|
(إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا)(1).
(وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً)(2).
(وَكُلُّ شَيء عِنْدَهُ بِمِقْدَار)(3).
(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)(4).
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«إنّ الله جميل يحبّ الجمال».
الجمال من مظاهر الحياة وخصائصها، فكلّ شيء جميل في هذا الوجود، ولكلّ شيء موازينه الخاصّة، فتكوين المخلوقات يخضع لمقاييس خاصّة، فالتوازن بين الأعضاء من ناحية الموقع، فكلّ له موقعه، وكلٌّ له حدّ من ناحية الطول والعرض والسُّمك، وكلٌّ له شكله الخاصّ به، والشكل العامّ متناسق متوازن، فهناك التناظر بين الأعضاء وبين الأشياء، وهناك التبادل، وهناك الاستكانة في الموقع، فهذا الشكل يناسب موقعه الذي هو فيه، إذ يُحسّ بذلك بعضاً، أي أنّ أعضاءه متكاملة في العمل فإنّها متكاملة في الشكل متعاضدة في التكوين.
ولنا في الألوان أصدق مثال، لجمال الطبيعة وجمال المخلوقات، فالألوان بأعدادها الهائلة، وبتراكيبها ودرجاتها وتأثيرها، لها دور هامّ في تكوين الشكل ومعرفته والإحساس به، فكلّ ما على الأرض زينة لها، بالتركيب والتكوين واللون والفائدة.
ولو نظرنا إلى تشكيلات الألوان الطبيعية في بعض مظاهرها العامّة كالغيوم، لوجدنا ألواحاً فنّية رائعة تبهر النظر وتسرّ النفس، ولنا في الأزهار أصدق مثال على دور الألوان في جمال الطبيعة، وروعتها وشفّافيّة حسّها وعظيم ذوقها.
وهذه الجبال، وهذه الحيوانات، وهذه الفراشات الهائمة الجميلة، ثمّ هذا الإنسان بشعوبه، فالأبيض والأسمر والأسود والأصفر والأحمر، حتّى غدى اللون أحد مميّزات جمال الإنسان وصفاته ومميّزاته، وتفنّن الإنسان باستعمال الألوان كزينة، فالملابس ألوان، والأثاث والدور والمركوبات والمستعملات، كلّ له لونه الخاصّ، كلّ ذلك من أجل الزينة التي تسرّ النفس وتفتح الروح.
ثمّ من مظاهر الجمال (الطبيعة)، فالطبيعة متناسقة، تتشكّل بمظاهر البساطة والكمال والشفّافية والرقّة، ثمّ هناك التكامل، وكلّ ما في الطبيعة له روح في منظره، فالخمائل تتشكّل وتتراكب ساعةً بصورة كلاسيكيّة، طولا ونظاماً وترتيباً، وتارةً تتشكّل بمواقع متضاربة متغالبة، تثير الإحساس بالواقعيّة والرمزيّة والسرياليّة، وتارةً تجد في تشكّلاتها العاطفة والحنان فتصل إلى الإحساس الواقعي والتعبيري، وهكذا نجد هذه الظاهرة في تشكيلات عدّة، فعيش الحيوانات المختلفة بمجموعات، نجد لتشكيلات سيرها وتجمّعها جمالا خاصّاً، فمن تناظر وتبادل وبساطة وتعاطف وحيويّة، وروح جماليّة عاطفيّة، تملأ الجوّ بهجةً وسروراً وشعوراً بعظمة الخالق: الله سبحانه.
إنّ مظاهر الجمال في الطبيعة كثيرة، ولو نظرنا إلى الغزال والحصان وما في تركيبها من جمال، إذ هناك التناسق، والانسياب في الشكل، ودقّة المقاييس مع ما يتلاءم مع أدقّ مقاييس الجمال المعروفة التي اكتشفها العلم الحديث، والتي لها تأثر جيّد ومسرّ في نفس الإنسان.
