياة... وهي ضرورة اجتماعية لأن قوة المجتمع وتماسكه، وسلامته تتطلب جيلا من الشباب متشبّعاً بثقافة أمته، معتزاً بتراثها، محافظاً على قيمها، مضحياً من أجلها...

    وطبعاً لا سبيل إلى تكوين مثل هذا الجيل إلاّ التربية الصالحة، والرعاية الصحيحة، والإعداد الجيد والصادق للشباب.
    3 ـ إن الاهتمام بالشباب يعتبر في وقتنا الحاضر ضرورة اقتصادية تنموية، كما يعتبر ضرورة سياسية، لأن التنمية الاقتصادية التي تنشدها الأمة تتطلب طاقات بشرية واعية، ومدرّبة، وملمّة بأصول العمل والإنتاج، وممتلكة للمعارف والمهارات اللازمة لذلك، كذلك يعتبر الاهتمام بالشباب ضرورة سياسية في عصرنا الحالي أكثر من العصور السابقة، بسبب ما يسود هذا العصر من صراعات سياسية أيديولوجية، وحضارية، وعنصرية، وطائفية، ومن فلسفات، ومذاهب دينية

ودعايات معادية للمسلمين وللإسلام، ومن حرب طغى فيها القوي على الضعيف، ومن قهر اجتماعي عمَّ أرجاء النفوس الأبيّة والمخلصة. لذلك فإن عملية التنمية الاقتصادية والسياسية، والاجتماعية تتطلب دراسة العنصر الرئيسي في هذه العملية الذي يمثله جيل الشباب.
    4 ـ إن شبابنا (شباب وشابات) العربي المسلم هو شباب مستهدف في وقتنا الحاضر تدار حوله الشبهات، والأباطيل، والمؤامرات من أجل النيل الإسلام من النيل منه، ومن عقيدته، ومن فكره، واخلاقه... ولقد تمكن أعداد الاسلام من النيل من هذا الشباب، فكراً وعقيدةً... وقتلوا فيه معنى الأخلاق، والشهامة، والتضحية، كما قتلوا فيه معنى الانتماء،

فأصبح بعض شبابنا بلا هوية، وطاقات مبعثرة، لا فائدة منها، إن كل واحد من شبابنا أصبح يشعر في كل يوم ألف مرة كيف انقلبت الموازين، وتغيرت الأخلاق، واختلفت القيم، وساد القهر، وضعفت الضمائر، وتهافت الناس على متاع الدنيا وملذاتها، وعلى جمع المال، وكيف انتشرت المخدرات، وبيوتات الدعارة والبغاء بين الأوساط الشابّة، ونفثت سمومها بين هذه الأوساط... ومما لا شك فيه أن الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمجتمع، والدولة، كل منهم بنظمه، وأغراضه ساهم في ذلك كما أنه مسؤول عن ذلك، ولعلّ في قول الشاعر ما يعبّر عن المأساة التي آل إليها معظم شبابنا في الوقت الحاضر. يقول الشاعر:
   



وأقسى ما يراه القلب يوماً *** شبابنا حائراً في كل نادي
تقاذفه المفاسد كل بحر *** فأضحى كالسفين بلا قياد
تراهم في الدروب كما السكارى *** وما فتئوا التخبّط والتمادي
وها هم يا أخي شباب قومي *** ألا فابكِ على سمر الزنود
شباب الجيل للإسلام عودوا *** فأنتم روحه وبكم يسود
وأنتم سر نهضته قديماً *** وأنتم فجره الزاهي الجديد

تتمّة البحث في العدد القادم



    1 ـ محمد الصادق عرجون: (الدين منبع الإصلاح الاجتماعي)، منشورات معهد الإسكندرية الديني (1959)، ص 43.
    2 ـ لويس كامل مليكة: (سيكولوجية الجماعات والقيادة)، مؤسسة المطبوعات الحديثة، القاهرة الجزء الأول (1959) ص 114.
    3 ـ عمر محمد التومي الشيباني: (الأسس النفسية والتربوية لرعاية الشباب)، دار الثقافة، بيروت (1973) ص 62.
    4 ـ سعد جلال وآخرون: (تقرير عن نتائج البحث الاستطلاعي للتعرف على مشاكل طلبة الثانوي) المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية،
القاهرة (1966) ص 124.
   



