|
لقد كانت سنّة الله أن بدأت الحياةُ الاجتماعية بالزّواج بين آدم وحواء ، قال تعالى : ( والله خلقكم من تراب ثمّ من نطفة ثم جعلكم أزواجا ) (1). فالزواج هو القانون الاجتماعي السليم ، ولن يجد الناس بديلا لهذا القانون ، ولهذا فقد اتفقت الرسالات السماوية في هذا المبدأ وفي تحريم الاتصال غير الشرعي. وقد ينظر الشبان والفتيات إلى عدم الزواج نظرة الحرية وقد يُحبّذونه ويجذبهم مبدأ قضاء شهواتهم مع من شاؤوا وكيفما أرادوا وفي أي وقتٍ رغبوا ، هذه النظرة وتلك الفكرة قد تبدو لهؤلاء في عنفوان شبابهم نظرة سليمة وفكرة لامعة إلا أنّ الأمر عندما يؤول إلى واقع عملي وبعد زوال طيش الشباب ، فإنهم يدركون عاقبتها الوخيمة ويدركون جيدا أنه ليس هناك فكرة أكثر فتكا بكيان الفرد والمجتمع من هذه الفكرة ، لأنّ من ورائها شيوع الأمراض الفتّاكة بالبشر . ولننظر إلى بعض المجتمعات التي تحولت فيها تلك الفكرة إلى حياة عملية لنرى النتيجة ، ولنضرب لذلك مثلا بروسيا التي سادت فيها تلك الفكرة ، وخاصة عند الشباب في المراحل الأولى من حياة الفكرة الشيوعيّة ، وبوجه خاصّ شيوعية النساء والدعوة إلى أنه لا حاجة إلى الأسرة ، ولا حاجة كذلك إلى الأسرة ، ولا حاجة كذلك إلى الزواج ، وليس هناك حبّ حقيقي روحي وإنما هي تعبير عن حياة جنسية مادية . وعندما انغمس الشباب في الحياة الجنسية دون قيد أو شرط ، وصرفوا كلّ اهتمامهم نحو الإباحية ، أدرك العقلاء والأطباء أنهم متّجهون نحو الهلاك لا محالة . وكان لابدّ لكلّ عاقل أن لا يرضى أن يكون أباحيّا ، وتأبى نفسه أن ينظر إلى المرأة لمجرّد كونها أنثى يتخذها أداة لقضاء شهواته ولذّاته بالحرام والدّنس . أخطار الإباحة الجنسية على الأزواج : حين انتشرت فكرة الإباحية الجنسية في أوروبا وأمريكا وجدت رواجا ، والذين تحمّسوا لهذه القضية فقد انتحر كثير من الأزواج عندما وجد شريكته مع الغير ، وهذا قول أحدهم قبل الانتحار : « زملائي وحكومتي لا أزال مؤمنا بتعاليمي وجهادي في القضاء على الغيرة الجنسية ، ولكنّي رغم تقدمي في السّنّ أحببتُ زوجتي الجميلة حبّا مفرطا ، ولما كانت خيانتها الزوجية وارتماؤها في أحضان سواي أمرا لم أعد أطيقه ، فقد ارتطمت سفينة حياتي بصخور صدّعتها ولم يكن للحياة بعد ذلك معنى ، وكان لابدّ من أخذ حياتي بيدي فمعذرة الوداع » ثم انتحر ؟ وهكذا لايجد الزوج الذي تخونه زوجته ولا يستطيع على منعها من ممارسة الإباحة الجنسية « أي ممارسة الخيانة الزوجية » لا يجد أمام ذلك إلا أن يُنهي حياته بيده ، ولا عقوبة أفظع من حكم الإنسان على نفسه بنفسه ، بالإعدام ، مع تنفيذه بيده !! لذلك لابدّ من الحيلولة بين هذه الإباحية المنكرة ، وبين الحياة الزوجية ، حفاظا على كيانها ، وإبقاء على أفرادها . وبعد هذا كله نؤكّد للشّباب مرة أخرى أنهم عندما ينساقون وراء هذه الفكرة ـ فكرة الإباحية أو الفوضى الجنسية ـ فإنهم عند ذلك لن يجدوا حدودا لقضاء شهواتهم من ناحية ، ولن يجدوا الاطمئنان النفسي من ناحية أخرى ، ولن يستطيعوا أن يحتفظوا بصحتهم من ناحية ثالثة ، لأنّ الشهوة طاقةٌ للإنسان ، فإذا زالت الحواجز والضوابط لها تبددت هذه الطاقة ، وتلاشت ، والإنسان إذا تجرّد من الضوابط التي تحميه ، فلن يستطيع أن يقف أمام شهوته الدافعة ، فكلّ امرأة يراها ويعجب بها يحاول قضاء وطره