في رحاب القرآن
تكملة البحث


وعلى أساس هذا الغرض تكرر ورود عدد من قصص الأنبياء في سورة واحدة، ومعروضة بطريقة خاصة; لتؤكد هذا الارتباط الوثيق بينهم في الوحي والدعوة التي تأتي عن طريق هذا الوحي. ولنضرب لذلك مثلا ما جاء في سورة الأنبياء:
    {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين * الّذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون * وهذا ذكرٌ مبارك أنزلناه افانتم له

منكرون}.
    {ولقد آتينا إبراهيم رشدَهُ من قبلُ وكُنّا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومِهِ ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} إلى قوله:
    {وأرادوا به كيداً فجعلناهم الاخسرين * ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين * ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمّةً يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقامة

الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين}.
    {ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين * وادخلناهُ في رحمتنا إنّه من الصّالحين}.
    {ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهلهُ من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الّذين كذبوا باياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين}.
    {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ

نفشت فيه غنمُ القوم وكُنّا لحكمهم شاهدين * ففهّمناها سليمان وكّلا آتينا حكماً وَعلماً وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكُنا فاعلين * وعلمناهُ صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون}.
    {ولسليمان الرّيح عاصفةً تجرى بأمره إلى الأرض الّتي باركنا فيها وكُنّا بكلّ شيء عالمين * وَمِنْ الشّياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنّا لهم حافظين}.
   




{وأيّوب إذْ نادى ربّهُ أنّي مسّني الضّرّ وَأنْتَ أرحمُ الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضُرٍّ و آتيناهُ أهلهُ ومثلهُم معهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدين}.
    {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كُلٌّ من الصّابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين}.
    {وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناهُ من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}.
   

{وزكريا إذ نادى ربّه رب لا تدرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجهُ إنّهم كانُوا يُسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين}.
    {والّتي احصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آيةً للعالمين}.
    {إنّ هذه اُمّتُكُم اُمةً واحدةً وانا ربكم فاعبدوني}(1).
    ويبدو أنّ القرآن الكريم يريد أن يشير إلى الغرض من هذا الاستعراض لقصص الأنبياء بالآية

الخاتمة المعبِّرة عن هذه الوحدة العميقة الجذور في القدم للاُمّة المؤمنة بالإله الواحد... وتأتي بقية الأغراض الاُخرى في ثنايا هذا الاستعراض أيضاً، ولا يبعد أن يكون من أهم هذه الأغراض في هذا الاستعراض هو بيان الاشتراك بين الأنبياء في النعم الإلهيّة، كما هو واضح من السياق والمضمون.
    ومثال آخر يوضح وحدة العقيدة الاساسية التي استهدفها الأنبياء في تأريخهم الطويل وفي نضالهم المتواصل، هذه العقيدة التي تدعو إلى

الإيمان بالله سبحانه إلها واحداً لا شريك له في ملكه، وذلك ما جاء في سورة الاعراف:
    {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره...}.
    {وإلى عاد اخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره...}.
    {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره...}(2).
    فإنّ الإبتداء بقِصّة كلّ نبي بهذه الطريقة يؤكد وحدة العقيدة والدين لجميع هؤلاء الأنبياء.
   




فالإله واحد، والعقيدة واحدة، والأنبياء اُمّة واحدة، والدين واحد، وكلّه لواحد، هو الله سبحانه، وإن كان هناك أغراض اُخرى قد تترتب على هذا الاستعراض كما سوف نلاحظ.
    ج ـ بيان أنّ وسائل الأنبياء وأساليبهم في الدعوة واحدة، وطريقة مجابهة قومهم لهم واستقبالهم متشابهة، وأنّ العوامل والاسباب والظواهر التي تواجهها الدعوة واحدة وقد أكّد القرآن الكريم في عدة

مواضع هذه الحقيقة، وأشار إلى اشتراك الأنبياء في قضايا كثيرة، من ذلك قوله تعالى: {وكأيّن من نبي قاتل معه ربيّون كثيرٌ فما وهنُوا لما أصابهم في سبيل الله...}(3).
    وقوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكلّ نبيٍّ عدُوّاً شياطين الأنسِ والجنّ يُوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربّك ما فعلوُه فذرهم وما يفترون}(4).
    وكذلك قوله تعالى: {وكم أرسلنا من نبيٍّ في

الأوّلينَ * وما يأتيهم من نبيٍّ إلاَّ كانُوا بهِ يستهزئون}(5).
    ويتحدّث القرآن الكريم ـ أحياناً ـ عن الرسل حديثاً عاماً; ليؤكد هذه الوحدة بينهم في الوسائل والأساليب... كما جاء في سورة إبراهيم {جاءتهم هذه رُسُلُهُم بالبيّنات فردّوا أيديهم في أفواههم...}(6).
    والسبب وراء تأكيد القرآن لهذه الحقيقة هو: بيان صحة هذه المواقف الرسالية وأساليبها من ناحية، ونتائجها وآثارها

من ناحية اُخرى، والتثبيت عليها من ناحية ثالثة.
   
تتمّة البحث في العدد القادم




    1 ـ الأنبياء 21: 48 ـ 53 و70 ـ 92.
    2 ـ الأعراف 7: 59 و65 و85.
    3 ـ آل عمران 3:146.
    4 ـ الأنعام 6:112.
    5 ـ الزخرف 43:6 ـ 7.
    6 ـ إبراهيم 14:9.



  نساء في ذاكرة التاريخ
زينب الكبرى


    بنت امير المؤمنين وسيّد الموحدين الامام علي بن أبي طالب سلام الله عليه، امها سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين. الطهر الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها. بنت فخر الاُمّة وسيّدها ونبيّها محمّد (صلى الله عليه وآله) .
    وهي الصديقة الكبرى عقيلة بنى هاشم، العالمه غير المعَلّمه والفَهمه غير المفهّمه عاقله لبيبة جزله كانت في فصاحتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى وامها الزهراء سلام الله عليها.
    اتصفت سلام الله عليها بمحاسنها الكثيرة، وأوصافها الجليلة وخصالها الحميدة، وشيمها السعيدة، ومفاخرها البارزة، وفضائلها الطاهرة.
   

