في رحاب القرآن
في خصائص القصص القرآني
* القِصّة القرآنية والهدف العام من نزول القرآن
* الخصائص الأساسية للقِصّة في القرآن


   * القِصّة القرآنية والهدف العام من نزول القرآن
    يمتاز القصص القرآني عن غيره من القصص في نقطة مركزية، هي: قضية الهدف والغرض الذي جاء من أجله القصص في القرآن، وتنعكس هذه النقطة ـ كما سوف نتبين ـ على خصائص وميزات اُخرى.
    فالقرآن لم يتناول القِصّة باعتبار أنّها عمل (فني) مستقل في

موضوعه وطريقة التعبير فيها.
    كما أنّه لم يأت بها من أجل الحديث عن أخبار الماضين وتسجيل حياتهم وشؤونهم، أو من أجل التسلية والمتعة كما يفعل المؤرخون أو القصّاصون، وإنّما كان الغرض من القِصّة في القرآن الكريم هو: المساهمة مع جملة الأساليب العديدة الاُخرى التي استخدمها القرآن الكريم; لتحقيق أهدافه وأغراضه

الدينية التي جاء من أجلها، وكانت القِصّة القرآنية من أهمّ هذه الأساليب.
    فالقرآن الكريم ـ يمثّل رسالة دينية تهدف ـ قبل كلّ شيء ـ إلى إيجاد عملية التغيير بأبعادها المختلفة، والتي لخصناها بالاُمور التالية:
    1 ـ إيجاد التغيير الاجتماعي الجذري.
    2 ـ بيان المنهج الصحيح للحياة الإنسانية الذي

يتمّ على أساسه هذا التغيير، والذي يعبّر عنه القرآن الكريم بـ (الصراط المستقيم).
    3 ـ خلق القاعدة الثورية القادرة على تحمّل المسؤولية(1).
    وقد كان لهذا الهدف آثار ونتائج متعدّدة انسحبت على أساليب ومناهج القرآن، يمكن أن نلاحظها في القضايا والظواهر القرآنية التالية:
    1 ـ طريقة نزول القرآن




التدريجي.
    2 ـ طريقة عرض الأفكار والأحكام والقضايا والمفاهيم المختلفة.
    3 ـ ربط نزول القرآن بالأحداث والوقائع والاسئلة المسماة بـ (أسباب النزول).
    4 ـ ظاهرة نزول القرآن باللغة العربية دون غيرها من اللغات.
    5 ـ ظاهرة اختلاف اُسلوب القرآن في عرض الموضوعات في الإطناب والتفصيل، أو القصر والإيجاز.
    6 ـ ظاهرة اُسلوب القرآن في المزج بين الصور والمشاهد المتعدّدة، وكذلك الموضوعات المختلفة في مقطع واحد.

    7 ـ ظاهرة الاختلاف في الاُسلوب والمضمون بين القسم المكي من القرآن والقسم المدني منه.
    8 ـ وجود ظاهرة النسخ، وظاهرة المحكم والمتشابه، وظاهرة التخصيص والتقييد.
    9 ـ ظاهرة تناول بعض التفاصيل في الأحكام الشرعية.
    10 ـ ظاهرة طرح بعض القضايا ذات الطابع الشخصي في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
    وقد نتج عن ذلك نشوء كثير من الدراسات القرآنية، مثل: دراسة الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه،

والمكّي والمدنيّ، أسباب النزول، أو غير ذلك من الدراسات الفنية ذات العلاقة باُسلوب القرآن.
    وقد تأَثرت القِصّة في القرآن ـ أيضاً ـ بهذا الهدف العام من نزول القرآن كما سوف نتبين، ولذا لا بدّ لنا حين نريد أن ندرس القِصّة القرآنية، ونتعرّف على مزاياها وخصائصها الرئيسية ان نضع امامنا هذا الهدف القرآني العام لنتعرف من خلاله على الاُسلوب الذي اتّبعه القرآن، والمضمون الذي تناوله في عرضه القِصّة القرآنية مساهمة منه في تحقيق هذا الهدف.

