الطفل المدلّل


لربما سأل سائل : هل يؤدي اتباع طرق تربوية صارمة إلى نتيجة ايجابية ، كترك الطفل يستمر في البكاء ، وعدم هزّه في المهد ، وعدم اجابته إلى طلباته كل مرّة ؟ والجواب عن ذلك هو النفي ، فحتى السنة الأولى من العمر يبكي الطفل لأنه يرغب حقا في الحصول على شيء ولا يملك القدرة على الشعور بالدلال . وبعد السنة الأولى يشعر الطفل الذي يجد تلبية دائمة لرغباته في نهاية المطاف بأنه متعلّق بأمّه تعلقاً مفرطاً ، ولا يقبل استجابة سلبيّة منها ويصبح معتمداً عليها ولا يقدر أن يكون مستقلاً عنها وتتجسّد هذه العوامل إذا بقي والداه تحت رحمته يحققان كل نزوة من نزواته ولا سيّما عندما يكون هو بكر والديه أو إذا جاء هذا الطفل لوالديه بعد طول انتظار .

وطبيعّي أن الأبوين يوليان اهتمامهما كله للطفل ويحاولان عدم حرمانه من أي شيء حتى يصلا إلى مرحلة فرض وجودهما عليه بصورة مستمرّة وبعد ذلك ، عندما يبتعدان عن الطفل ، ينتابه شعور بالهجر يورثه احساسا بالقلق وعدم الاطمئنان ، فيميل إذ ذاك إلى المضايقة والتشكي . والدلال في معظم الأحوال لا يفسد الطفل إذا كان هذا الطفل يتلقّى في أثناء الحياة اليومية القدر المناسب من الحنان والإهتمام والتعاون ، ولكن بشرط أن يترك وشأنه لفترات معيّنة من الزمن .

وخلاصة القول أنّ الطفل بحاجة إلى الأنس والحنان قبل كل شيء ولكن ينبغي أن يتاح له المجال ليكتسب استقلاله الذاتي . ففي ذلك يتمثل النمو المتوازن الحقيقي له وربما كان هذا هو الطريق الوحيد لتوازنه ومن دون هذا التوازن تبرز عيوب التربية . والحق أن هذا القول ينطبق على الاطفال الصغار ، ذلك أنّ هذا برنامج التربية يختلف باختلاف السن ، فالطفل الحديث الولادة ـ كما سبق أن رأينا ـ يبكي من الألم ، فتأخذه أمّه وتحضنه بين ذراعيها وتهزّه فيهدأ ، وعلى النقيض من ذلك ، إذا خدش طفل في الثانية أو الثالثة من العمر نفسه ، أو سقط من مرتفع وجب على أمّه أن تواسيه وتعمل كل ما في وسعها لارضاء شعوره وأن تخفف في الوقت نفسه من هول الحادث ، وتبعد انتباهه عنه بجعله يفكر في أشياء أخرى ، وصرف اهتمامه عن بكائه وألمه إلى حدّ كبير .

والحق أنّه ينبغي للأمّ الإهتمام بطفلها في الحالات جميعاً ، وعدم قصر اهتمامها به على بكائه ، أو تعرّضه لمشكلة معيّنة فذلك يفسد الطفل ويجعله بكاّء ، إذ لا بأس في أن تحضن الأم طفلها وترعاه عندما يكون في مزاج سعيد وذلك حتى لا يشعر بضرورة اللجوء إلى البكاء والغضب عندما يواجه موقفاً غير سار . فإذا شعر الطفل أو اعتقد أنّ والديه لا يمنحانه وقتهما إلاّ عند بكائه وصراخه أخذ إذ ذاك بالتمثيل وتجسيد كل ما يتعرّض له من المواقف التافهة ، لذلك ينبغي الإهتمام بالطفل واحاطته بالحنان في حالة هدوئه فذلك يورثه ثقة في النفس أثناء نموّه ، ويمنحه مزيداً من السعادة .