ولدت سلام الله عليها قبل وفاة جدّها (صلى الله عليه وآله) بخمس سنين وتزوّجت من ابن عمّها عبد الله بن جعفر، فولدت له محمّداً وعليّاً وعباساً وام كلثوم وعون.
    حدّثت عن اُمّها فاطمة الزهراء سلام الله عليها وأسماء بنت عميس.
    وروى عنها محمّد بن عمرو، وعطاء بن السائب وفاطمة بنت الحسين (عليها السلام) وجابر بن عبد الله الأنصارى وعبّاد العامري.
    عرفت سلام الله عليها بكثرة العبادة والتهجّد، شأنها في ذلك شأن أبيها وأمّها وجدّها وشأن أهل البيت جميعاً (عليهم السلام). ينقل عن الامام زين العابدين (عليه السلام) قوله: "ما رأيت عمّتى تصلّي الليل عن جلوس

إلاّليلة الحادي عشر". أي أنّها سلام الله عليها ما تركت تهجّدها وعبادتها المستحبة حتى في تلك الليلة الحزينة التي فقدت فيها كل عزيز ولاقَت مالاقت في ذلك اليوم من مصائب، حتى أنّ الحسين (عليه السلام) عندما ودّع عياله وداعه الأخير يوم عاشوراء قال لها: "يا اُختاه لا تنسينى في نافلة الليل".
    وذكر بعض اهل السير أنّ العقيلة زينب سلام الله عليها كان لها مجلس خاص لتفسير القرآن الكريم تحضره النساء(1) وليس هذا بمستكثر عليها، فقد نزل القرآن في بيتها، وأهل البيت أدرى بالذى فيه، وخليق بامرأة عاشت في ظلال أصحاب الكساء، وتأدّبت بآدابهم، وتعلّمت من علومهم،




أن تكون لها هذه المنزلة السامية.
    ونحن اذا تأملنا لكلمة الإمام زين العابدين (عليه السلام) لها: "أنتِ بحمدِ الله عالِمة غير معلّمه وفَهمة غير مفهّمة" أدركنا سمّو منزلتها العلميّة.
    وإن لم تكن سلام الله عليها فى عداد المعصومين لكنّها فى درجة قريبة من العصمة، لأنّ من كان جدّها النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأبوها علي بن أبي طالب سلام الله عليه وامّها فاطمة الزهراء (عليها السلام) واخواها الحسن والحسين(عليهما السلام)فلا شكّ أنّ تغرّ العلم غرّاً وما صدر منها في مأساة الطف أكبر شاهد على علوّ منزلتها وسمّوها وقربها من العصمة.
   

مصائبها
    تسمّى العقيلة زينب سلام الله عليها ام المصائب وحقّ لها أن تُسمى بذلك فقد شاهدت مصيبة جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ومحنة أمّها فاطمة الزهراء سلام الله عليها ثم وفاتها، وشاهدت مقتل أبيها الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه. ثم شاهدت محنة أخيها الحسن سلام الله عليه ثم قتله بالسم.
    وشاهدت أيضاً المصيبة العظمى، وهي قتل أخيها الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وقتل ولديها عون ومحمّد مع خالهما امام عينها وحملت أسيره من كربلاء إلى الكوفه وأدخلت على ابن زياد فى مجلس الرجال، وقابلها

بما اقتضاه لؤم عنصره وخسّة أصله من الكلام الخشن الموجع، واظهار الشماتة الممضّة.
    وحُملت اسيرة من الكوفة إلى ابن آكلة الأكباد بالشام ورأس أخيها ورؤوس ولديها وأهل بيتها أمامها على رؤوس الرماح طول الطريق حتى دخلوا دمشق على هذه الحالة، واُدخلوا على يزيد في مجلس الرجال وهم مقيّدون بالحبال.
    قال المفيد: فرأى هيئة قبيحة وأظهر السخط على ابن زياد ثمّ أفرد لهنّ ولعلي بن الحسين داراً وأمر بسكوتهم، وقال لزين العابدين: كاتبنى من المدينة في كلّ حاجة تكون لك ولمّا عادوا أرسل معهم النعمان بن




بشير، وأمر أن يرفق بهم في الطريق، ولمّا غزا جيشه المدينة أوصى مسرف بن عقبة بعلي بن الحسين (عليه السلام) وذلك لما رأى من نقمة الناس عليه، فأراد أن يتلافى ما فرط منه. وهيهات كما قال الشريف الرضي:
   

وودّ أن يَتلافى ما جَنت يَده
***
وكان ذلك كسراً غير مجبور

    وكان لزينب سلام الله عليها في واقعة الطف المكان البارز في جميع الحالات، وفي المواطن كلّها.
   

فهي التي كانت تمرّض العليل، وتراقب أحوال أخيها الحسين (عليه السلام) ، وتخاطبه وتسأله عند كلّ حادث.
    وهي التي كانت تدبّر أمر العيال والأطفال، وتقوم في ذلك مقام الرجال، وهي التي دافعت عن زين العابدين (عليه السلام) لمّا أراد ابن زياد قتله وخاطبته بما ألقمته حجراً حتى لجأ إلى ما لا يلجأ إليه ذو نفس كريمة.
    وبها لاذت فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) واخذت بثيابها لمّا قال الشامي ليزيد: هب لى هذه الجارية.

فخاطبت يزيد بما فضحه، حتى لجأ إلى ما لجأ اليه ابن زياد.
    والذي يلفت النظر أنّها في ذلك الوقت كانت متزوّجه بعبد الله بن جعفر، فاختارت صحبة أخيها على البقاء عند زوجها، و زوجها راض بذلك مبتهج به، وقد أمر ولديه بلزوم خالهما والجهاد بين يديه ففعلا حتى قتلا. وحقّ لها ذلك، فمن كان لها اخ مثل الامام الحسين (عليه السلام) وهي بهذا الكمال الفائق، لا يستغرب منها تقديم أخيها على بعلها(2).
   

تتمة البحث في العدد القادم



    1 ـ سفينة البحار 1:558.
    2 ـ اعيان الشيعة 7:137.
   