    * الخصائص الأساسية للقِصّة في القرآن
    وانطلاقاً من هذه الفكرة وهذا الأساس يمكن أن نحدّد الفرق بين القصص القرآني وغيره من القصص ببعض النقاط التي تشكل الميزات والخصائص والصفات الرئيسة للقصص القرآني، ويمكن أن نجد هذه الخصائص قد اُشير إليها في القرآن الكريم في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِوْلِي الاَْلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)(2).




حيث يمكن أن نفهم من هذه الآية اتّصاف القصص القرآني بالصفات التالية; وهي ثلاث نقاط :
    الواقعية، والصدق، والحكمة، والأخلاقية، كما سوف نشير إلى ذلك إن شاء الله.
    أ ـ الواقعية، بمعنى ذكر الأحداث والقضايا والصور في القصص القرآني التي لها علاقة بواقع الحياة الإنسانية، ومتطلباتها المعاشة في مسيرة التاريخ الإنساني، مقابل أن تكون القِصّة إثارة وتعبيراً عن الصور، أو الخيالات، أو الأماني، أو الرغبات التي يطمح إليها الإنسان، أو يتمناها في

حياته; ذلك لأنّ القرآن الكريم يريد من ذكر القِصّة وأحداثها إعادة قراءة التأريخ الإنساني والقضايا الواقعية السالفة، الذي عاشته الاُمم والرسالات الإلهيّة السابقة، ومتابعة هذه القراءة في الحاضر المعاش من قبل الإنسان للاستفادة منها والاعتبار بها في حياته وحركته ومواقفه وتطلعاته نحو المستقبل والكمالات الإلهيّة.
    فاذا انفصلت القِصّة عن هذا الواقع فلا يمكن للإنسان أن يستفيد منها للحاضر والمستقبل; لأنّها تصبح مجرد صور وفرضيات قد تنسجم مع واقعة الفعلي، وربّما

لا تنسجم، ولذا ربّما لا يشعر بها، ولا يُصدّق بها نفسياً وروحياً.
    والإنسان ـ في مسيرته التكاملية ـ بحاجة إلى أن ينطلق من (الواقع) نحو الطموحات والكمالات، وبدون ذلك سوف ينفصل هذا الإنسان عن واقعة، فيضيع في متاهات الآمال والتمنيات، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحالة في الإنسان عندما تحدّث عن اليهود من أهل الكتاب بقوله تعالى: (وَمِنْهُمْ اُمِيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إلاَّ أمَانِيَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنّونَ)(3).
    وعندئذ لا يصل الإنسان إلى أهدافه في

النهاية; لأنّ من لا ينطلق من البداية فلا يبلغ النهاية.
    ومن هنا نجد القرآن الكريم يحاول أن يعالج من خلال القِصّة الواقع الذي كان يعيشه المسلمون في زمن النبي، فيذكر ما يتطابق من الأحداث مع هذا الواقع من ناحية، كما يعالج الواقع الذي تعيشه الأجيال والعصور الإنسانية المستقبلية من ناحية اُخرى.
    وهذا هو الذي يفسّر لنا ما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من قولهم: «إنّ القرآن يجري مجرى الشمس والقمر» و«إنّه حي لا يموت»، فإنّ انطباق هذا الكلام على




القصص والأحداث ذات العلاقة بالأنبياء وأقوالهم أو بالتاريخ الماضي إنّما هو بلحاظ هذا البعد والصفة في القِصّة القرآنية.
    ولعل قوله تعالى في الآية السابقة من سورة

يوسف: (لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهمْ عِبْرَةٌ لاُِولي الألبَاب...) إشارة إلى هذه الصفة في القصص القرآني.
    ب ـ الصدق في ذكر الأحداث والوقائع التاريخية التي تعرّض

لها الأنبياء وأقوامهم في حياتهم، وذلك في مقابل (الأكاذيب) الباطلة و(الانحرافات) في الفهم والسلوك، أو (الخُرافات) التي اقترنت بقصص الأنبياء

في كتب العهدين المعروفين بسبب ما تعرضا له من ضياع وتحريف للحقائق عن قصد أو بدون قصد أو اشتباه أو جهل.
    تتمّة البحث في العدد القادم

1 ـ الهدف من نزول القرآن: 21 ـ 32.
2 ـ يوسف: 111.
3 ـ البقرة: 78.



