عندما يعاني الطفل من طلاق والديه يصرخ
إرحميني يا ......... أمي

اذا بدا ارتباط الرجل بالمرأة محتما يرغب فيه الناس ، ويكرسه الزواج ويتاركه الله .. فقد يبدا الانفصال امراً شائعا يثبته الطلاق ويبغضه الله والبشر .
واذا ما اعتبر الطلاق احيانا اهون الشرين ، واذا ما كان الاقرار بالانفصال في بعض الحالات . هو الحل النهائي المفضل ، الذي يضع حدا للصراع المرير بين الشريكين ، فانه في كل الحالات ضربة قاسية تسدد الى الاولاد . وتكاد تصرعهم ، فأي اولاد يترك الطلاق ؟ الحديث عن اولئك الضحايا القاصرين ، الضعفاء ، لايمكن اختصاره بقصة واحدة ، فقصص تلك المأساة عديدة ومتكررة ، لكن على الرغم من اختلافها ، فانك تجد قاسما مشتركا يجمع بينها ، ذلك القاسم المشترك هو اليأس .
ويعكف علماء النفس على دراسة تلك الطاهرة الاجتماعية الخطيرة والنتائج السلبية المترتبة عنها ، ويبحثون عن الوسائل القادرة على معالجتها او التخفيف من آثارها .
ويواجه الاطباء النفسانيون المتخصصون في علم نفس الطفل ، حالات
( 55 )

معقدة ، يبذلون جهود كبيرة في حلها ، وربما كانت عيادة الطبيب النفساني هي المكان الانسب كي تتعرف على جوهر المشكلة . وتعي حقيقة المأساة المؤلمة .
هناك تجد نماذج مختلفة للأزمة ، لكن النتائج كما قلنا متشابهة . يأس ، وضياع ، فقد تصادف ان برعما لم يتجاوز التاسعة من عمره كان حتى السنة الماضية . تلميذا ، مجتهدا ، محبا للمعرفة حريصا على امام واجباته ، قد تحول الى شخص جامد مسمر على مقعد الدراسة . يرفض المذاكرة ، ولايخلو تصرفه من الوقاحة ازاء معلمه ، ومن مظاهر التبدل الطارئة ، عودة ذلك الطفل الى « التبول » في فراشه ليلا على الرغم من ان تلك الحالة قد فارقته مذ كان في الثالثة من عمره ، وبما كان ذلك هو السبب المباشر الذي يدفع الأم الى عرض طفلها على طبيب نفساني ، معربة عن استيائها من ذلك الوضع وقلقها مما تسميه « ضعف ارادة » ولدها ، وهي تعترف للطبيب ، انها جربت الاساليب كلها . فلا الوعود ، والاغراءات الطفولية نجحت . ولا العقوبات ( بما في ذلك اجباره على غسل الاقمشة الملوثة ) قد افلحت ...
وينظر الطبيب في عيني الطفل العسليتين الجملتين . فاذا بهما
( 56 )

تلمعان بالغضب وتتأجج فيهما ظاهرة العدوانية ويتئامل اظفاره التي قضمها بشكل مخيف . وفيما يدخل هذا الطفل مع اختصاص نفساني آخر . الى غرفة مجاورة . للخضوع الى تعض الفحوصات الاختبارية يستعد الطبيب لاجراء حوار مع الأم . ولكن هذه الاخيرة ، تأخذ المبادرة ويباشر الحديث . موجهة التهم الى مطلقها :
وانه خطأ والده .. إنه قاس لايحب طفله ، ولم يكن يتردد في ضربه أو ضربي انا ايضا بعدما تدور الخمرة في رأسه . كان بعد انتهاء العمل يتسكع من مقهى الى آخر . ومن حانة الى أخرى ، متجاهلا . ان في بيته زوجة تنتظره ، وطفلا يتلهف لرؤيته .
ويستمع الطبيب النفساني الى الوالد :
« جو البيت لايعجبني . لولا ذلك . لقضيت معظم وقتي فيه ، لكنه لا يمثل بالنسبة الى سوى اطفال مهملين .. فاذا تكن قادرا على تأسيس عائلة ، عمن الافضل الامتناع عن الزواج وانجاب الاطفال »
وينسى المتحدثون الطفل الضحية ، وينسون فشله في المدرسة واصابته بسلس التبول .
وعود على البدء ...
الطفل الذي يعبر عن آلامه ومعاناته بما يملك من وسائل قد يتوصل بعد خضوعه لعلاج نفساني الى التحدث عن صعوباته ويصبح
( 57 )

بالامكان فتح الحوار معه .
وبالتالي مده بالمساعدة التي يحتاجها في جو من العاطفة ، والحنان ، والثقة ، لاحتمال الاشياء التي يعاني منها . والتي تمعن في تعذيبه ، ويصبح بالامكان كذلك .
بدءاً من هذه المرحلة ، الرجاء في زوال الاعراض . التي تمثل في المرحلة الاولى . وسيلة تعبيرية غير واعية .
ويتجسد الصراع بين الزوجين في مشهد يومي تقريبا .
شجار عنيف ، وتبادل اللوم ، والشتائم ، اثناء وجود الطفل ، ذلك الشاهد المسكين . الذي يذعر عند مشاهدته احب مخلوقين لديه في الدنيا ، في مواجهة مروعة .
لكن النزاع بين الوالدين لا يرتدي دائما شكلا جليا واضحا ، وهناك خلافات عميقة بين الشركين ، تبقى مستترة واذا ما غفل الناس خارج اطار العائلة . عن تلك المنازعات ، فان هذه الاخيره غير خافية عن الطفل ، الذي يعي تماما . تلك الحرب الباردة الدائرة بين الطرفين .
ويكفي الطفل ، ان يسمع والده مثلا يقول له :
مرة اخرى تركتك والدتك وخرجت مع اخيها ، وهي تعرف اني لا أريد ان تعشر تلك العائلة التعيسة ...
( 58 )