  من عالم المرأة
ناكر الجميل


    سيدتي،
    احببته منذ ان كنت صغيرة ولكنه احب اخرى وتفانى في حبها. كان يحتل مركزاً كبيراً في جهاز الدولة ويعيش حياة رغدة راقية تحيطه كل مظاهر الثراء المادي.
    اعترفت له بحبي فنهرني واتهمني بانني اطمع في ماله ومركزه. ومرت الايام. وارتكب مخالفة فقد على اثرها الوظيفة والمكانة الاجتماعية والسمعة الطيبة. وقفت الى جواره في محنته حتى استرد توازنه وعوض جزءاً مما فات. ثم ابتعدت عنه حتى لا يعتقد بأنني فعلت ما فعلت لكي استغل ضعفه أو افرض نفسي عليه. ثم جاء اليوم الذي طلب مني فيه الزواج. وافقت على الفور وعشت اياماً على الوهم. كنت اعتقد انه احبني. ولكن بالعشرة ظهرت لي الحقيقة.
   

احياناً يستغرب كيف دار الزمن حتى وجد نفسه في موقف يسمح له بالزواج مني. ولولا الازمة التي مر بها لما فكر في ابدا.
    لا يمر اسبوع دون ان يذكر امامي حبيبته الأولى وجمالها واخلاقها وذكاءها. لقد رجوته الاّ يجرحني وثرت مراراً في وجهه دون جدوى. اصبحت كالمجنونة.
    لست ضعيفة الشخصية بل انا مثقفة وواعية واشغل وظيفة محترمة وافعل المستحيل لاسعاد زوجي وهو يعترف بذلك. ولكن لا اعرف لماذا تزوجني. هل تزوجني اعترافاً بالجميل، ام لتعذيبي؟ لقد عرفت انه تقدم لعدة فتيات مثلي ولكنه قوبل بالرفض بسبب ما حدث له في الماضي. اما الحبيبة الأولى فقد تزوجت بغيره.
    انا حائرة ومعذبة

وافكر في طلب الطلاق لكي استريح؟
    الجواب:
    عزيزتي،
    يؤسفني انك عندما اخترت لم تحسني الاختيار. والعاطفة القوية التي لا تقوم على اسس صحيحة ومتبادلة تعتبر في حكم الظاهرة الغريبة التي ترتبط بجذور نفسية بعيدة الغور. فالانسان يحب انساناً آخر بسبب المعاملة الطيبة والحنان والاعجاب ولكن في علاقتك مع هذا الرجل كان العطاء والحنان والمحبة من جانب واحد هو جانبك أنت.
    إذا كان ما ورد في رسالتك صحيحاً فان زوجك يحاول السيطرة عليك من خلال التحطيم المعنوي، فهو يحاول اشعارك بأنك أقل في نظره من الحبيبة الاولى حتى لا تبالغي نفسياً في تقدير ما قدمته له من

تضحيات ويحاول ان يشعرك بأنه صاحب فضل لانه تزوجك حتى يشعر بنفسه بأنه اكمل منك اجتماعياً. وفي كل هذا مغالطة وقسوة.
    من حقك على زوجك الا يهينك والاّ يقبحك ولك ان تطالبية بذلك وان ترفضي رفضاً باتاً ان يذكر اسم امرأة غيرك ما دمت زوجته. ذكريه بأن جزاء الحب لا بدّ ان يكون حباً، وان جزاء الاحسان بالاحسان. وان لم يكن يحبك كما ينبغي فليس له ان يظلمك. إذا شعر مرة واحدة بأن محاولاته للنيل منك نفسياً قد احبطت فانه سوف يقلع عنها على ان تبدئي معه صفحة جديدة قائمة على المشاركة والمعاملة الكريمة من الطرفين.
   




  الشباب
الشباب واوقات الفراغ


    إن مرحلة الشباب في حياة الإنسان أوفرها طاقة وقدرة، وأعظمها حيوية ونشاطاً، وأكثرها تأثراً وانفعالا، وأفضلها عطاء وإنتاجاً. وهي مرحلة يكتمل فيها للشاب نمو جسمه، ونضج عقله، ويتقبل فيها كل توجيه وإرشاد.
    ولهذا اهتم الإسلام برعاية الشباب، وعمل على إعدادهم إعداداً صالحاً، وتحصينهم من خطر الانحراف واللهو المحرم. وقد أثنى النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) على الشباب الذين استكملوا بناء شخصيتهم الإيمانية وحفظوا أنفسهم من اتباع الهوى والشيطان. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
    "سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلاّ ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله

في خلاء ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه".
    وتقديراً لدور الشباب في المجتمع، ورغبة في تحصينه من الزيغ والزلل استحق الشباب رعاية الأولياء والمربين، واهتمام الدعاة والمفكرين، فقدموا الدراسات والبحوث، وعقدوا الندوات واللقاءات، ووضعوا الخطط والمناهج بهدف الإعداد الصالح للشباب المسلم، وترشيد سلوكهم، وتنمية قدرتهم ومواهبهم.
    ووقت الفراغ في حياة الشاب ـ وخاصة الإجازة الصيفية ـ يعتبر

فرصة مناسبة لبناء شخصيته على أساس من العقيدة الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، والاتجاه السليم وهي أيضاً فرصة طيبة لتنمية مواهبه، واستثمار طاقاته، وتجديد نشاطه ضمن برامج هادفة، ووسائل متنوعة تجمع بين الترويح والاستجمام، والتوجيه والإرشاد.
    وينبغي أن ندرك تماماً أنّ الهدف من وقت الإجازة طال أو قصر هو الاستراحة من عناء العمل الجسمي والفكري، والتوجه نحو أنشطة ممتعة للنفس، منشطة للجسم، منمية للفكر، ولا يمكن أن تتحقق مثل هذه الأهداف السامية بأنشطة تستهويها الأهواء الطائشة، والنفس الأمارة بالسوء تقليداً أعمى وانحرافاً مع الشباب التائه في إضاعة وقت الفراغ

بألعاب ضارة، وملهيات هدّامة تثير الإنفعال النفسي، والخلل العقلي، وتؤدي إلى الانهيار العصبي، وتوقع العداوة والبغضاء بين الأصدقاء، وتشغلهم عن واجباتهم الرئيسية، وذلك كاللعب بالنرد وتناول المخدّرات وشرب الخمور والمفهدئات، وكشف العورات واقتراف المنكرات، والتحلل من القيم والآداب.
    وقد حذرنا ديننا الحنيف من استعمال هذه الوسائل الخطيرة، وأوضح لنا ضررها وآثارها السيئة، في قول الله سبحانه وتعالى:
    {إنّما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العدوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدَّكُم عن ذكر الله وعن الصّلوة فهل أنتُم مُّنتهون}(1).
   