  من عالم المرأة
هل المرأة لغز لا يحل؟


    ليس من الغرابة في شيء أن نرى في المرأة لغزاً يصعب علينا حلّه.
    ولكن الغرابة كلّ الغرابة أن تتكلّم عن المرأة، كما لو كانت اللغز الوحيد الذي أشكل علينا حلّه.
    فكأن شقيقها الرجل: كتاب مفتوح، لا يعوزّنا لفهمه إلاّ معرفة القراءة البسيطة.
    وكأنّ كلّ ما عداها من الكائنات ما بين ناطقة وعجماء، وحيه وجامدة، أُمور تافهة يكفينا لفهمها أن نتناولها بحاسة

من حواسنا الخمس.
    لعمري أنّ ذلك منتهى السذاجة.
    إنّ تكن المرأة لغزاً فلأن الرجل لغز. أو يكُن الإنسان بشطريه: المؤنث والمذكّر لغزاً، فلأنّه يعيش في عالم كلّ ما فيه ألغاز.
    وأي شيء في هذه الأكوان ليس لغزاً للإنسان؟
    أهي الأرض بشكلها وحجمها، ودورآنهاالأبدي حول محورها، وحول الشمس؟
    أم هي نباتات الأرض وحيواناتها ومعادنها على

اختلاف أصنافها؟
    أم هي جو الأرض بما فيه ما مجار سريّة للنور والفكر والشعور؟
    أهو الزمان، وأين يبتدىء وينتهي؟
    أم هو الفضاء بكلّ ما فيه من عوالم لا تقع تحت حصر ووصف؟
    إنّه ليكفيك كلّما فكرت في شيء من الأشياء، أو حدث من الأحداث أن تسأل نفسك: «لماذا؟» لتعرف أنّك في حضرة لغز من الألغاز.
    فأنت لا تدري لماذا تكوّنت الأشياء

كما هي، لا على غير ما هي.. ولماذا تحدث الأحداث حين تحدث، لا قبل ذلك بدقيقة، ولا بطرفة عين.
    وإن أنت خدعت نفسك، فتوهّمت أنّك واقف على أسرار كافة الأشياء والأحداث، فأنت بالعبادة أولى منك بمطالعة هذا المقال.
    أجل.. نحن ألغاز في عالم كلّه ألغاز..
    وهذه الألغاز قد تشابكت، وتداخلت في شكل يتعذر علينا معه حلّ واحد منها. إلاّ




أن نحلّ ما قبله وما بعده. فكأنّها الأبواب الموصدة. أمّا مفتاحها فواحد.
    فإن أنت حظيت به فتحت جميع أبواب الكون من أصغرها إلى أكبرها، ومن أقربها إلى أبعدها..
    والآن.. قد تسألني عن ذلك المفتاح أين هو؟ فأجيبك بأنّه فيك.
    وقديماً قيل: «اعرف نفسك».. فليس أقرب منك إليك. وليس أدعى إلى دهشتك من نفسك.. فحرى بك أن تبدأ بدرسها، وحل ألغازها، قبل أن تبدأ بدرس غيرك من الكائنات، وتهتمّ بحلّ ألغازها.
    فهي ما كانت ألغازاً إلاّ لأنّك لغز..

فمتى اهتديت إلى حلّ اللغز الذي هو أنت، اهتديت إلى مفتاح كلّ لغز سواه.
    ومعنى ذلك أنّك يوم تعرف نفسك.. تعرف الكون..
    هل في مستطاع الإنسان أن يعرف نفسه؟
    ما في ذلك أقل الشكّ عندي، أما يذهلك إذ تتأمّل الأكوان من حواليك أن تراك الكائن الأوحد على الأرض، الذي ما انفك منذ أن وجد يسأل نفسه «من أنا؟».
    فأنت، من بين كل الألغاز التي تصابحك وتماسيك في كل يوم من حياتك ـ على الأرض وفوق الأرض ـ

أنت وحدك تفتّش عن مفتاح المعرفة.
    أمّا الأشجار في غابها، والأسماك في بحارها، والطير في أجوائها، والزحافات والدبابات في أحجارها، فما تهتم بذلك المفتاح ولا تفتش عنه.. بل إنّها لا تشعر بأن هنالك أبواباً مؤصدة، لا تهنأ لها حياة إلاّ بفتحها.
    أمّا أنت فتشعر، وإذ تشعر تفكّر، وإذ تفكّر تراك مدفوعاً إلى السعي والتفتيش. ولن يهدأ لك بال، أو تستقرّ لك حال حتى تهتدي إلى المفتاح الذي تفتش عنه.
    أترانا إذ نفتش عن المعرفة، إنّما نفتش عن «عَنْقَاءُ مُغْرِب»(1)؟

