كلمة العدد التاسع


   أشار أفلاطون إلى أن الأسرة في طبقات الشعب تقوم على نظام وحدانيّة الزوج والزوجة وترتكز على التعاقد المشروع ، أمّا في طبقة الحراس فلا أسرة بالمعنى المعروف فالعلاقات مباحة بينهم بشرط الكفاءة لضمان نسل ممتاز ويخضع الأطفال لتربية موحدة ، إلا أنّه مع ذلك يحرم اتصال الرجل جنسياً ، بأصوله ( الأم والجدة ) وفروعه المباشرة ( البنة والحفيدة ) وكذلك بالنسبة للمرأة كما يحرم زواج الأخوة ولما كان من المتعذر في ظل هذا النظام المختلط تحديد أواصر القربى فقد حدد أفلاطون مرحلة زواجية تمتد بين 7 ـ 10 شهور ينسب فيها الأطفال للزوجين ويعتبروا اخوة ... وأوصى أفلاطون بأن يكون سن الانجاب للمرأة بين 20 ـ 40 والرجل 25 ـ 55 سنة وعلى الزوجان أن يتوقفا عن الانجاب بعد هذه السنة لأن ثمرات ( أبناء ) الشيخوخة كما هو الحال في الشباب المبكر تكون ضعيفة البنية ، ومن هنا أباح أفلاطون اعدام ضعيفي الأجسام والمرضى والمعوقين والمشوّهين وذلك في سبيل مدينة مثالية .
   وناقش أرسطو سن الزواج بمقولة مؤداها ان الطبيعة قد حددت قدرة النسل الى السبعين في الرجال والخمسين في النساء مما يتوجب معه أن يكون الإنجاب في حدود هذه السن دون تأخير أو تبكير حتى لا نحصل على نسل ضعيف أو تحدث مخاطر للأم ، لذا فان السن المناسبة للزواج والتي تكتمل فيها الحواس هي 18 سنه للنساء و37 سنه للرجال حيث النضوج واكتمال القوي والوفاء بالاتزامات والتناسل ، ويتوجب أن ينقطع الانسان عن التناسل حين يصل العقل الى غاية نموه وهو حوالي سن خمسين أو أكثر قليلاً ، وأشار إلى الخيانة الزوجية واعتبرها جريمة تستحق العقاب خاصة إذا حدثت في المدة المحددة لتناسل وطالب باعدام ثمرات هذه الخيانة كما تطرق في دعوته لاعدام الأطفال مشوهي الخلقة وفاسدي التربية وأبناء سفاح المحارم .
   وحمل بعض مفكري الرومان ( Gaius جايوس ) على السلطة المطلقة لرب الأسرة مثل حقه في قتل الأبناء أو بيعهم واستعباد الزوجة وطالبوا بأن يسود الأخاء والمحبة حياة الأسرة ، وانتقدوا القوانين التي تتيح الزواج للذكور في سن 14 سنة والاناث في سن 12 سنة وعدم الزواج من غير رومانية واعتبر أبنائها أولاد سفاح يحل دمهم ، إلا أنّه يجب التنويه إلى التشريعات اليونانية في مجال زواج الشخص بأصوله وإن علوا وفروعه وان نزلوا والقرابة الفرعيّة ( قرابة الحواش ) التي كان التحريم فيها مقصوراً على درجة واحدة .
   كما عنيت التشريعات المسيحية بشئون الأسرة والزواج وأصدر « Nic'ee مجمع نيسه » عام 325 م عدة قوانين تتعلق بالخطبة وهدايا الزواج وتأثيث البيت وأسباب فسخ الزواج والوصية والميراث والولاية والوقف والايصاء ودرجات القرابة ومحارم الزواج وزواج الأرامل بعقد ومهر أو بدونها وحقوق المرأة إذا فارقت زوجها أو طلقت وحقوق الزوج في مال الزوجة والقذف والزنا ، والتبني والأبوة الطبيعية والقانونية وحرمان المتبنى من الميراث والرجوع في الوصية وطبقات المحارم وموانع الزواج وحدود الطلاق .
   واعتبر كونت الزواج استعداد طبيعي عام وهو اتحاد تلقائي بين الجنسين
   نتيجة تفاعل الغريزة مع الميل الطبيعي المزود به الكائن الاجتماعي ، والزواج بصفة طبيعية يجب أن يكون ثنائي أي قائم على وحدانية الزوج والزوجة Monogamy لأن هذا النوع يتفق مع دوافع الطبيعة البشرية ، والزواج هو أساس البناء الاجتماعي وأي عامل يضعف من دوره يؤثر على النظام الاجتماعي لذا فهو يرفض الطلاق أو تكرار الزواج لأنه من مظاهر الخلل وعنوان حب الذات .
   وتكلم وارد Ward عن الحب الزواجي بين الزوج والزوجة في النظام الثنائي Monogamy والذي سبقته مرحلة الشيوعية الجنسية ـ على حدّ قوله ـ والتي أثرت في الأجيال اللاحقة في صعوبة الرضا بالزواج الثنائي واطلاق العنان للعواطف ، ويرى وارد أن أقدم مظهر للحصول على الزوجة هو الاستيلاء على المرأة بالقوة والذي كان من نصيب الرجال الأقوياء دون غيرهم من الضعفاء الذين كتب عليهم العزوبة ، وقد تعرّضت هذه الآراء لنقد شديد من علماء الاجتماع .
   ويرى سمنر أن الطبيعة زودت الرجال والنساء بجاذبية ساعدت على بقاء الجنس البشري في إطار الزواج الذي يتحقّق فيه العاطفة الجنسية والتعاون على تحقيق ضرورات المعيشة وانجاب الأطفال في قيود حدّدها المجتمع ، وتعرض للطلاق واعتبره من مظاهر الانحلال الأسري وطالب بالحد من الغلواء فيه ونادى بدعم الزواج الثنائي واعتبره عنوان إنكار الذات (1) .
   وخلاصة القول أن تاريخ الفكر الاجتماعي لم يخل من التركيز على الزواج ووضع الضوابط التي تدعم كيان الأسرة وتقوي أواصرها وتهيئ المناخ المناسب لتضامن وتعاون أفرادها وحسن تنشئتهم جسمياً وروحياً وتربوياً .

   1 ـ مصطفى الخشاب : دراسات في الاجتماع العائلي 14 ـ 42 .