كما شرع لنا ديننا الشامل والكامل ـ والحمد لله ـ من الوسائل المفيدة والأنشطة الهادفة لاستثمار وقت الفراغ ما يحقق الترويح البرىء، ويدعم الرجولة والقوة، ويصحح السلوك والأخلاق، وينمي المدارك والمواهب.
    وقد سار السلف. الصالح على منهاجه المتكامل، واتبعهم شباب أمتنا الإسلامية بإحسان في كلّ عصر ومصر، فكانوا المثل الأعلى في التقوى والصلاح والشجاعة والآداب.
    وسنفصل في بحثنا هذا ـ بعون الله تعالى ـ الوسائل النافعة التي وضعها الإسلام بين يدي أولياء الأمور والمؤسسات التعليمية والتربوية لاستثمار أوقات الفراغ بما يحقق المتعة الطيبة، وراحة النفس، ونشاط الجسم،

ويدعم روح المحبة والإخاء والتعاون.
    ولابدّ لنا أن نستعرض أخطار الإشغال الحر لوقت الفراغ بعيداً عن التخطيط والمتابعة، وبمنأى عن الإشراف التربوي الصالح، وأن نتعرف بالتالي على أهداف استثمار أوقات الفراغ لدى الشباب خلال الاجازة الصيفية، والمردود التربوي والثقافي للإشراف الدقيق، والتوجيه السليم لبرامجه المتنوعة، وبذلك نستكمل الصورة الصحيحة، وتتوضح لنا معالم الطريق الأسلم لاستثمار أوقات الفراغ لدى الشباب خلال إجازة الصيف بما يعزز إيمان شبابنا بقيمه وتراثه، ويهذب سلوكه وأخلاقه، ويحفظه من غواية الشيطان، ومكر الأعداء، وزيف الباطل.
    استثمار اوقات الفراغ
   

ينطلق الإسلام في دعوته إلى استثمار وقت الفراغ باعتباره جزءاً هاماً من حياة المؤمن، وزمناً طويلا من عمره جديراً بالاستفادة منه، وعدم التفريط به، فهو يدعو المسلم إلى استغلال وقت الفراغ بما يعود عليه بالمنفعة الدينية والدنيوية وبما يقدم خدمة له ولمجتمعه، أما إضاعة الوقت سدى، أو إشغاله بما فيه الضرر فإنه خسارة لا يمكن تداركها، لأن الوقت الفائت لن يعود، والندم على ما فرط المرء فيه لن ينفعه شيئاً.
    والإسلام حين يحرم هدر الوقت سدى فإنه يضع الخطوط الرئيسية لاستثمار وقت الفراغ، بما فيه الفائدة والمصلحة، فهو يدعو الشباب إلى اغتنام فرص الحياة في طاعة الله، وتلقى العلم النافع، والجدية في العمل، واكتساب المهارات الفنية

النافعة وتجنيد طاقاته ومواهبه لخدمة أمته ووطنه، ويحظر عليه كل لهو فارغ، أو لعب باطل يهدر الوقت، ويفتك بالدين والخلق.
    فجدير بالشباب أن يعرف أهمية الوقت، ويسعى لاستثمار فراغه بكل ماهو مفيد له ولمجتمعه، سعياً وراء مرضاة الله، وتقرباً إليه، ثم تحقيقاً للمنافع التربوية والمكاسب الشخصية التي يحصل عليها، حتى يلقى الله سبحانه بمزيد من العمل الصالح، فينال به تكريم الله مع عباده الصالحين حين يخاطبهم بقوله جلّ وعلا: {كلوا واشربوا هنيئاً بمآ أسلفتم في الأيام الخالية}(2).
   




وليحذر الشباب المسلم من إضاعة الوقت سدى، أو تحمل الأوزار باقتراف المحرمات، أو الغفلة عن الواجبات، أو التقاعس عن الفضائل والمنافع، حتى لا يندم يوم القيامة على ما فرط في جنب الله، أو يتحسَر على ما فاته تحسُّر المنافقين والكفار الذين أخبر عنهم سبحانه بقوله:
    {أن تقُول نفس يحسرتى على ما فرّطت في جنب الله وإن كنتُ لمن السّخرين * أو تقول لو أنّ الله هدنى لكُنتُ من المُتَّقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرّة فأكون من المحسنين}(3).
   

وقد جاءت وصية الهادي البشير (صلى الله عليه وآله) للمؤمنين جميعاً في وجوب الاستعداد بالعمل الصالح، والزهد في متاع الدنيا:
    "كن في الدنيا كأنّك غريب او عابر سبيل".
    وقت الفراغ نعمة يجب تقديرها:
    لقد اعتبر الإسلام وقت الفراغ لدى المسلم نعمة عظيمة تستحق التقدير والاستثمار، فهو فرصة مناسبة لتجديد النشاط وترويح النفس، وشحذ الهمم; بل هو مظهر تكريم للإنسان، وتقدير لجهوده; فلهذا يحذرنا الإسلام من هدر وقت الفراغ وعدم تقدير

نعمته.
    ففي الحديث الذي رواه ابن عباس رضوان الله عليه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
    فالصحة والفراغ لدى المسلم ـ وهما متوافران لدى الشباب ـ من أعظم النعم التي يكثر هدرها وإضاعتها بأبخس الأثمان، وأتفه الشواغل.
    لهذا جاء الهدي النبوي يدعونا للاستفادة منهما على الوجه الصحيح بالأنشطة المفيدة الممتعة بما يعزز دعم شخصية المؤمن، والتزامه بقيمه وفضائله،

وينمي فيها حب العطاء، وخدمة المجتمع، والنصح لكل مسلم.
    ولا ريب أن حسن استثمار الشاب المسلم لوقت فراغه دليل خوفه من الله تعالى، وشعوره بمراقبته، وسبيل هام لتكوين شخصيته على أسس سليمة من العقيدة والسلوك والعطاء، وهو أسلوب أمثل للوقاية من كلّ انحراف وتحلل.
    أما تقاعس الشاب في فراغه، أو انشغاله بالعبث، أو المحرمات، فأمارة على ضعف الإيمان، ومفتاح لانحراف شخصيته.
   

تتمة البحث في العدد القادم


    1 ـ المائدة 5: 91.
    2 ـ الحاقة 69:24.
    3 ـ الزمر 39:56 ـ 58.
   