  صحة الأسرة
إكتشاف طبي مثير للعالم العربي
البدينات في القسم الأسفل من الجسم أقل عرضه
للاصابة بمرض السكري


    لاحظ فريق من العلماء في جامعة "مرسيليا" الفرنسية ان نسبة كبيرة من النساء المصابات بمرض السكري إنّما كن ايضاً سمينات بشكل بارز في الاجزاء العليا من اجسامهن، اذ كانت سواعدهن وأعناقهن مترهلة بالبدانة. كما ان الدهن كان متركزا بكثافة في الصدر والظهر. وأثارت هذه الملاحظة اهتمام العلماء في كلية الطب في جامعة "ويسكونسن" الاميركية مما حدا بهم الى اجراء دراسة استغرقت ست سنوات بغية التحقق مما إذا كان لتوزيع الدهن في الجسم علاقة بالاستعداد للاصابة بمرض السكري.
   

    وترأس هذه الدراسة عالم عربي هو الدكتور احمد كسيبة الذي يخلص الى ان النساء البدينات بصورة رئيسية في الاجزاء العليا من اجسامهن يكن عرضة للاصابة بمرض السكري بمعدل ثمانية اضعاف المعدل العادي بين النساء غير البدينات. ومن جهة اخرى فان النساء المتميزات بالسمنة الزائدة والمتركزة في الفخذين تحت الخصر يكن اقل عرضة نسبياً للاصابة بهذا المرض.
    خلاصة البحث:
    ويلخص الدكتور كسيبة استنتاج دراسته بعبارات مبسطة قائلا: كلّما كبر

محيط الخصر بالنسبة الى الوركين والفخذين ازداد احتمال الاصابة بمرض السكري.
    وكما هو معروف فان هذا المرض يتسبب في شل العملية الطبيعية في الجسم المتعلقة بتحويل السكر إلى طاقة. ويمكن ان يؤدي في بعض الحالات الى اضعاف النظر والنعاس والخمول والاضطرار الى التبول مراراً والتشنج في الساقين والأصابع، وإذا ترك بدون علاج فانه يمكن ان يؤدي في حالاته المتقدمة الى الغيبوبة وحتى الوفاة.
    وتطوعت لهذه الدراسة التي اجراها علماء كلية

الطب في جامعة "ويسكونسن" 5 امرأة من بينهن 25 بدينة في القسم الأعلى من الجسم، و18 في القسم الأسفل، و9 نساء غير بدينات اي كانت اوزان اجسامهن عادية. وجميع النساء المشتركات في الدراسة كن في صحة جيدة كما كان ظاهراً، ولم يصبن بمرض السكري من قبل بناء على تقارير اطبائهن وافاداتهن الشخصية.
    ولكن الدكتور كسيبة وجد ما يناقض ذلك في حالات كثيرة. فقد دلت الفحوص على تباينات مهمة بين الفئات الثلاث من النساء موضع الدراسة. فالنساء من


الوزن العادي وكذلك النساء البدينات في القسم الأسفل من الجسم كانت نتائج فحوصهن ضمن نطاق المعدل العادي الطبيعي. ولكن جميع النساء البدينات في القسم الأعلى من الجسم اظهرن في الفحوص مستويات عالية من السكر والدهون في الدم وهي من الدلائل العامة على مرض السكر.
    وفضلا عن ذلك فان فحوص "تحمل الغلوكوز" اكدت ان 15 امرأة من الـ 25 بدينة في القسم الأعلى

من الجسم انّما كن مصابات بمرض السكري فعلا وعليه فان الدكتور كسيبة يخلص احصائياً الى ان النساء البدينات من تلك الفئة من المحتمل ان يصبن بمرض السكر بمعدل يبلغ ثمانية اضعاف ما هو عليه عند النساء العاديات من حيث وزن الجسم.
    التفسير العلمي:
    ولكن ما هو التفسير العلمي لذلك؟ بعد فحص عينات الدهن والنسيج العضلي المأخوذة من البطن