    ذاك ما يقول به الذين أجهدهم التفتيش، ولا صبر لهم على الثبات حتى النهاية. أولئك هم القانطون والمتشائمون والمستهترون، والساخرون بكلّ من دأبه التفتيش، وإيمانه بالفوز لا حدّ له.
    أمّا أنا... فلست، والحمد لله، من القانطين، ولا المتشائمين، ولا المستهترين، ولا الساخرين.. وعندي أنّ الدافع الخفي الذي يدفعنا إلى التفتيش، هو الكفيل بوجود ما نفتّش عنه، وبالقدرة الكامنة فينا على الوصول إليه.
    فمثلما يفتش الطفل ـ




عند ولادته ـ عن ثَدي أمه، مدفوعاً بغريزة تكفل له وجود ذلك الثدي، هكذا نفتش نحن عن المعرفة، مدفوعين بغريزة تكفّل لنا وجود تلك المعرفة، وتكفّل فوق ذلك قدرتنا على بلوغنا.
    أليس أنّ الجوع إلى الخبز كفيل بوجود الخبز، وبوجود أجهزة تقوى على مضغ الخبز وهضمه، وتحويله إلى دم ولحم وعضل؟ كذلك قُل في الماء والعطش إلى الماء. وكذلك قُل في المعرفة والشوق إلى المعرفة.
    إلاّ أنّ الطريق إلى المعرفة لمن

يشتاق المعرفة، غير طريق الجائع إلى الرغيف، والعطشان إلى الماء. وجهاز هضم المعرفة غير جهاز هضم الخبز والماء. فالمعرفة، متى بلغناها، كانت لنا غذاءً أبديّاً يغنينا عن كلّ غذاء سواه.
    فلا غرو أن يستغرق التفتيش عنها أدهاراً، لا أعماراً، ولا أجيالا. وهي لا تنفتح لجميع الناس دفعة واحدة، بل لأفراد بعد أفراد.
    ذاك لأنّ الناس لا يشتاقون، ويفتشون عنها بدرجة واحدة.
    والفرق ما بين شوق إنسان وإنسان إلى المعرفة، من

حيث الحرارة والمدى، كالفرق ما بين أتون مستعر، وركام من الجليد، وكالفرق ما بين أعصار حاصر، ونَفَس تطلقه من صدرك.
    ولنرجع الآن إلى المرأة. إنّها لغز.. وأي لغز، ولكنّه لغز إذا أشكل علينا حله اليوم، فلن يشكل إلى الأبد.. وبالأخص على الذين لا يقفون في نظرهم إلى المرأة عند مظاهرها الخارجية ووظائفها الجسديّة. فهي عند هؤلاء أكثر من أُنثى، وأكثر من مستودع للبذار البشري.
    وفتنتها ليست بما يتأجج في لحمها

ودمها من شهوات متضاربة، بل بما يجيش في كيانها من الشوق إلى الهناءة والسعادة والحظوى بحياة لا تنهزم من أمام الموت بانهزام اللحم والدم. وهذه كلّها لا تكون بغير المعرفة ـ معرفة النفس التي تفتح الباب لمعرفة كلّ شيء.
    فغاية المرأة من وجودها هي غاية الرجل عين بعين. ولكنّها غاية يتعذر على المرأة إدراكها بغير الرجل، وعلى الرجل بغير المرأة. وفي ذلك كُنه اللغز الذي هو الإنسان.
    تتمّة البحث في العدد القادم

1 ـ طائر مجهول الجسم.