  صحة الأسرة
توقف عن التدخين في شهر رمضان

بمناسبة حلول شهر رمضان الكريم، قد يكون من المناسب للمدخن أن ينتهز هذه الفرصة للتوقف عن التدخين، الذي يعتقد البعض أن التوقف عنه يسبب الألم والارهاق وزيادة الوزن والاحباط النفسي رغم أنه إذا نهج المدخن استراتيجية صحيحة فإن سبل النجاح جد كبيرة، علاوة على وجود الأدوية المساعدة على ذلك.
   

    كم مرة وعد مدخن نفسه بالتوقف عن التدخين وفشل؟ لا يكون ذلك لجهله بالمخاطر المترتبة على التدخين من الاصابة بالسرطان إلى أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب. الكل يعرف ذلك فلقد أثبتت الأبحاث أن المدخن يعتبر مدمناً ولا يقل عن مدمن المخدرات أو الكحول. علاوة على أنه ينبغي التذكير بأن مدخن عدة لفافات للمتعة والقائل أن التدخين القليل يساعد على الاستيقاظ أو التركيز، يصبح مدمناً، ذلك لأن عدد السجائر يزداد مع مرور الأيام.
    لمذا يصعب التخلص من التدخين؟ أصبح من

المعروف أن النيكوتين هو المسؤول الأكبر والمتسبب المباشر للأفراط في التدخين والادمان عليه، إذ سرعان ما يدخل الدم ويستقر ويؤثر بسرعة في المتقبلات الحسية الكائنة في الخلايا العصبية ويقوي تنشيط هذه المتقبلات المحيطات الدماغية المختلفة بحيث تتدخل في الوظائف الادراكية والتركيز وتنظيم الأحاسيس والانفعالات أو الشهية والزيادة في الوزن.
    كيف تتخلص من التدخين؟
    لعل أهم نقطة تكمن في رغبة المدخن الحقيقية

للتخلص من هذه العادة، لكن الطرق التقليدية هي:
    ـ تفادي الجلوس مع أناس يدخنون، خاصة في الشهور الاولى من التوقف عن التدخين.
    ممارسة التمارين الرياضية أو اتباع حمية خشية زيادة في الوزن.
    ـ زيارة الطبيب بطريقة منتظمة لاسداء النصح ومراقبة الحالة الصحية واعطاء بعض الأدوية إذا كان ذلك مطلوباً.
    ـ استغلال بعض الظروف للانقطاع النهائي عن التدخين، كالمرض أو وجود رضيع في البيت أو الحمل في حالة المرأة،

أو حتى ارتفاع ثمن السجائر، وطبعاً حلول شهر رمضان المبارك فرصة عظيمة لفعل ذلك.
    ـ لقاح ضد التدخين وذلك لخلق دفاع حصاني لمنع النيكوتين من المرور إلى الدماغ. النيكوتين ذرة بالغة الصغر بحيث لا يعتبر مادة دخيلة، وهذا اللقاح يدخل ذرات أكبر لاستنفار المناعة وبالتالي انتاج مقاومة لصد النيكوتين. ولقد نجحت التجربة داخل المختبرات وستبدأ تجربتها على الإنسان السنة المقبلة.
   



ما بعد التوقف عن التدخين
نحسن بالتأثيرات الايجابية الأولية بعد ساعات من التوقف عن التدخين، كما
تُعكس أضرار التدخين على مراحل لتصل إلى الحالة الصحية لغير المدخنين
ويكون ذلك على امتداد 15 سنة كما يبدو فى الجدول التالي:
   
8 ساعات 24 ساعة 48 ساعة
تعود أكسدة الدم إلى حالتها الطبيعية يتخلص الجسم من أوكسيد أوحادي الكربون ـ يتوقف النيكوتين عن الظهور في الدم
ـ يبدأ خطر أنسداد نسيج القلب العضلي في الهبوط ـ تبدأ الرئة فى طرد المخاط والقطرات  
  يأخذ خطر الالتهابات التنفسية ذات الطابع المؤدي إلى الالتهاب الرئوي والصدري في الهبوط  


أسبوع 3 ـ 9 شهور سنة
ـ تتحسن حالة حاسة الذوق وحاسة الشم ـ يتحسن التنفس ـ ينخفض مخاطر أمراض القلب مثل (الانسداد) الى النصف
  ـ تزداد وظيفة التنفس بمقدار
5 ـ 10 بالمائة
 


5 سنوات 10 سنوات 15 سنة
ـ تنخفض خطر السكتة الدماغية إلى النصف
ـ تنخفض مخاطر الإصابة بالسرطان خاصة سرطان الفم، المرىء، والمثانة الى النصف
ـ ينخفض خطر سرطان الرئة إلى النصف
ـ يصبح خطراً حوادث الاوعية الدماغية فى مستوى خطر غير المدخنين
ـ يصبح مستوى أمراض القلب مثل غير المدخنين
ـ يصبح معدل الوفيات مثل غير المدخنين



  الطفل والتربية
الحاجة الى الحرية


المقدّمة:
    الحرية من اهم مستلزمات الحياة والتكامل ودافعٌ مهم في التحرك وممارسة الحياة وله الاولوية على بقية الدوافع وسببٌ للقوة في تحديد الاتجاه. ومن حيث الاهمية فانه بمستوى الحاجة الى الدعم والاسناد، والثقة بالنفس، واحترام الشخصية، وحب الجمال، واكتشاف الحق والهدفية. الطفل بحاجة الى الحرية ليصبح قادراً على الحركة، والنمو، وينفض الغبار عن نفسه، ويندفع الى الامام، ويقوّي

عضلاته، ويهيء لنفسه المزيد من موجبات الرُّقي والتقدم. شعور الطفل تجاه الحرية يتمثل بشعور ينمّ عن السرور والفرح. وعلى اثرها يكتشف انه فردٌ كباقي الافراد، ويمكن الاعتماد عليه واحترامه. وبوسعه ان يمتلك مكانة معينة بين من سواه وان يكون لغزاً بين الالغاز، ويرى لنفسه شأناً. وبسبب هذه الأهمية بالذات ينصبّ جانباً من أهداف المربين حول تأمين حرية الطفل وتنميتها ويبذلون ما بوسعهم لغرض ابعاد