وعندما يبلغ الطفل السنتين تبرز مشكلة تربيته من دون تدليله ، ففي السنة الثانية يبدأ الطفل باطلاق الرفض المتمثل في « اللاءات » ، والسنة الثانية هي سنة صعبة ، لأنها سنة تجارب واستقصاء . وفي السنة الثانية هذه يبدأ الطفل بالمشي والكلام ، ويمثل ذلك ثورة صغيرة في طريقة حياته السابقة التي كانت تتسم بهدوء نسبي حتى هذه المرحلة .

والطفل عند انتهاء سنته الأولى يستطيع اظهار عواطفه من غضب وغيره وحب واستياء عن طريق اشارات مميّزة واضحة . أمّا في السنة الثانية فهو يستطيع السير إلى أماكن لم يكن حظّه منها سابقاً سوى أن ينظر إليها بعينيه ، وهذا ما يمنحه ثقة في نفسه ، كما يستطيع الإمساك بالأشياء وامتلاكها ، وأن ينطق بالأسماء ، ولا سيّما كلمة « لا » . وهذا الإستقلال الحديث للطفل ربما أضفى عليه صفة العدوانية والجرأة فأوجد موقفاً محرجاً أمام الحنان الذي تمنحه إياه الأم ويزداد هذا الموقف احراجاً مع استقلال الطفل الذاتي .

وفي هذه المرحلة ينبغي للأبوين اتخاذ موقف مختلف ازاء الرفض والنفي لدي طفلهما الذي يرفض ، على سبيل المثال ، ارجاع شيء سبق أن أخذه ، أو لا يرغب في الطعام إلاّ إذا حصل منهما على كل ما يريد . ومن الطبيعي أن يفضّل التعامل وإياه بطريقة وسطى لا تجعل منه طفلاً مدلّلا ينال كل ما يرغب فيه ، ولا تكبح كذلك محاولاته الأولى للاستقلال بصورة فظّة . وعلى الأم أن تقبل استقلال طفلها الذاتي . وإنجازاته الأولى « واللاءات » التي يقذف بها في وجه كل شخص . ومن جهة ثانية فإن على الأبوين ألاّ يقمعا موقف التحدى هذا بشدة ، وإن قبلاه من جانب طفلهما ، إذ ليست هذه المرحلة سوى مرحلة عابرة يفترض أن تزول بعد أشهر معدودات . ومهما يكن من أمر ، فإن تلبية مواقف الرفض من جانب الطفل في أثناء هذه الفترة لا تعني تدليل الطفل ، بل هي في الحقيقة جزء من نمّوه النفسي .



الأشقّاء وتنافسهم


يمثل الأخ أو الأخت ، اللذان يولدان للأسرة الواحدة ، مأساة نفسيّة في معظم الأحيان تؤثر في أفراد العائلة كافة وتدفع الأبوين إلى تعديل موقفهما . بيد أنّ هذا الموقف له يكون سهلاً أبدا بالنسبة إلى الطفل الأول . ويميل كثير من الآباء إلى اخفاء المولود الجديد . ولكن من المستحسن أن يتعوّد الطفل الأوّل بصورة تدريجيّة على المولود الجديد ، ولربما استطاعت الأم المساعدة في تعويده على فكرة المولود الجديد بأن تسمح له بالإستماع إلى حركات الجنين في بطنها ، أو جعله على دراية بحجمه المتزايد .

ومهما يكن من أمر فإن كل تغيّر يطرأ على المنزل بسبب المولود الجديد ، كتغيير الغرف ، والثياب والمعدة لكسوة المولود الجديد ، وكذلك الزيارات التي لا بدّ أن يقوم بها الأقارب ، كل ذلك يجب أن يتّم قبل الولادة بوقت طويل حتى لايعجّ المنزل بالأعمال قبل موعد الولادة بأيّام قليلة .