  الشباب
التعاليم القويمة


    أمّن الإِسلام في منهاجه الإِعتقادي والأخلاقي والعملي هذا الهدف المقدس الذي يعد الركن الأساسي للسعادة البشرية، ودعا أتباعه إلى أقوم التعاليم الروحية وأطهر النظم السماوية، قال تعالى: (إنَّ هذا القرآن يَهْدي لِلتَّي هي أقْوَمُ)(1).
    وبدأ الإِسلام دعوته الروحية وهدايته السماوية بإحياء العقل الإِنساني، وطلب من الناس قبول التعاليم القرآنية من خلال التفكر والتدبر، قال العظيم: (لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ كِتاباً فيه ذِكْرُكُمْ

أفَلاَ تْعقِلُون)(2).
    العامل الأكبر للانحطاط
    يرى الإِسلام أن قمع العقل وإطفاء نور الفكر هو العامل الأكبر لسقوط البشرية وانحطاطها، وجاء في صريح القرآن الكريم أن من لا يحرك عقله ويستثمره ومن لا يتدبر ويفكر هو أخطر من أي حيوان، قال الحكيم:
    (إنَّ شَرَّ الدوابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكْمُ الذين لا يَعْقِلُونَ)(3).
    مكافحة الخرافات
    الإِسلام دين التدبر والتفكير.. دين

العلم والتعلم، الإِسلام دين الخلقة والفطرة.. الدين الإِسلامي ليس منزهاً عن الأوهام والخرافات فحسب، بل أن بعضاً من القرآن الشريف نزل لمواجهة الأديان الباطلة والمعتقدات الوهمية.
    والقرآن الكريم وقف أمام عبادة الأصنام والنجوم والقمر وجميع العقائد الخرافية وهدى البشرية إلى التوحيد العقلي والعلمي، وقارع بشدة الخرافات الجاهلية وأساس التثليث (الأب والابن وروح القدس) الذي يكتسح ـ وللأسف ـ في

يومنا هذا أوربا وأمريكا، ونزه السيد المسيح من لقب (ابن الله).. الإِسلام طهر سمعة عيسى بن مريم من وصمات غلو المسيحيين، وعرّفه على أنه رسول من رسل الله تعالى.
    معيار تفوّق الإِسلام
    الإِسلام، دين الحق والنظام الواقعي لسعادة الإِنسانية، والدين الإِسلامي منزّه عن الخرافات والأوهام، يهدي الناس إلى صراط الحقيقة والفضيلة المستقيم، وهذه المزية هي معيار تفوق الإِسلام على جميع أديان العالم.




ويشير القرآن الكريم إلى هذه الملاحظة ويبشر المسلمين صريحاً بانتصار الإِسلام على جميع أديان العالم قال تعالى:
    (هو الذي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدى وَدينِ

الحقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدَّينِ كُلِّه وَلَوْ كَرِهِ المُشركِوُنَ)(4).
    نستخلص: إن الهداية الصحيحة للحس الديني لدى الأحداث وهو الشرط الأول لاستثمار

قوتهم المعنوية قد تم تأمينه على النحو الأحسن في الدين الإِسلامي. وأن التعاليم السامية للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) يمكن أن تهدي الحس الديني

للأحداث إلى الطريق الصحيح ودين الحق في جميع القرون والأعصار وتوفر مستلزمات إرضاء رغباتهم الروحية على الوجه الأفضل.

1 ـ الاسراء 17:9.
2 ـ الانبياء 21:10.
3 ـ الانفال 8:22.
4 ـ التوبة 9:33.



  صحة الأسرة
سلوك الطبيب واخلاقيات المهنة

تطالعنا وسائل الإعلام الدولية كلّ يوم عن حالات لا إنسانيّة يروح ضحيّتها أفراد كثيرون نتيجة لإهمال الأطباء ونتيجة لموت الضمير عند هذا أو ذاك.
    وكثيراً ما قرأنا عن مريض أجريت له عملية جراحيّة في بلد ما وإذا به
    بعد عام أو عامين يكتشف أنّه سرقت منه كليته وانتزعت منه بغير علمه.