والفخذين لتلك النساء، اكتشف الدكتور كسيبة ان خلايا الدهن المأخوذة من بطن النساء البدينات في القسم الأعلى من الجسم كانت خلايا منتفخة وكأنها وسائد محشوة اكثر من اللازم. بينما كانت خلايا الدهن عند البدينات في القسم الأسفل من الجسم عادية الحجم ولكن كثيرة العدد نسبياً. وفي دراسة منفصلة اجريت في جامعة "ويسكونسن" ايضاً تبين ان خلايا الدهن المنتفخة لها عدد قليل نسبياً من

المستقبلات التي يلتصق بها هرمون الانسولين وهو الذي يتحكم في عملية استهلاك السكر ويضبط مستواه في الجسم. ولعل هذا الاستنتاج يفسر ارتفاع مستويات السكر في دماء النساء البدينات في القسم الأعلى من الجسم. ويعتقد الدكتور كسيبة ان هذه الحالة من البدانة التي تنزع فيها خلايا الدهن الى الانتفاخ وزيادة الحجم يمكن علاجها بالهرمونات.
   




  الطفل والتربية
اللقاحات


    لابدّ، قبل الخوض في موضوعها، من توضيح الأمور. فهنالك من يقلّل من شأنها، غير أن الناقدين لها ليسوا من أهل العلم. ولقد ضخّموا بعض الحوادث، فمزجوا بين الخطأ والضرر. والواقع أن الحوادث النادرة التي أشار البعض إليها هي ناجمة عن أخطاء المعالج لا عن اللقاح نفسه.
    ونقدّم، من أجل إبراز قيمة التلقيح، المثلين التاليين: لم يصب بالكزاز أي جندي من الجيش الأمريكي الذي نزل في الحرب العالمية الثانية، على شواطيء أوروبا رغم تعرضهم للاصابة به لأن تلقيحهم ضد الكزاز كان جيّداً. ولقد أثبت اللقاح B.C.G بأن فعاليته ضد السل لا شكّ فيها في كل البلدان التي استعملته. وأيدت ذلك تقارير منظمة الصحة العالمية إذ شهدت أرقامها أن نسبة المرض بالسل وكذلك الوفيّات قد تدنتا في البلدان المشار إليها.

وخير دليل على عدم ضرره أن واحداً وأربعين بلداً استعملت منه مائة وعشرين مليوناً من اللقاحات تحت إشراف منظمة الصحة.
    من المعروف أن اللقاح أبطأ تأثيراً من المصل، لكن مدّة فعاليته أطول بكثير. فهي تستمر سنين. ويتم التلقيح حاليّاً في وقت مبكر، عله يحمي الرضيع منذ أقل عمر ممكن ضد الأمراض التالية: الجدري، الخناق الغشائي، الكزاز، السعال الديكي، شلل الأطفال، والسلّ. أما اللقاح ضد التيفوئيد، فإنه لا يستعمل، إلاّ إستثناء، قبل السنة الثالثة. وننتهز هذه المناسبة كي نلّح على اللقاح ضد السعال الديكي، لأنه أصبح في غاية الإتقان، وهو الدفاع الوحيد ضد إصابة السعال الديكي، فهي قاتلة في السنة الأولى من العمر.
    ولسوف ندرس بالتالي اللقاحات المختلفة التي نلقّح بها الرضيع والطفل

الصغير.
    اللقاح ضد السل
    لم يفقد هذا اللقاح أهميته، خلافاً لما اعتقد البعض منذ سنوات. ولقد إستطاعت أدوية الستربتوماسين والإيزونيازيد (أو الديمفيون)، والـ P.A.S الخ... أن تخفف من إنذار السل.
    كما مكنت المرضى من معالجة سريعة وشفاء سريع. ولم تنقص حالات السلّ الرئوي نقصاً بيّنا إلا في البلدان التي إستعملت لقاح الـ B.C.G بصورة كثيفة.
    هذا اللقاح الفعّال والذي لا خطر منه هو إجباري في بعض البلدان. يعطي إلى التلاميذ في سن السادسة. غير أننا بوسعنا أن نطبقه على الرضيع وصغار الأطفال الذين يعيشون ضمن جماعة أو في بيت يوجد فيه مصاب بالسلّ ولا نستطيع أن نسجّل تراجعاً حقيقياً للسل إلاّ إذا لقحنا الأطفال في سن مبكرة. وننصح بالقيام به بعد الولادة بقليل أي بين