ومن المستحسن ابعاد الطفل الأكبر عن المنزل عند عودة الأمّ إليه من المستشفى وذلك لمنع الطفل من المشاركة في مجموعة من الأعمال التي تخصص للمولود الجديد وحده . ثم تتمّ إعادته إلى البيت بهدوء فيرى أخاه في مهده وقد تمكنت الأمّ من مواجهة الواقع الجديد بأكبر قدر من الدقة والحذر . فإذا كان الفارق في السن بين الطفلين أقل من سنتين قلّت المشكلات وخفّ الحصر النفسي للطفل الأكبر .

ومهما يكن من شيء فالطفل الأكبر يحسّ بالتغيرات كافة التي تطرأ على حنان الأم نحوه ويشعر كذلك بالتبدلات النفسيّة التي تبدو في نظرنا نحن عديمة الأهميّة . وربّما نشأ التوتر أحياناً من إقلال الأمّ للإبتسام في وجه الطفل الأكبر ، أو من عدم قدرتها على تحمّله ، فينبغي لها في هذه الحالة أن تتجنب التوتر قدر ما تستطيع ، كما ينبغي لها أيضاً مراعاة أنشطتها وبرامجها اليوميّة السابقة ، كالقيام بنزهة على الأقدام أو زيارة الاصدقاء أو الأقارب ، مع محاولتها إشراك طفلها الأكبر بصورة تدريجيّة في حياة مولودها .

فإذا كبر المولود الجديد بعض الشيء وجب عليها اتباع سياسة نفسية تجاه الطفلين معا ، فلا ينبغي لها مثلا أن تثير في الطفل الأكبر غيرة من أخيه بأن تقضي قدرا كبيرا من الوقت في رعايته . ومن جهة ثانية ينبغي للأم أن تحرص على ألاّ يطغي شعور الطفل الأكبر الغريزي بالسمّو على العالم العاطفي الرقيق للمولود الجديد ، إذا غالباً ما تنشأ في الحقيقة توترات بين الطفلين وإن بدا عليهما التوافق والإنسجام الظاهري ، ولربما أبدى الطفل الأكبر غيرته من أخيه الأصغر بسلسلة من نوبات غضب سخيفة ، أو حتى عن طريق إشارات استياء وغيظ في أثناء اللعب ، أو التسلّي بممتلكات أخيه الأصغر . والحق أن من المستحسن أن تحاول الأم في مثل هذه الأحوال منع ذلك الغضب والامتعاض من جانب الطفل الأكبر ، بمعاملة طفليها معاملة متساوية ، وإن كان ذلك أمراً مستحيل التحقيق في معظم الأحيان . ولعلّ أفضل حلّ هو الذي يتمثل في تعاطف الأم معهما وتقديم التفسيراتللطفل الأكبر ولا سيّما إذا كان يستوعب مثل هذه التفسيرات .

وينبغي الاّ تلجأ الأم إلى معاقبة الطفل الاكبر أو إلى فرض أنواع أخرى من القيود عليه لكبح غيرته من أخيه الأصغر ، فذلك يورثه مشاعر سلبية غير سارّة ربّما تستمرّ طوال فترة الطفولة ، وتؤدي إلى نشوة عديد من المشكلات بالنسبة إلى الأمّ ونموّ طفلها الأصغر . وعلى الأم أن تتوقع شيئا من التنافس والكذب لدي طفلها الأكبر ، ولكن من المستحسن أن تسيطر على الموقف في مثل هذه الحالة .



الخوف من الغرباء


عند الحديث عن نفسيّة الطفل خلال الأسابيع الأولى من حياته ، رأينا كيف أن الطفل يتعلّق تعلقاً وثيقاً بالأشخاص الذين يحققون له حاجاته الغذائية الاساسيّة ، ولكن يستحوذ الخوف على الطفل بعد شهر واحد من ظهور هذه العلاقة . ويبدأ يخشى من الأشخاص الذي يقتربون منه مع أنه كان يقبلهم سابقاً ، ونقصد بذلك خوف الطفل من الغرباء ، ففي أثناء الأسابيع الأولى يتجاوب الطفل بالطريقة نفسها مع جميع الأشخاص الذين يتعاملون معه ولكنه يشرع منذ الشهر الثالث بعملية اختيار الناس الذين يحيطون به . وتتمثل النتيجة الأولى من خوف الطفل هذا في تجاوبه البطيء مع ابتسامة الغريب . ومع مرور الزمن يبطئ الطفل في التجاوب حتى يصل إلى حدّ يكفّ فيه عن هذا التجاوب ، ويستبد به خوف شديد من الغرباء بين الشهرين الثامن والثاني عشر .