وكثيراً ما قرأنا أيضاً أنّ فلان عمل عملية جراحية وإذا به بعد شهرين أو ثلاثة عاودته الآلام بصورة أشدّ مما كانت عليه وبعد الفحص يكتشف الأطباء أنّ بجسمه جسم غريب كفوطه أو آله نسيها الطبيب الذي أجرى له العملية الجراحية.
    فمثل هذه

القضيّة نشرتها وسائل الاعلام ونتيجة لعدم وجود الضمير تطالعنا الصحف بين الفينة والاخرى بحالات غريبة... هذا مات نتيجة للأخطاء في التشخيص واهمال في العلاج وذاك رجل فقد بصره أو فقد توازنه العصبى نتيجة أيضاً للإهمال، واللامبالاة والحالات كثيرة

وقد تعدّدت وأصبح الفرد بذلك يخاف أن يكون هو أو أحد أفراد عائلته من الضحايا مادامت الأخلاق قد انعدمت لدى شريحة كبيرة من الأطباء أو العاملين في الحقل الطبي من الممرضين والممرضات.
    وقد تُوفي الكثير من الأبرياء في أوروبا

نتيجة الحقن التي يحقن بها بعض المرضى لشفائهم وانّما للتخلّص منهم ومع سبق الإصرار.
    والأمر كله يرجع إلى الاخلاق والاخلاق فقط وكما يقول الشاعر: صلاح أمرك للأخلاق مرجعه *** فقوم النفس بالأخلاق تستقم




وفي هذا المجال يكتب لنا الدكتور محمد الحاج علي كتابه هذا «سلوك الطبيب وأخلاقيات المهنه الطبية».
    ويضع النقاط على الحروف مبرز الشروط والسلوكيات والاخلاقيات التي يجب أن تتوافر في أصحاب المهنة أكثر من غيرهم من أصحاب المهن الاخرى، لأنّه يتعامل مع الإنسان، هذا الإنسان الذي سلم جسده وروحه إلى هذا الطبيب.
    حيث بدأ كتابه هذا بقسم بقراط سنة 460 قبل الميلاد. حيث كانت هذه المهنة خطيرة و خطورتها أنّها تتعلّق بحياة الناس ومن هنا نجد

الناس من قديم الزمان بل وما قبل ميلاد السيد المسيح وضعوا قسما خاص يؤدّيه من سيقوم بهذه المهنة الإنسانية.
    وقد ركز المؤلّف على الاخلاق التي هي الأساس بل حجر الزاوية في هذا المجال.
    ويضع المؤلّف شروط يعتبرها أساسيّة ولازمة لكلّ من يعمل في مجال المهن الطبيّة وهذه الصفات هي:
    * تقديم العلاج للمريض برفق وحنان والاعتناء به عناية حسنة لائقة تقوم أولا على أصول المعاملات الإنسانيّة النبيلة.
    * احترام المريض

وعدم احتقاره أو الانتقاص من كرامته مهما كانت الاسباب.
    * يجب أن تحصل على احترام المريض لك وتكسب ثقته بك.
    * يجب أن تحمي المريض من المحظورات والممنوعات وكلّ ما يضرّ بحالته الصحية.
    * تحسين الصورة العامة للمريض ورفع ثقته بنفسه واحترامه لها.
    * دعم سياسة المستشفى والعاملين بها والدفاع عنها وعنهم وتحسين سمعتها وسمعتهم.
    * المحافظة على أعلى درجات الجاهزية والعناية

بالمريض في كافّة الحالات والاحتمالات.
    * العمل بروح التعاون الأخوي مع جميع من يعمل في الحقل الطبي.
    * العمل بانتظام بما يتّفق مع القيم الروحيّة والخلقية العليا للفضيلة والخصال الحميدة وجعلها عادة وسلوك يومي طبيعياً من شمائل النفس و متطلباتها وما جبلت عليه من محبه للخير والإنسانيّة.
    * بذل الجهد لرفع المستوى الصحي العام وبث الثقافة الصحية والبيئية لدى الجمهور في كلّ مناسبة وكلّما سنحت فرصة والدعوة




باستمرار إلى كلّ فضائل الأخلاق.
    كما تكلّم عن العلاقة الخاصّة التي تربط الطبيب بالمريض وهي أساسية في الشفاء أو الانتكاس، فالابتسامة والكلمة الطيبة تجعل المريض في حالة نفسية حسنة والحالة النفسية تلعب دوراً خطيراً في هذا المجال.