ونظرة أخيرة إلى الإنسان بجماله وكماله وعقله، ولنا فيه حكمة ونظرة، فالإنسان مقاييسه مضبوطة من ناحية التكوين، فالرأس والأطراف والجذع، وكلّ عضو ظاهره له نسبته الخاصّ من جسمه، علاوةً على أنّ له حدّاً ممكناً في الطول والعرض والسمك والشكل، وما خرج عن ذلك فهو خارج عن المألوف، ويشوّه المقاييس الجماليّة، ثمّ هناك لون الإنسان المتجانس مع منطقته وشعبه، ثمّ هناك مقاييس جماله المعروفة، فالعيون بألوآنهاوحجمها وطولها وسعتها، فالمرأة الزجاء فالمرأة الزجاء العيناء. والفمّ والأنف والخدود الوجنة والجبهة والصدر وو... ، ولا اُريد أن أدخل في دراسة جمال جسم الإنسان وصفاته، ولكن من النِّعَم التي مَنَّ الله سبحانه وتعالى على الإنسان هي نعمة الجمال العامّ للجنس البشري، يتجانسه وتكامله وتوازنه وتناسقه، ثمّ هناك الجمال الخاصّ الذي امتاز به كلّ عضو من أعضائه ثمّ هناك الجمال الذي اختصّت به المرأة باُنوثتها لتجذب به الذكر، ثمّ هناك الدرجات المتفاوتة التي يمتاز بها كلّ فرد من خصائق جماليّة، وكذلك المسألة تشمل الشعوب بدرجات جمالها.
ثمّ هناك نعمة ما بعدها نعمة، وهي أنّ الإنسان عنده إحساس فيّاض بالجمال ويسعى إليه، فأصبح الجمال من مكوّنات حياة الإنسان، حتّى أصبح الجمال علماً وفنّاً وصناعة، ودخل الجمال في الشعر والأدب، فكان الخيار الجميل الذي يتغنّى بالجمال ويحبّ الجمال ويسعى إليه، فتكون الحياة جميلة حلوة بهيّة.
الجمال ناطق يناجي النفس فكأنّه وحيٌ يملأ الروح بالإحساس المفعم بالودّ والمحبّة، فالأشجار والأطيار والأنهار مع مالها من منظر خلاّب، لها صوتٌ جميل ولها ريحٌ طيّبة، فالصوت والعطر من ألوان الجمال الحِسّي الخلاّب التي تملاٌ النفس بالإحساس الخلاّب والروح الفيّاضة.
ثمّ هناك الكلمة الطيّبة التي لها روح جماليّة تدخل نفس الإنسان بمفاتيح يعرفها علماء الكلام وعلماء النفس.
ثمّ هناك من الحركات ما هو جميل، فحيفيف الأشجار بأوراقها والطيور برفيفها والحيوانات بزحفها، والإنسان بحركاته الحلوة المعبِّرة، ما يملأ النفس حبّاً وجمالا.
وكلّما كان الجمال روحيّاً ذاتيّاً; كلّما ملأ النفس إحساساً بالجمال وحبّاً له وشوقاً وتعبيراً عنه.
فالحياة جميلة وتشكيلات العوائل فيها جمال وروح وحيويّة وسعادة، وحركة المخلوقات كلّ يسعى لشأنه، فالنحلة لخليّتها والنملة لجحرها والطير لعشّه، والخروف لجرنه، والفلاّح لحقله، والعامل لمعمله، والدارس لمدرسته، والاُمّ لبيتها، والرجل لمهمّته، ثمّ تتكامل الحياة بتعاطف وتعاون وتجامل، حتّى يحسّ بالفرح والسعادة بهذا التناسق الجميل الفيّاض بمشاعره الجميلة.
والله سبحانه أوجد الكون بسعته ومبجموعاته المختلفة الهائلة في العدد والحجم، نسّق سبحانه كلّ شيء، فكلّما بَعُدت النجوم صغُرت في العين، وقلّت حرارتها، حتّى تنعدم من ناحية الشعور بها، وجعل للسماء لوناً خلاّباً يسرّ الناظر لها، وجعل النجوم زواهر، والبدر بأشكاله المختلفة، ولونه الجميل، ثمّ هذه التجمّعات للنجوم والكواكب، فالناظر للسماء يجد لوحاً فنّياً خلاّباً فيه عناصر الجمال، فيه الروح، فيه الفكر، فيه الجمال، فيه العلم... فسبحان الله البارىء الخالق المصوّر، الذي خلق كلّ شيء فأحكم خلقه، وجعل لكلّ خلقه سُنناً متكاملة محكمة.
فالجمال من خصائص المخلوقات، أوجده الله سبحانه نعمة وحكمة، فهو مسرَّة للنفس، وهو من آياتهِ تعالى في خلقه، فسبحان الله وله الحمد.
|