اليوم العاشر والثلاثين إذا كانت في العائلة بعض السوابق السليّة. أما في الحالات الأخرى فلنا الخيار في التلقيح في سن جدّ مبكرة أو الانتظار حتى يبلغ الطفل الثانية أو الثالثة من عمره. على كل حال ننصح بالتلقيح لدى دخول الطفل في الحضانة.
    إن الـ B.C.G. أو عصية "كالميت وجيران" هي عُصية سليّة بقرية وليست إنسانية، تعالج فتصبح غير سامّة، أي غير ضارّة، لا تستطيع أن تحرّض السلّ لكنها قادرة على تحريض الدفاع ضد العُصيّة الإنسانية (عُصية كوخ Koch). وهي تستعمل بعد التحقق من أن الارتكاس الجلدي السلي هو سالب. بعدئذ يعزل الطفل فلا يكون له أي تماس مع أي مصاب بالسلّ. ونراقب النتيجة في تغيّر الارتكاس الجلدي الذي يصبح إلى حد ما إيجابياً بعد شهرين تقريباً. أما التطبيق فيكون بالتشطيب


أو بالوخز بواسطة حلقة توضع على الساعد أو الكتف، مما يجنبنا استعمال الحقنة (بين الطبقات الجلدية، بين طبقات البشرة) وردود الفعل، وهي ليست على كل حال ذات شأن. أما إستعمال لقاح B.C.G. بواسطة الفم فهو قليل. وتجري التأكد كل سنة بارتكاس جلدي (أو بما يسمى الطابع) من أن اللقاح ما زال فعّالا، أي التأكد من أن ردَ الفعل هو إيجابي. أما إذا تبين أنه سلبي بعد السنين (من 3 ـ 8) فيجب أن نعاود اللقاح. وننصح بألا نلقح الطفل حين إستعمال الـ B.C.G، بلقاح آخر قبل مضي ثلاثة شهور على الأقل.
   

اللقاح ضدّ الجدري
    يجب أن نطبقه بين الشهرين الثالث والرابع. فإذا لم يؤثر، أعدناه بعد الشهر السادس. ونفضل التطعيم قبل أن يتم الطفل السنة الأولى أو الثانية. لأن الارتكاسات تكون أقوى بعد هذا العمر. ونختار لأسباب جمالية باطن القدم مكاناً للتلقيح، أو ظاهر فخذ البنت، والذراع عند الصبي. ويجب أن نعزل اللقاح عن الوسخ بضماد من الشاش المعقّم نثبته برباط ونغيّره كل يومين. ويجب ألاّ نضع فوقه أي دواء أو ضماد رطب أو كمادات ساخنة.
    الارتكاس يظهر بين اليومين الرابع والسادس:

إحمرار وانتفاخ في مكان التلقيح ويرق الجلد ويبيّض ثم يتحول إلى قشرة مسودّة. ومن الطبيعي أن ترتفع الحرارة في اليوم الخامس أو السادس وقد تصل إلى 39 درجة أو أكثر خلال يومين أو ثلاثة. ونعطيه في هذه الحال الاسبرين ونزيد له كمية الماء التي يتناولها.
    اللقاحات الأخرى، واللقاحات المشتركة.
    1 ـ غرض اللقاحات الأخرى الحماية من الخناق الغشائي (الدفتيريا) والكزاز (التيتانوس) والسعال الديكي وشلل الأطفال. وتجمع عادة معاً في نتاج واحد كي نجنب الطفل تعدّد الحقنات. فبدلا من تسع حقنات حين نلقحه

بكل منها على حدة، نكتفي بثلاث حين نجمعها. ونستعمل هذه اللقاحات المشتركة بعد الشهر السادس إلى الثامن، ونفصل بين كل حقنة وحقنة (المجموع ثلاث كما قلنا) بثلاثة حتى الخمسة أسابيع. مثلا: الأولى في الشهر السادس والثانية في السابع والثالثة في الثامن ونعاود التلقيح بعد السنة الأولى وبعد السادسة بمجموع اللقاحات. أما اللقاح ضد الشلل فلا يقتضي الآن.
    2 ـ إن اللقاح T.A.B ضد التيفوييد والباراتيفوييد لا نستعمله إلاّ بعد سنتين من العمر، وفي البلاد التي يكثر فيها هذا المرض. وهو يطبق بأربع حقنات تفصل بينها