    كم من مريض شفي بالكلام الطيب والمعاملة الحسنة فتحسنت حالته بسرعة وتبددت الاوهام والكوابيس التي كانت معششة في مخه وتوحي له بتصورات لا وجود لها في الواقع.
    وكم من مريض تدهورت حالته بسبب العلاقة الجافة والمعاملة الصادرة

من الطبيب فتنقلب حالته راساً على عقب ويجب أن لا ننسى أن بعض المرضى يموتون اثناء علاجهم فتتجه أصابع الاتهام إلى الطبيب المعالج، فهنا يجب علينا أن لا نظلم الطبيب أو ننسب إليه التقصير في كلّ الحالات. لانّ الموت واجب والأجل محدد

«فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون»، فقد يموت الإنسان وهو يمشي أو هو جالس في بيته ولا يشتكي من أية أعراض، كالموت بسكتة قلبية أو جلطة دموية قوية فإذا جاء الأجل فلا يفيد الطبيب ولا تفيد عقاقيره
    كما يقول الشاعر: وإذا




القضاء أتى بأمر نافذ *** حار الطبيب وخانته العقاقير.
    وكما قال الشاعر الجاهلي:
    وإذا المنية أنشبت أظفارها

*** الفيت كلّ تميمة لا تنفع
    وقد استعرض المؤلّف بصورة دقيقة وتفصيلية كلّ الجوانب التي لها علاقة بالمهن الطبية. مركزاً على

الأخلاق وعلى السرية التامة لكلّ ما يتصل بعمل الطبيب تجاه مريضه من حالات لايجب المريض أن يسمع بها أحد. كما يجب على هؤلاء

العاملين في المجال الطبي أن يكونوا أكثر الناس أخلاقاً وحماساً للمهنة واتصافهم بصفات عالية وراقية نظراً لحساسيّة هذا المجال




  الطفل والتربية
مخاطر الريجيم والنحافة على الأطفال
  


   اظهرت دراسة اجرتها مؤخّراً جامعة سوانسي البريطانيّة أن 25% من الأطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 5 سنوات و7 سنوات يفضلون النحافة ولا يستثنى منهم الأطفال الذين لديهم قابليّة للسمنة.
    كما كشفت الدراسة على أن

من كلّ ستة اطفال يوجد طفل يقوم بعمل الريجيم لأنّه يقلّد والديه اللذين يتبعان نظاماً غذائيّاً خاصاً يدافع القلق والخوف من السمنة وهنا فالطفل يفهم الرسالة خطأ فيقوم بتقليد اسلوبهما في نظام التغذية.
    ولكي تتجنّب الأُم وقوع ابنائها في التالية:

المحظور قدمت لها الدراسة الارشادات
    ـ عدم مناقشة رغبتها في انقاص وزنها امام الاطفال.
    ـ احرصي على تناول وجبة على الاقل في اليوم مع العائلة على مائدة الطعام. ومن الضروري أن يرى الأطفال ابويهما بأكلان

وجبة كاملة من الطعام ومن الممكن أن تكون منخفضة السعرات الحراريّة.
    ـ احرصي على تنمية تقدير الذات لدى الطفل بامتداح الصفات الايجابيّة والكفّ عن ذكر اي صفة سلبية ليقتنع الطفل بما تقولينه له دائماً.





على طاولة الحوار


   قال لي ولدي علي: حدثيني يا امي عن الرباب ونسبها ـ ومواقفها البطولية في واقعة كربلا.
    فقلت: الرباب زوجة الامام الحسين(عليه السلام) وأم بنيه عبد الله وسكينه من خيرة نسائه، جاء بها الى العراق وشاهدت مصيبة الطف، وسبيت مع النساء من الكربلاء الى الكوفة ومن الكوفة الى الشام، ثمّ رجعت الى المدينة،

فأقامت فيها لم يهدأ لها أنين ولم تجف لها دمعة، وكانت تبكي ليلا ونهاراً ولم تستظلّ تحت سقف بيت حتى ماتت بعد قتل الحسين(عليه السلام)بسنة كمداً.
    وكانت تمتنع من الزواج عندما خطبها الاشراف وهي تقول: ما كنت لأتّخذ حمواً بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)(1).
    قال علي أماه وهل يوجد لها موقف في مجلس

الطغاة في الكوفة والشام؟ قلت: نعم حينما رأت رأس الحسين(عليه السلام) وهو بين يدي ابن زياد اخذته ووضعته في حجرها وقبّلته وقالت:
    واحسيناً فلا نسيت حسيناً *** أقصدته أسنة الأعداء
    غادروه بكربلاء صريعاً *** لاسقى الله جانبي كربلاء وقد جاء في معجم البلدان نسبة