الطفل عن جميع العوامل التي تؤدي الى تركيعه واستسلامه امام انواع العبوديات والاغلال. وهذا بحد ذاته يعد خطوة اساسية في هذا المجال.
    ضرورة وجود الحرية للطفل:
    وجود الحرية للطفل امرٌ ضروري ولازم; إذ يجب ان يكون الاطفال احراراً ليتسنى لهم تلمّس الوجود والتعرف على حقيقته. وان ينعموا بحركة معينة لينالوا ويحققوا نموهم الجسمي والبدني، ويمتلكوا جهداً ونشاطاً ملحوظين

ليتمكّنوا من تحقيق السعادة والحيوية لانفسهم.
    الحرية ضرورية للطفل ليصبح قادراً على تخليص نفسه من القيود الخاصة، ولكي يُقدم على ازالة المعضلات والمشاكل التي يواجهها، ويقوم بتأمين احتياجاته بنفسه، ويدافع عن نفسه، وليقف بوجه الذين يريدون أخذ المبادرة من يده، وليوسّع محيط حياته ونموه اكثر فأكثر.
    ومن وجهة النظر الدينية ايضاً ينبغي عليه التحرر من العبوديات




والقيود المختلفة، وان لا يُدفع من قبل الآخرين الى العبودية الفكرية والاستسلام ولا ينبغي توقع الامور الغير مشروعة منه، ولا ينظر المرء لنفسه وكأنّه سيده. ويجب ان يكون قادراً في ظلّ الحرية على مواصلة طريقه بشكل جدّي، ولا يتعرض الى أي مانع يحول دون تطوره واندفاعه، ولا يلحق به الآخرون الاذى و...
    ابعاد الحرية:
    الحرية التي نرمي لها في مسألة التربية، لها أبعاد واسعة جداً بحيث

انها تشمل جميع ابعاد حياة الفرد فهي تشمل حرية الجسم والروح والفكر والعقيدة وغيرها. وبعبارة أُخرى تعني الحرية لجميع ابعاد شخصية الانسان، وليس فقط لبُعد واحد أو كما يطالب به الآخرون خطأً وهي حرية الميول والغزائر...
    1 ـ من حيث الجانب البدني يجب عليه ان يكون حرّاً لكي يقوى على الحركة والنشاط، ولكي لا يرى ان اعضائه مقيّدة ولا يشعر بالتالي بانه ذليل ومضطهد

ومقيّد. ان لفّ الطفل بالقماط يمثل في الحقيقة تقييد الطفل والتمهيد لاضطهاده وتأسيره.
    2 ـ وفي جانب معاشرته لابيه، واُمّه، وأخيه، واُخته وكلّ من يسعون في سبيل خيره وسعادته يجب ان يكون حراً. ويكون قادراً على ان يقول كلمته دون تخوف أو تردد معهم، ويطلب منهم ابداء وجهة نظرهم، ويبين لهم ما جرى ويجري عليه، وينفّس عما يجول بخاطره ويُفرغ ما في جعبته و...
   

3 ـ ويجب ان يكون حراً في الميدان المعيّن له ليكون قادراً على الذهاب والاياب والحركة، ويعدو، ويتحرك، يروح ويغدو، ويلعب في ذلك الميدان، ويستريح. وان لا يستوحش في المحيط المعين له ولا يقلق، ويكون قادراً على ان يكتشف نفسه هناك ويقيم لنفسه محيطاً هادئاً.
    4 ـ ويجب ان يكون حرّاً في الجانب الفكري ويكون قادراً على ان يفكر ويعمل بكل حرية، وان تكون روحه متحررة، ولا يضطر الى




الاعتراف بما يفرضه عليه الآخرون إلاّ عندما يثق بهم. ويجب عليه ان يجيل فكره جيداً بشأن مسألة معينة ويتفحص جوانبها على قدر استطاعته.
    5 ـ ويجب ان يكون حراً في الدفاع عن نفسه، وان يكون قادراً على المحافظة على جسمه وفكره من الاخطار المحدقة به، ويكون قادراً على ان يقول كلمته، ويهدّىء انفعالاته ويسكّنها، ويفصح عن معتقداته دون تردد أو وجل مع أبويه ويطلب منهم ابداء وجهات نظرهم بهذا الشأن.
   

الهدف من الحرية وحدودها:
    عندما نتطرق للحديث عن الحرية فالمراد بذلك عدم وجود المانع امام التقدم والتطور. إلاّ اننا نسعى الى ازالة المانع الذي يؤدي وجوده الى الاضرار بسعادة الطفل وهنائه وإلاّ عندما يُراد الحاق الاذى بسعادة الطفل فاننا سنسعى الى ايجاد هذا المانع.
    ومن هذا المنطق فان الهدف من الحرية يتمثل بتأمين سعادة الطفل وهنائه وخلق الاجواء المناسبة التي تساعد على نمو شخصيته. نريد ان نقوم بما يحول دون اعاقة

عجلة حياته بالسلاسل والاغلال المتعددة ويتمكن بالتالي ان يتحرك في هذا المحيط الرحب ويبذل ما بوسعه ويطوي مراحل طريق تكامله.
    تجدر الاشارة الى ان المراد في هذه الحرية هو تحقيق الحرية الداخلية الذاتية قبل الحرية الظاهرية لكي نضمن سلامة روح الطفل وفكره.
    هذه الحرية يجب ان تكون محدودة، بالحدود التي تحول دون الحاق الاذي والضرر بالنفس والآخرين وان لا تكون مخالفة للشرع; إذ اننا نمنح الحرية للطفل

بالمقدار الذي يعينه على القيام بواجباته ووظائفه وحركته في المسير نحو النضج والنمو دون ان نجعله حراً في اتباع اهوائه النفسية التي تؤدي الى ظهور الهرج والمرج لديه.
    الحرية أم المحدودية المطلقة:
    انّنا لا نقبل بالحرية المطلقة حتى للطفل الصغير; لأن ذلك يحمل للطفل مخاطر واضراراً جمة: ومنها ان تحملّه من قبل العائلة يصبح امراً عسيراً، ويظهر الخلل في سلوكه، ويتصف الاطفال بالهرج والمرج واللامبالات. ويرخون