مدة تتراوح بين 8 ـ 15 يوماً. ومن الممكن أن يجمع مع لقاح ضد الخناق الغشائي أو يعطي وحده. يعاود بعد سنة أو خمس سنوات.
    3 ـ اللقاح ضد الحصبة: حقنة واحدة تحت الجلد ودون عودة. يعطي مناعة دائمة وسريعة خلال سبعة إلى ثمانية أيام.
    وهو كذلك يحمي الطفل من الحصبة إذا استعمل بعد خمسة أيام من العدوى.
    ارتكاساته: ترتفع حرارة الطفل، أحياناً، بين اليوم السابع والثاني عشر إلى 2/1 38 درجة أو إلى 39 درجة خلال يومين (نكافحها بالأسبرين)، ويظهر إندفاع خفيف، شبيه بالحصبة، غير معد، أو يصاب الطفل بالتهاب خفيف في الأنف والبلعوم

وبعض الإضطرابات الهضمية العابرة. نستطيع التلقيح العابرة. نستطيع التلقيح بهذا اللقاح بعد الشهر التاسع، وهو مفيد جداً عند الأطفال المصابين بضعف التنفس، وهو ضروري إذا دخل الطفل إلى الروضة أو الحضانة.
    4 ـ اللقاح ضد شلل الأطفال (شراباً): نستعمله إذا كنا نفضل تطبيق كل من اللقاح ضد الشلل وضد الخناق الغشائي والسعال الديكي على حدة. وكميته ثلاث حبابات (أمبولات Ampoules) بين كل واحدة والتي تليها ستة أسابيع. العودة إلى اللقاح بعد السنة أو الست سنين.
    عودة إضافية بعد ثلاث سنين من الحقن الثلاث الأصلية.
   

5 ـ إذا كان في البيت أطفالا في عمر المدرسة، فضلنا إستعمال اللقاح ضد السعال الديكي "الشهقة" من عمر الثلاثة شهور كي نحمي الطفل سريعاً من هذا المرض الطويل الذي يزداد خطره، كلما كان الطفل أصغر عمراً. عندئذ نعطي حقن اللقاح ضد السعال الديكي في الشهر الثالث والرابع والخامس واللقاح ضد الجدري في السادس واللقاح المشترك ضد الدفتريا وشلل الأطفال في السابع والثامن والتاسع. خطأ هذه الطريقة أننا نعطي حقنة شهرية من الشهر الثالث حتى التاسع.
    قد لا يمنع اللقاح ضد السعال الديكي هذا المرض إلاّ أنه يخفف من شدّته، وإنهاكه. وإصابة الملقحين

ليست أبداً خطرة.
    الارتكاسات: أصبحت اليوم أقل شدّة مما كانت عليه في السابق، بفضل التقدم الذي أحرزه العلم في هذا المضمار، وتتضاءل قوتها كلما كان الطفل أصغر. كما اننا حين نطبقها في العمر المطلوب (بين الشهر السادس والعاشر)، فإنها لا تدع أية ذكرى عند الطفل، بعكس الذي بلغ سنتين أو ثلاث سنين. والارتكاسات لا تتعدى إرتفاع حرارة معتدل (38 ـ إلى 2/1 38) وألم موضعي في الأربع والعشرين الساعة التالية. ولا تقلقي ـ يا سيدتي ـ إذا ترك اللقاح ضد السعال الديكي في موضع الحقنة عقدة صغيرة بحجم الحمّصة فهي تختفي خلال أيام ونادراً ما يطول بها الأمر إلى


أسبوعين أو ثلاثة.
    إحتياطات بعد التلقيح
    ـ أطعميه طعاماً خفيفاً يوم التلقيح، ولا تجبريه على زيادة في الأكل يوم غد لأن الشهية تنقص.
    ـ خذي دائماً حرارته، وأخبري الطبيب عن كل عرض غير طبيعي، ويجب ألا نلقح الطفل حين تظهر عليه بوادر مرض ما. بوسعنا أن ننتظر عدة أيام.
   