أو يسمع رد والدته .
« أغرب عني وأسأل والدك الذي يحرضك ضدي ... »
حتى يدرك عمق الخلاف الواقع بين والديه .
والواقع ، ان حدس الطفل لا يخطىء . وفي بعض الحالات الدقيقة يخرج الطفل بانطباع مشائم لشعوره بعدم وجود رباط حقيقي يجمع بين الوالدين . وهو باختصار يشعر بفقدان الحب . وتولد اللامبالاة ونقص العاطفة والدفء بين أمه وأبيه ، احساسا لديه بالقلق ، والاضطراب .... اذ ان تلك العوامل تحرمه من حاجة ملحاحة واساسية لنموه وتطوره .
يتوقف مصير حياتنا العاطفية ، على بناء شخصيتنا الذي يجري في اللاوعي . ويتطلب ذلك البناء كي يتم بشكل منسجم وطبيعي قسطا كبيرا من الحب ، والعاطفة ، بيديهما الوالدان حيال طفلهما . لكن ما يجب معرفته ايضا ، هو ان الحب الذي يربط الزوجين ، لا غنى عنه هو الاخر ، بالنسبة الى تكوين شخصية الطفل .
وتمر استقلالية الطفل عبر الحاجة الى تعلقه باحد والديه من الجنس المعاكس ، التخلي فيما تعد عن ذلك الموثف والتباهي باحد الوالدين من الجنس نفسه فكيف السبيل الى تخطي تلك المرحلة الصعبة والحاسمة
( 59 )

بنجاح ، عند فقدان عنصر اساسي وضروري بالنسبة الى جو الامان والحب . الذي يكيف تلك المرحلة ؟
وينعكس ذلك النقص بشكل خطير ، على الحياة العاطفية لدى الطفل ، فيتعرض توازنع الى الاختلال ويستقر في داخله قلق عميق ، يترجم باشكال مختلفة .
عدم الاستقرار . اضطراب في النوم ، وفي التغذية ، شعور باليأس ، والتخاذل ، والهروب عبر الاحلام ، بعيدا عن واقع مؤلم ، ويرافق ذلك رفض للواجبات المدرسية واختلاسات تعريضية . وسلس بولي يشير الى تراجع نحو مراحل الطفولة الاولى ... وباختصار كل الاعراض التي تعطي الطفل صفة « المشاكسة »

هل يطلق الوالدان ؟
واذا ما حصل الطلاق . ماذا يحدث للطفل ؟
ربما لا تكون اسوا الحلول بالنسبة الى الطفل ، عودة الامور الى نقطة اللارجوع . لكن ذلك يبقى بالنسبة اليه مأساة حقيقية . فكيف لايشعر بالتمزق ، والحيرة ، واليأس ، وهو الشاهد على انفصال شخصين ، لا يمكن لحبه الجمع بينهما ؟
( 60 )

وما يجب التذكير به هو ان كل انفصال يجب يحضر بعناية ، لتخفيف الصدمة لدى الطفل . وليس ذلك بالامر السهل ، اذ يتطلب حذاقة كبيرة وشجاعة من قبل الجانبين ، وموضوعية ليسا قادرين دائما على اظهارها .
ويبدو ان مساعدة اختصاصي نفساني امر مرجو ، نظرا الى النتائج الحسية التي توفرها تلك المساعدة ، ويكون الطلاق ناجحا ، متى تحلى الطرفان بالنضج ، وضبط النفس ، مما يسمح لهما بالحد من الاضرار الناجمة عن ذلك الانفصال ، التي ترهق كاهل الاولاد .
وليس من النادر ان ترى احد الوالدين . يعرض امام طفله كل تظلماته ، وبكل التفاصيل ... كي يشوه في نظر ابنه صورة الطرف الاخر لكن ذلك يزيد في الطين بلة ، وينمي النزاع ، والتمزق ، داخل ذلك القلب الصغير ، ويعرض ذلك البرعم الى المزيد من اليأس والذبول ، ويسمم شخصيته ويؤخر نموه ...
يكون الضغينة بين الزوجين السابقين عميقة الى درجة يصبح معها الطفل ، رسول حقد بين الوالدين المنفصلين ، ويشعر ذلك الصغير بعقدة الذنب
( 61 )

وهو الضحية .
ويجب ان يعرف الأب وكذلك الأم ، مدى حاجة الطفل الى عطفهما ، وعليهما تقدير تلك الحاجة ، واحترامها ... واثبات جدارتهما بمحبة طفلهما .
وعلى الوالدين المنفصلين ، في مطلق الحالات تخطي الحواجز مهما كانت التضحية كبيرة . لانشاء علاقات مرضية مع طفلهما والواقع . ان هذا الاخير ، يمثل بالنسبة اليهما ، عائقا يحول دون الزواج من جديد ، او الانطلاق في الحياة العملية ويشعر الطرفان ، ان العودة الى الصفر تكاد تكون مستحيلة مع وجود ذلك الطفل ، الذي يصبح عبئا ثقيلا يقودهما الى نوع من الرفض يتجسد في تركه واهماله .
الا يدفع هذا المأزق الصعب ، كلا من الرجل والمرأة ، لمواجهة فشل زواجهما ؟