|
مما اُلصق بالشيعة وأصبح لا يتخلف عنهم عندما يخطرون في الذهن وكأنّه عضو منهم خاصة دون باقي المسلمين: التقية، والذي ساعد على ذلك أنّ التشيع انفرد على مدى تاريخه بالتعرّض إلى ضغط يفوق الوصف لأنّه يشكل جبهة المعارضة في وقت لا معنى للمعارضة إلاّ العداء وليس كما تعطيه لفظة المعارضة من مدلول في الوقت الحاضر، وكان اعتيادياً أن يتعرضوا إلى مطاردة وتنكيل، وكان لا بدَّ من المحافظة على أنفسهم من الإِبادة التامة فلجئوا إلى التقية باعتبارها وسيلة يقرها الدِّين للإِحتماء بها عند الضرورة ورووا لها سندها من الكتاب والسنة وكان من الأولى أن يمدحوا على ذلك لأنّهم استعملوا ما أمر به الشارع لحفظ النفس عند الخطر، ولئلا يعرضوا إلى أحد أمرين أما الإِبادة، أو الإِنهيار، والإِرتماء في أحضان الظالمين كما فعل غيرهم ممن آوى إلى فراش الحكم والحكام يرتع في موائدهم ويعيش في حمايتهم ويتكلّف الأدلة لتصبح آراؤهم منسجمة الشرع، كما قال ابن خلكان في ترجمة أبي يوسف القاضي: قال: إنّ زبيدة مع زوجة الرشيد كتبت إلى أبي يوسف القاضي ما ترى في كذا، وأحب الأشياء إلي أن يكون الحق فيه كذا فأفتاها بما أحبت فبعثت إليه بحُق فضّة فيه حقاق فضة مطبقات في كل واحد لون من الطيب وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير، والخ(1).
وقد كان للشيعة مندوحة عن كل ما عانوه من الجور والظلم بشيء من مجاراة الحكام ولكنّهم أبوا ذلك وتصلبوا من أجل مبادئهم إلاّ في حالات شاذة.
على أنّ هناك ظاهرة اُلفت النظر إليها: وهي أنّ الشيعة منذ تعرضوا للضغط عاشت عندهم التقية عى مستوى الفتاوى ولم تعش على المستوى العملي بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف الشيعة مع معاوية وغيره من حكام الاُمويين وحكام العباسيين كحجر بن عدي وميثم التّمار ورشيد الهجري وكميل بن زياد ومئات غيرهم وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية.
وبعد هذا فإنّ القول بالتقية لم ينفرد به الشيعة بل هم في ذلك كسائر المسلمين وذلك واضح من آراء المسلمين عند شرحهم للآيات الكريمة والأحاديث الواردة في هذا الخصوص. فمن الآيات الكريمة التي وردت في هذا الموضوع قوله تعالى:
(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)(2) وقوله تعالى: (الا من اُكره وقلبه مطمئنّ بالإِيمان)(3).
|