فيها ، وإذا هي لم ترغب فيه يجد الكآبة في نفسه لأنه لم يستطع تحقيق غرضه وإشباع دوافعه ، وإذا تحقق مطلبه في كلّ مرة فإنه يُبدد قواه ويفقد صحته ، ثم يفقد إرادته والسيطرة أمام رغباته وشهواته الطاغية ، وبالإضافة إلى هذا يصبح همه وهم أمثاله السعي وراء النساء يلهثون وراءهنّ في الشوارع كالكلاب ، وقد تفعل النساء مثل ذلك ، وهكذا سيبحث كل واحد عن ليلاه . والتي يعتبرها ليلاه قد لا تقبل أن تكون ليلاه والعكس صحيح وهكذا دواليك. ثم إنّ تحكّم الشهوات في حياة الإنسان يضيع السموّ الروحي والاهتمامات اللائقة بالإنسانية فييضيع العمل الجاد المخلص من أجل المجتمع ومن أجل الأمّة ومن أجل الإنسانية جمعاء ومن ثم لتختفي الجوانب الرفيعة من الحياة وتتحول الحياة إلى حياة نتنة وإلى وباء مستفحل وإلى ظلام دامس يقعون فيه ثم يحاولون الخروج فلا يستطيعون ! وقد يظن البعض أنني بذلك مبالغ في الوصف ، غير أنني أقول : إنّ ما كتبتُهُ هنا لا يساوي عشر ما كتبه كبار الأطباء والاجتماعيين في الغرب عن مضار الزنا وآثاره ، وتحول الناس عن الزواج الطاهر وحياة البيت السليمة ثم ما آلت إليه الحياة الأسريّة من عدم الاستقرار وما إلى ذلك ، وإني ما اختبرت من هؤلاء الذين سلكوا هذا الطريق الخاطىء إلا ورأيتهم نادمين على فعلتهم وغير راضين عن مسلكهم ، يحسب الرّائي من بعيد أنهم في سعادة ، ولكن في الحقيقة ظاهرهم سعيد وباطنهم جحيم . ولهذا فلا تكون متعصّبين للإسلام إذا قلنا إنه خير دين جاء بقوانين أو تشريعات ناجحة في هذا المجال ، إنه جاء بنظام يحتفظ الناس فيه بصحتهم البيولوجيّة والسيكولوجية ، فلا يبدّدون طاقتهم لأنه منع من الافتتان وحرم الزنا وأباح الزواج ، والزواج لا يهلك الطاقة ، لأنه ليس هناك مثيرات فاتنة ، يلقاها الإنسان كل يوم فالزوجة مثيرة عادية . ثم إنه وجه الإنسانية إلى الحياة الرفيعة والسمو والعمل من أجل الناس ومن أجل الدين ومن أجل الإنسانية . ولهذا كان الإسلام نورا أمام الناس ونهجا سليما للحياة الفردية والاجتماعية ، وصدق الله العلي العظيم :( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها ) (2). والزواج أخيرا في نظر الإسلام ليس كله تكاليف ، وإنما إلى جانب التكاليف فيه متعة ، فالغُنم بالغُرم مبدأ من مبادىء الإسلام والأمل في التمتع يدفع الإنسان دائما إلى النشاط والاستمرار في العمل وتحمل المسؤوليات والقيام بالأعباء. والإنسان بحاجة إلى التمتع في الحياة ، أحيانا تكون الحاجة إليه جسمية وأخرى نفسية وثالثة روحية ، ولأنه يُرفّه عن الإنسان ويُسرّي عنه . ولهذا أباح الإسلام التمتع في جميع مناحي الحياة ، ولكن في حدود الحلال أو التمتع الطّيّب لا الخبيث منه ، فقال تعالى : ( قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات مِنَ الرزق قل هي للذين امنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيا مة ) (3). وقال الرسول صلى الله عليه وآله : « الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة » (4) وقال تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لايات لقوم يتفكّرون ) |
|
1 ـ سورة فاطر ، الآية 11 . |
2 ـ سورة الأنعام ، الآية 122 . |
3 ـ سورة الأعراف ، الآية 32 . |
|
4 ـ رواه مسلم ج2 ، ص1090 كتاب الرضاع . |
5 ـ سورة الروم ، الآية 21 . |