ـ وعلى الطبيب أن يقوم بالفحوص الأولية الضرورية: فحص البول، الارتكاس الجلدي، الخ... نعطي عادة بعد التلقيح دواء من نوع الفينيرجان أسبرين Aspirine ـ Phenergan، أو اليرجا أسبرين Aspirine ـ Allerga إحتياطاً من الارتكاسات التي تحصل في أربع وعشرين ساعة (ألم الكتف، أو حمّى عامة...).

مثلا 4/1 حبة مساء يوم التلقيح; و4/1 حبة في الليلة التالية أو في صباح الغد إذا توجّع الطفل; أو تحاميل الجوتر وبيل ب ب Algotropyl bb.
    هل نلقح الأطفال الحساسين؟
    نستطيع، خلافاً للعادة التي كانت متبعة، ودون خطر أن نلقح هؤلاء الأطفال. فهم ليسوا حساسين

ضد كلّ شيء. عدد كبير منهم هو حساس ضد بعض المواد (بعض المآكل، أو غبار الطلع، أو الغبار، الخ...) التي لا علاقة بينها وبين اللقاح. فلماذا نصنفهم وكأنهم من المنبوذين؟ ونحن نرى أنه أكثر خطراً أن نعطيهم مصلا ضد الكزاز مثلا، وهو مادة مثيرة للحساسية بخاصة إذا إضطررنا لإعطائه كلما


ضد كلّ شيء. عدد كبير منهم هو حساس ضد بعض المواد (بعض المآكل، أو غبار الطلع، أو الغبار، الخ...) التي لا علاقة بينها وبين اللقاح. فلماذا نصنفهم وكأنهم من المنبوذين؟ ونحن نرى أنه أكثر خطراً أن نعطيهم مصلا ضد الكزاز مثلا، وهو مادة مثيرة للحساسية بخاصة إذا إضطررنا لإعطائه كلما جرح الطفل

جرحاً كبيراً، بدلا من التلقيح الصحيح، الذي يثير بعض الارتكاسات الخفيفة; مع أننا بوسعنا أن نتخذ إحتياطات خاصة ما عدا الاحتياطات العامة العادية.
    أما عن اللقاح ضد السل فليست هنالك أية مشكلة لأن الحساسين يحتملونه مثل سواهم.
    فيما يخص اللقاح ضد الجدري نحذر من أمر واحد هو الإكزيما. عندما تكون

موجودة لا يجوز التلقيح أبداً. لكن عندما يشفى الطفل تماماً نلقح بالشطب أو إستعمال الحلقة.
    وعن لقاحات الخناق الغشائي والسعال الديكي وشلل الأطفال، أوجد الأطباء المختصون بالحساسية طرقاً تمكنهم من التلقيح بهذه اللقاحات بنسية 98% من مرضاهم الصغار. ونعمد للوصول إلى ذلك بزرع كمية صغيرة جداً من اللقاح

المخفف كي ندرس الاحتمال وقابلية التأثر عند الحسّاس; ثم نزيد الكميات بالتدريج، مع مراقبة دقيقة بالارتكاسات، حتى نتوصل للحقن العادية.
    اللقاح ضد التيفوئيد، هو الوحيد الذي لا ننصح به أبداً عند الحساسين، فارتكاساته معروفة عند كل من يأخذه.
   




  على طاولة الحوار
إحتجاج الإمام السبط
أبي محمّد الحسن (عليه السلام) سنة 41



    أخرج الحافظ الكبير أبو العباس ابن عقدة، أنّ الحسن بن عليٍّ عليهما السلام لما اجمع على صلح معاوية قام خطيباً وحمد الله واثنى عليه وذكر جده المصطفى بالرسالة والنبوَّة، ثمّ قال: إنا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام واختارنا واصطفانا وأذهب عنَّا الرجس وطهَّرنا تطهيراً، لم تفترق الناس فرقتين إلاّ جعلنا الله

في خيرهما من آدم إلى جدّي محمَّد. فلمّا بعث الله محمَّداً للنبوَّة واختاره للرسالة وأنزل عليه كتابه ثمّ أمره بالدعاء إلى الله عزَّ وجلَّ فكان أبي أوَّل من استجاب لله ولرسوله، وأوَّل مَن آمن وصدَّق الله ورسوله(صلى الله عليه وآله) وقد قال الله في كتابه المنزل على نبيِّه المرسل: أفمن كان على بيّنة من ربّه وَيتلوهُ شاهدٌ منه.