العنان لحبل الغرائز والشهوات ويصبح الطفل على المدى القريب أسير الشهوات والنزوات.
    ويتحول الاطفال الذين يتمتعون بالحرية المطلقة الى افراد دكتاتوريين تدريجياً، ويمتنعون عن اداء الواجب بأدنى شعور بالارهاق والمعاناة. ويسلب ابويه حقّ التدخّل والاشراف على تربيته، وينفذ كل ما يراه يصب في صالحه وحسب تشخيصه، هو ليس من المعلوم ان كان هذا الامر في صالحه فعلا. وسيجر

هذا الامر تدريجياً الى ان يصبح السبب في امتناعه وتحفظه من التعامل مع حقائق الحياة وامورها الواقعية وان يمدّ قدمه اكثر من بساطه.
    كما ان المحدوديات المفرطة في الحرية مضرة هي الاُخرى بالطفل، إذ انها تتسبب في كبح طموحاته، واستسلامه، واحياناً في لجوء الطفل الى العنف، وتتعرض قدرته على تشخيص الامور، وتفعيل ابداعاته الى بعض المشاكل والمعضلات، وفي حالة استمرار هذا

الوضع، فسوف يُصار الى التمهيد للاصابة بالازمات العصبية.
    ولكن مع هذا نجد ان بعض الآباء يلجأون الى تحديد ابنائهم بشدة عن طريق المحبة واسلوب المودة، لغرض الحفاظ على الطفل وليبقى مصاناً وبعيداً عن أي نوع من المخاطر والاضرار. وتجدر الاشارة الى ان هناك بعض الافراد ممن يرون ان الاساس في هذا الامر يبني على فوضوية الطفل ويتصورون ان الطفل إن لم يكن محدوداً فانه سينحدر نحو الفساد

والشر.
    شروط حرية الطفل:
    اننا نعتقد بان الحرية المطلقة غير مناسبة للطفل وكذا المحدودية المطلقة. والمسألة هي أمرٌ بين أمرين وهي ذات المسألة التي اشار لها الامام الصادق (عليه السلام) والتي يجب ان تسري على كافة اُمور الحياة، ومنها مسألة حرية الفرد. ويجب ان ينعم الطفل بالحد الاوسط من الحرية المطلقة والمحدودية المطلقة.
    ومن هذا المنطق فان الحرية المعطاة للطفل من




قبل أبويه مشروطة ومقيّدة بالشروط التالية:
    1 ـ ان نمنحه الحرية بالمقدار الذي يخلق له الاجواء المناسبة لحركته ونحوه.
    2 ـ كلّ حرية ممنوحة له في مجال الغرائز والشهوات، والميول، يجب ان تكون مشروطة ومقيّدة.
   

3 ـ ان يُصار الى منحه الحرية بالمقدار الذي يفصح عن جدارته باستخدام الحرية.
    4 ـ اشباع وتأمين الطموحات والمتطلبات بواسطة الحرية يجب ان تخضع الى رقابة وسيطرة الابوين.
    5 ـ يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار شروط

السن، والجنس، والادراك، والقابلية لدى الطفل في اعطائه الحرية.
    6 ـ يجب ان تُبنى حرية الطفل بناءً على الملاحظات المتوفرة عنه لكي لا تنجم عنها المخاطر.
    7 ـ وفي مجال تأمين الاحتياجات الفردية يمكن ان يكون الشخيص

العقلائي للطفل حدّاً مناسباً لحريته.
    8 ـ واخيراً يجب ان تتبلور حرية الطفل في ظروف وامكانيات تجعله الاقوى في مواجهة الامور، والاكثر صموداً ومقاومة في اتخاذ المواقف والاكثر توفيقاً في تنفيذ ما صمّم عليه.
   

تتمة البحث في العدد القادم




  على طاولة الحوار
في منفعة وجود الإمام


    استمر الحوار مع ولدي علي حتى وصل الى الإمامة التي هي أكبر رصيد للمؤمن، فقال علي: ما هي الإمامة؟ فقلت الإمامة لطف إلهي، واللطف هو ما يكون المكلف معه أقرب الى فعل الطاعة وأبعد من فعل المعصية، ولم يكن له حظ من التمكين، ولم يبلغ حدّ الإلجاء كما يقول العلامة الحلي في كتاب كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد(1).
    فالإمامة اذن تهتدي العباد الى الرشاد وهي استمداد من خط الرسالة.
   

فقال علي: وما هي الشرائط التي لا بدّ ان تتوفر في الإمام (عليه السلام) ؟ فقلت: إنّ الإمام يجب أن يكون أفضل الأمّة نحكم العقل، كي يتحمّل عبأ الإمامة الثقيل فلا بدّ ان يكون هو الأعلم من غيره، حتى لايكون المعلِّم أقلّ علماً من المعلّم، ولا بدّ ان يكون أزهد وأورع وأنقى، وأشجع حتى لا يترجّح المفضول على الفاضل قال علي أحسنتِ يا اماه. ولكن كيف يتعرّف الانسان على إمامه حتى لا يموت ميتةً جاهلية كما ورد عن

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟
    فقلت: ان الإمامة منصب إلهي بلّغنا به رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لا يترك أمته تخوض في الباطل وتقع في المتاهات، فهو الذي علّم امته كل شيء كيف يتركهم بلا خليفة وامام من بعده، وقد ثبت عنه (صلى الله عليه وآله) في موارد متعدّدة انه عيَّن الخليفة من بعده بالإسم والوصف، وصرَّح به بالقول والفعل.
    اما القول: فهو قوله (صلى الله عليه وآله)

وهذا علي وزيري، وخليفتي على اُمتي، وقاضي ديني، والمبلغ عنّي"(2).
    واما الفعل: فقد ولاّه الرسول (صلى الله عليه وآله) سراياه وجيوشه، ولم يوّل أحداً غيره، بل ولاّه جميع اصحاب جيوشه وسيّرهم تحت رايته(3). وكان اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلمون انه كان أميراً في حياته غير مؤمّر عليه(4).
    فقال علي احسنت يا أماه لقد افضتِ عليَّ علماً مفيداً.
   

تتمة الحوار في العدد القادم

    1 ـ اي مع حفظ مبنى: لا جبر ولا تفويض وانما أمر بين أمرين.
    2 ـ مسند احمد بن حنبل 4:164 و165 سنن ابن ماجه 1:44، الحديث 119 سنت الترمذي 5:636، الحديث 3719، شرح الأخبار للقاضي أبي حنيفة 1:113، الحديث 35 و36 تاريخ دمشق 1:129 الحديث 154 ـ 158، الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1:76 الحديث 115. الكنجي في كفاية الطالب 292، محب الدين الطبري في الرياض النظرة 3:133، الهيتمي في مجمع الزوائد 9:113، الى غير ذلك من المصادر التي ذكرت هذا الحديث الشريف واشباهه.
    3 ـ رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى 3:23 والحاكم في المستدرك 3:111.
    4 ـ المقنع في الإمامة للشيخ السدّ آبادي: 50.
   



