كلمة عدد الخامس :


  « الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، المصباح في زجاجة الزجاجة كأنّها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار ، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم » (1).
   المشكاة هي الحفرة في الجدار التي تساعد على تركيز الضوء حيث يوضع المصباح فيها ولو تصورنا ان هذا المصباح الموضوع في المشكاة ، في وسط الزجاجة تعمل على عدم تشتت الضوء والزجاجة تشت الضوء والزجاجة كأنّها كوكب دري الذي يشبه الدرّ في اندفاع ونقاء ضوئه ، والزيت الذي يشعل نور المصباح هو زيت الزيتون لا شك ان النور الذي سوف يخرج سيكون على درجة كبيرة من الاضاءة هكذا يشبّه الله نوره في السموات.
   ان نور الله هذا ينزل على قلب كلّ انسان ولكن كيف يمكن ان نستفيد من هذا النور ونجعله مضاعفاً.
   لابدّ ان يوضع في مشكاة ومصباح عبر زجاجة اى نحافظ عليه بشتّى الوسائل الممكنة.
   وما المصباح الذي يحوي النور الا عقل الانسان.
   وما الزجاجة التي تمنع تسرب النور الا الأحاسيس الانسانية كالعين والأذن التي تكشف نور المصباح.
   ولكن اين تلك المشكاة التي تعمل على تركيز ذلك النور وتوجيهه.
   هنا يطلع القرآن أدق تسمية ويسطّر افضل مفهوم الأسرة حين يقرر أن الأسرة هي مشكاة لنور الهداية والرسالة ، لتربية النفس البشرية بأفضل ما يمكن وتنميتها ، وذلك لتتضاعف ثمارها.
   اما اذا وضع النور في رياح الشهوة فسوف يقل اشعاعه ، لذلك لابدّ من وضعه في مشكاة الأسرة الفاضلة.
   لأن الايمان فيها ينمو نمواً طبيعياً معتدلاً ومن دون اسرة فاضلة ومع تراكم العقد والاحباطات النفسية فأنه من الصعب ان تنمو روح الايمان في الانسان واليكم هذه الحادثة :
   صادق شاب مؤمن ، ذو اخلاق حسنة ، تربى في جو أسري منعم بالحب والحنان ، ولأبوين مومنين ، وعلى درجة كبيرة من الثقافة والايمان ، أنهى دراسة الثانوية وقرّر السفر لاكمال دراسته في احدى الدول العربية ، ان اول ما واجهه صادق هو قلة الأصدقاء ولكنه عوض ذلك بتوجهه لتحصيل الدراسي ، لقد طرح استاذ مادة الفلسفة الكثير من الآراء والافكار التي لم يتعوّد صادق على سماعها .
   تأثر صادق في بادئ الأمر بأستاذة ولكن روحه ووجدانه الداخلي كانا يرفضان تلك الأفكار مع ادلتها ، وهكذا ظل صامداً امام تلك التيارات الالحادية مع قلة وجود الأصدقاء المؤمنين ولكنه كيف استطاع ذلك.
   « انه كان يتذكر في خضم الجو الكثير من اجابات والديه وهو في صغره عندما كان يسأل عن الله والحياة والكون .. لقد كانت تلك الاجابات البسيطة الصادرة بدقة من الوالدين متراساً يمحي صادق من التيارات الفكرية العاصفة لقد هدمت تلك القاعدة كل تلك الأفكار التي كانت صادرة من استاذ الفلسفة وفي ذلك يقول ( ريموندبيج ) : « ان اول صورة يرسمها الطفل في ذهنه عن الله تتبع من علا قته مع والديه وكذلك أول فكرة ترتسم في مخيلته عن الطاعة والسماح والاستقامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلوك الأسرة .. ولا يملك الوالدين الفرصة المناسبة لتربية نفس الطفل وتنقية افكاره بل عليهما ان يعرّفا الله لأطفالهما باحسن صورة وقوة ، وبكل ارادة ومتابعة ، وهما في هذا يستطيعان ان يستطيعان ان يستعينا بمصدرين فيّاضين ، اولهما الدين والثاني الطبيعة ».
   كما أن ( صادق ) كثيراً ما كان يتذكّر تلك القصص التي كانت ترويها لها امه وهو على فراشه قبل النوم عن الأنبياء والرسل ومحمد النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار والعلماء الصالحين فكانت تلك القصص هي السور الثاني المنيع الذي حصل عليه صادق من أسرته وكانت له نعم العون.

  1ـ سورة النور ، الآية 35.