هذين البيتين الى عاتكه بنت زيد بن عمرو بن نفيل في رثاء الحسين(عليه السلام)وادعى أنها زوجته، وقد روى عجزاً آخر للبيت الثاني وهو:
    (لا سقى الغيث بعده كربلاء)
    ومن الأبيات التي رثت بها الرباب سيد الشهداء(عليه السلام):
    إن الذي كان نوراً يستضاء به *** بكربلاء قتيل غير مدفون




سبط النبي جزاك الله صالحة *** عنا وجنّبت خسران الموازين
    قد كنت لي جبلا صعباً ألوذ به *** وكنت تصحبنا بالرحم والدين
    من لليتامى ومن

للسائلين ومن *** يغني و يأوي اليه كل مسكين
    والله لا أبتغي صهراً بصهركم *** حتى اغيب بين الرمل والطين
    وجاء في البحار ان جاريتها أخبرتها بأن السويق يسيل

الدموع فأمرت أن يضع لها وقالت: انما نريد ان نقوى على البكاء(2)
    ويكفيك من علو منزلتها ما قاله الحسين سيد الشهداء(عليه السلام).
لعمرك إنّي لأحبّ

داراً *** تحلّ فيها سكينة والرباب
    أحبّهما وابذل جلّ مالي *** وليس لعاتب عندي عتاب
    ولست لهم وإن عتبوا مطيعاً *** حياتي او يغيّبني التراب

1 ـ تذكرة الخواص: 150، تاريخ ابن الأثير 4:36، الأغاني 14:158.
2 ـ البحار 10: 235. للطوسي 59.



  ترويح القرّاء
الجمال الباطن


   كما أن الجمال الباطن من أعظم نِعَمِ الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضاً على عبده يوجب شكراً، فإن شكرهُ بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله، وإن استعمل جمالَه في معاصيه سبحانه قلَبَهُ له شيئاً ظاهراً في الدُّنيا قبل الآخرة، فتعود تلك المحاسن وحشةً وقبحاً وشيئاً، وينفُرُ عنه من رآه، فكلّ من لم يتَّقِ الله عزّ وجلّ في حسنه وجماله انقلب قبحاً وشيناً يشينه به بين الناس، فحسنُ الباطن يعلو قبح

الظاهر ويستره، وقبحُ الباطن يعلو جمالَ الظاهر ويستره.
    يا حسنَ الوجه توق الخنا(1) *** لا تُبدلَنَّ الزَّينَ بالشَّينِ
    ويا قبيحَ الوجهِ كن محسناً *** لا تجمعن بين قبيحينِ
    وقال بعض الحكماء: ينبغي للعبد أن ينظر كلَّ يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنةٌ لم يشِنها بقبيح فعله، وإن رآها قبيحة لم يجمع بين قبح الصورة وقبح الفعل.
    ولمّا كان الجمال من حيث هو محبوباً للنفوس،

معظماً في القلوب، لم يبعث الله نبيّاً إلاّ جميلَ الصورة، حسنَ الوجه، كريم الحسب، حسن الصوت، كذا قال علي بن أبي طالب(عليه السلام).
    وكان النبي(صلى الله عليه وآله)أجمل خلق الله، وأحسنهم وجهاً كما قال البراء بن عازب وقد سئل: أكان وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله) مثل السيف؟ قال: لا بل مثلَ القمر.
    وفي صفته(صلى الله عليه وآله): كأنَّ الشمس تجري في وجهه، يقول واصفه: لم

أرقبله ولا بعده مثله.
    وقال ربيعة الجُرشي: قُسِّم الحُسنُ نصفين: فبين سارَّة ويوسف نصفُ الحسن، ونصفُ الحسن بين سائر الناس.
    وفي الصحيح عنه(صلى الله عليه وآله)أنّه رأى يوسف ليلة الإسراء وقد أُعطي شطر الحسن وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يستحب أن يكون الرسول الذي يرسل إليه حسنَ الوجه جسن الاسم، وكان يقول: «إذا أبردتُم إليَّ بريداً فليكُن حسنَ الوجهِ حسن الاسم».

1 ـ الخنا : الفحش .