فجدّي الذي على بيِّنة من ربِّه وأبي الذي يتلوه وهو شاهدٌ منه "إلى أن قال": وقد سمعت هذه الامَّة جدّي(صلى الله عليه وآله) يقول: ما ولَّت امّة أمرها رجلا وفيهم مَن هو أعلم منه إلاّ لم يزل يذهب أمرهم سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوه. وسمعوه يقول لأبي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنَّه لا نبيَّ بعدي.

وقد رأوه وسمعوه حين أخذ بيد أبي بغدير خمّ وقال لهم: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه اللهمّ وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، ثمَّ أمرهم أن يبلّغ الشاهد الغائب. وذكر شطراً من هذه الخطبة القندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة ص482) وفيه الحجاج بحديث الغدير.
   




   ترويح القرّاء
أسئلة وأجوبة وأحاديث عن القلب


  • ما هو خير القلوب؟
        قال: عن الامام علي (عليه السلام): اعلموا ان الله سبحانه لم يمدح من القلوب الاّ اوعاها للحكمة. ومن الناس الاّ اسرعهم الى الحق اجابة.
        وقال (عليه السلام) ان هذه القلوب أوعية وخيرها اوعاها...
  • وهل للقلوب إعراب وحركات؟
        قال: عن الإمام الصادق (عليه السلام) إعراب القلوب على أربعة أنواع: رفع وفتح وخفض ووقف ـ فرفع القلب في ذكر الله، و وفتح القلب في الرضا عن الله
  • وخفض القلب في الاشتغال بغير الله، ووقف القلب من الغفلة عن الله وخفض القلب في الاشتغال بغير الله، ووقف القلب في الغفلة عن الله.

  • كيف تكون القلوب آنيه لحب الله تعالى؟
        قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إن لله آنية في الارض فأحبّها الى الله ما صفا منها ورقّ وصلُب وهي القلوب فإما مارق. فالرقة على الاخوان وإما ما صلب منها. فقول الرجل في الحق لا يخاف في الله لومة لائم. وأما ما صفا ما صفت من الذنوب.
  • أين ينظر الله في الناس؟
        قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إن الله تبارك وتعالى لا ينظر الى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
        وقال الإمام علي (عليه السلام) قلوب العباد الطاهرة مواضع ينظر الله سبحانه فمن طهر قلبه نظر الله إليه...
  • ما هو القلب السليم؟
        قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): عندما سئل عن ذلك: دين بلا شك، وهوى وعمل بلا سمعة ورياء.
  • كيف تسلم قلوبنا...
        قال الامام علي (عليه
  • السلام) لا يسلم لك قلبك حتى تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك.

  • متى يريد الله بعبده خيراً؟
        قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ما من عبد إلاّ وفي وجهه عينان يبصر بهما أمر الدنيا وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الاخرة فإذا اراد بعبد خيراً فتح عينيه اللتين في قلبه فابصر بهما ما وعده بالغيب فآمن بالغيب على الغيب.
  • وإذا أراد الله به خيراً ماذا يفعل به؟
        قال الامام علي (عليه السلام): إذا أراد الله بعبد خيراً رزقه قلباً سليماً وخلقاً قويماً.
       



  •   ترويح القرّاء
    أبيات في فضل أهل البيت (عليهم السلام)



    أقسم بالله وآلائهوالمرء عما قال مسؤول
    إن علي بن ابيطالبعلى التقي والبر مجبول
    ذاك الذي سلم في ليلةعليه ميكال وجبريل
    ميكال في الف وجبريلفي الف ويتلوهم اسرافيل
    ليلة بدر مداد انزلواكأنهم طير ابابيل

        إليك يا بنت موسى بن جعفر (عليه السلام)
    لهن نفسي لبنت موسى سقاهاالدهر كأساً فزاد منه بلاها
    أقبلت تقطع الطريق اشتياقاًلأخيها الرضا حامي حماها
    ثم لما بها الضعينة وافتارض قم ذالك كان مناها
    قام موسى لها بحسن صنيعإذ ولاء الرضا أخيها ولاها