والحق أن هذا النوع من عمليّة الاختيار الاجتماعي يدفع الطفل إلى مزيد من التعلّق بأسرته وبالناس الذين يحيطون به كل يوم . وواقع الأمر أن رفض الطفل أو قبوله للناس ، وقدرته على التمييز بين الأشخاص ، كل ذلك يعتمد على استجابته للمعلومات المتوافرة لديه عنهم .

ومهما يكن من أمر فيجب ألاّ نتوقع من الأطفال جميعاً أن يكون لديهم ردّ فعل واحد ، فبعضهم يبتسم في وجه الغرباء من دون إبطاء ومن جهة ثانية فإنّ الطفل وإن كان قادراً على تمييز أمّه منذ اللحظات الأولى من حياته ، إلاّ أنه لا يشعر بفقدانها إذا هي غابت عنه ، فهو إذن قادر على تمييزها حاضرة دون تذكرها غائبة وعلى هذا فهو لا يستطيع اتخاذها معياراً لمقارنتها مع غيرها .

والخوف من الغرباء ينشأ كمل رأينا لدى الطفل عادة في الشهر التاسع تقريباً . وربّما نشأ بعد الشهر التاسع ، وهذا يعتمد على عوامل مختلفة تتصدّرها علاقته بأمّه . كما أن الناس الذين يتصلون بالطفل أو يرعونه قد يسرعون أو يؤخرون تماسه ودخوله إلى العالم الخارجي . هذا وإنّ رفض الطفل لهذا الاتصال بالناس لا يدلّ على موقف ثابت من جانبه إذ يتغيّر هذا الموقف في البيئة أو الوسط الذي يعيش فيه وذلك بحسب الأشخاص ، والأشياء التي يتصل بها .

وتعدّ هذه قاعدة أساسيّة تؤثّر في مراحل التعليم كافة التي يمرّ بها الطفل ، فقدرة الطفل على النموّ ، وتصوّر الأشخاص الذين اعتاد التعلّق بهم حتى في أثناء غيابهم ، والأمان الذي يستمدّه من هذا التعلّق ، وكذلك محاولاته الأولى للاستقصاء والاستقلال الذاتي ، كلّ ذلك يقرّ به بصورة متزايدة من مواقف جديدة ، ومن اناس لا يعرفهم .

ونتيجة لذلك يتناقص خوف الطفل من الغرباء بصورة طبيعية وجادّة ، وتستمر أمّه بأداء دور جوهري خلال هذه المرحلة من الخوف والعداء نحو الغرباء . والحقّ أن الأمّ هي التي تستطيع إرشاد طفلها ودفعه إلى خبرة اجتماعية أكثر نضجا ، وهي التي تعرّفه أيضاً على خبرات عاطفية جديدة عليه تساعده على الاختيار ، وتمنحه الثقة اللازمة لتنفيذ هذه المحاولات الأولى في التكيّف الإجتماعي . ومن جهة ثانية فإن أحد العوامل المهمّة التي تسهم في دخول الطفل إلى المجتمع هي ظاهرة الاندماج الإجتماعي ، تلك الآلية العفويّة واللاشعوريّة التي تدفع المولود الجديد إلى تبنّي شكل معيّن من السلوك . فإذا كان الطفل ذكراً وجب على الأب أن يؤدّي دوراً بارزاً في عملية إدماج ابنه في المجتمع ، أمّا إذا كان المولود الجديد أنثى فتلك مسؤولية الأم . والحق أن من واجب الأبوين تبادل هذين الدورين النموذجيّين قدر المستطاع حتى يتمكنا من دفع ابنهما إلى الدخول في المجتمع بصورة سليمة .