ترويح القرّاء
الأُسرة المسلمة


    الأسرة هي الخليّة الأساسيّة التي يتركّب منها جسم المجتمع.. فإذا كانت هذه الخليّة سليمة قويّة، سلم المجتمع وقوي.. ولهذا شرع الله الزواج حفظاً للنّوع الإنساني، وصيانه للناس من الأمراض والآثام، واحتراماً للإنسان بإلحاق الأولاد بآبائهم، ومساعدة كلا الزوجين للآخر، ولهذا قال تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة..}(1).
    والأسرة أساسها الرجل والمرأة والأولاد، فإذا صلح الرجل والمرأة وهما عماد الأسرة استطاعا أن يكوّنا بيتاً نموذجياً على القواعد التي وضعها الإسلام..
    وتمكّنا من تربية الأولاد التربية السّليمة التي حضّ عليها رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) .. ولقد وضع الإسلام قواعد البيت فأحكم وضعها، فأرشد إلى حسن الاختيار، وبيّن أفضل الطرق لارتباط الزّوجين، وحدّد الحقوق والواجبات، وأوجب على الطرفين رعاية ثمرات هذا الزواج حتى يينع وينضج في غير عبث ولا إهمال، وعالج ما يعترض هذه الحياة الزوّجية من المشكلات أدقّ العلاج، واختطّ في كل نظراته طريقاً وسطاً لا إفراط فيه ولا تفريط.. والرسول (صلى الله عليه وآله) يحث المسلم على اختيار الزوجة الصالحة المتديّنة وأن يترك ما عداها سواء ذات المال أو الجمال أو الحسب والنّسب، فيقول (عليه السلام) : "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"(2)..
    ونظم الإسلام علاقة أفراد الأسرة بعضهم ببعض بمجموعة من الحقوق والواجبات والآداب تجعل منهم مجتمعاً مثالياً مترابط الأواصر، قائماً على الحبّ والتراحم والإيثار.. ورعاية الكرامة الشخصية لكلّ فرد، مع الاستمساك بأهداب العفّة والحياة والوقار، وسائر المثل التي تنزع بالمرء دائماً إلى معالي الأُمور.
    هذه الأسرة المباركة، تتعرّض دائماً لعوامل الهدم والتخريب من قبل أعداء الإسلام، فينفثون سمومهم بأساليب شتى من المكر والخديعة لنشر الزّيغ والفساد في هذه القلعة الحصينة..
    لقد نظم الشاعر محمد مصطفى حمام هذه القصيدة وحذّر فيها المسلمين من الإصغاء إلى المفتونين بحضارة الغرب المنحلّة، الذين يعملون على هدم الأسرة المسلمة، والإنحراف بأخلاقها المستمدة من تعاليم الإسلام.
   

خذوا دينكم عن عالم ومحقِّق *** ولا تأخذوا عن مدع متفيهق
ولا تفتحوا آذانكم وعقولكم *** لحمقاء تستوحي الهوى أو لأحمق
ولا تمرضوا أخلاقكم وقلوبكم *** بكامن سمٍّ في البيان المنمَّق
يقولون: تبغي أُسرةً مطمئنةً *** محصَّنةً من فرقة وتمزُّق
ومن حموات كائدات عواذل *** ومن طيش مزواج وظلم مطلِّق
ومن ضيق أرزاق ومن سوء سمعة *** ومن سقم في الجسم قاس ومرهق
ومن عقم زوج أو عقوق بنوَّة *** ومن كلّ ما يخشاه حيٌّ ويتّقي
ومن كُلِّ مقضيّ وكلّ مقدر *** ومن كل مظنون وكلّ محققِ
لقد أمّلوا وهماً وراموا خُرافةً *** ولاذوا بجهل باهظ الظّلِّ محدق
فما عاشت الدنيا بغير نقائص *** ولا غنيت عن ألفة وتفرُّق
ولا بدَّ في الدنيا من الزّيغ والهدى *** ولا بدَّ فيها من ذكيٍّ وأخرق
ولا بدّ فيها من نعيم وشقوة *** ومن خائب في سعيه وموفّق
وكم في الليالي من منير ومظلم *** وفي السّحب من خاو جهام ومغدق
يقولون خلّوا الحُبَّ بين بيوتناً *** ليثبت في الارض البناءُ ويرتقي
فقلنا بحبِّ الحُبِّ لكن نريدهُ *** بريئاً من الفحشِ المحيطِ المطوِّق
يقولون خلّوا خاطباً وفتاته *** طليقين في دنيا الهوى والتّعشُّق
ليدرك كلّ منهما طبع إلفهِ *** فإن يحبُهُ يوماً فبعد تذوّق!!
وقالوا إذا حمّ الطّلاقُ فإنّنا *** لدى ساحة القاضي المحكَّم نلتقي
ونهتك أسراراً ونحيي تنابذاً *** بفاضحة الألقاب دون ترفُّق
يقولون للزّوج الغيور أجز لها *** من اللهو ما تصبو إليه وأطلق
وإن ألفت رقصاً وخمراً وميسراً *** فكن مرناً.. لا تحتدم، لا تدقّق!!
يقولون لا تجلب لزوجك ضرّةً *** ودع كلّ تبرير ودع كلَّ منطق
وإن تتزوّج تلك برّاً ورحمة *** فكن غير ذي برٍّ وكن غير مشفق
ولا ترجمنا في عانس وطليقة *** واُمٍّ يتامى لم تجد أيّ منفق
وإن شئتَ ترعاها وخذها خليلةً *** ومن رزقك الوافي أو الضحل أنفِقَِ
فقلت، ألا فليقطع الله ألسناً *** تقول اجتنب ما حلّل الله وافسق
وتقذفُ بالإنسانِ في جاهليّة *** وتهدم من صرح الفضائل ما بقي
ويا غارة الله اصعقي كلَّ ناصح *** بسوء وأفني المفسدين وأحرقي