الحاجة الى الأدب والأخلاق

الانسان موجود يعيش داخل اطار المجتمع والحياة الاجتماعية بحاجة الى مراعات الأصول والضوابط الاخلاقية التي من الممكن ان تكون ناجمة عن دين وفكر الهي أو من صنيعة أفراد المجتمع المستمدة من التعاقد الاجتماعي وفي كلا الحالتين في مجرد وجودها أفضل من عدمها .
لقد عبروا عن الانسان وقالوا بأنه موجود اخلاقي بسبب الاعتقاد السائد بأنه لا حياة انسانية بدون الاخلاق . انكم لا تلاحظون اي اثر للأخلاق في عالم الحيوان . وكل حيوان يقتصر اهتمامه بنفسه وكيفية انقاذ نفسه من المخاطر . وان حدث ان شاهدتم وجود بعض الاهتمامات والمراعاة لدى بعض الحيوانات لابد ان تعلموا بان مصدر ذلك واساسه هو الغريزة وليس التفكير . ان أهمية الاخلاق في الاسلام تصل الى الحد الذي عبر عنه رسولنا الاكرم (ص) بأن السر في بعثته كامن في هذا الامر حيث قال صلى الله عليه واله وسلم ( انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ) وكما جاء في ذكر اخلاق الرسول وما أدبته الآيات القرآنية ( وانك لعلى خلق عظيم ) . وعندما نقف على وصايا القرآن والسنة نجد ان جانبا مهما منها
( 2 )

تختص بالاخلاق والمسائل الاخلاقية . ومن وجهة النظر الاسلامية فانه لا يوجد بعد العمل بالفرائض شيء أفضل من الاخلاق عند الله تعالى ( الكافي ج2 )
* حاجة الطفل الى الاخلاق :
ان اطفالنا بحاجة الى الاخلاق وهذه الحاجة الهامة تمتلك عمقا فطريا وذاتيا في الانسان . وهو ايضا من ضرورات الحياة الاجتماعية . ان الطفل وحسب ذاته وفطرته بحاجة الى ان يكون أمينا صادقا . نظيفا ومنزها وبعيدا عن أي نوع من الخصال السيئة كالحسد . والضغينة ، والبذاة وسوء الظن . والازدواجية والنفاق .
كما انه وحسب حياته الاجتماعية مضطر الى ان يتسم بالاخلاق ليصبح بوسعه ان يحيا مع الآخرين ويعاشرهم معاشرة حسنة . وان يحب الناس ويراعي الاخلاق والصفات الانسانية وضوابط الحياة الانسانية . ولا بد من الاستفادة من هذه الحاجة الفطرية والاجتماعية وان نعمل على توجيه الطفل ودفعه نحو الاعمال الحسنة ، والمرضية ونحو الفضائل الاخلاقية والانسانية في المراحل الاعلى ، وضمن هذا الاطار فقط يتمكن الانسان ان يذوق طعم الحياة الاجتماعية وياخذ يصيبه منها ويسير في
( 3 )

طريق النمو والنضج .
*ضرورته واهميته :
الطفل أمانع الله ووديعته لدى الأبوين . وقد جدلت ذهنيته وروحه بمنأى عن أي تأثير وسلوكه بمنأى عن اي نوع من العادات والخصال السلبية . وفي نفس الوقت فانه يمتلك من القابليات التي تجعله يتقبل الادوار المختلفة . بيد انه من الناحية التربوية يجب العمل على خلق العوامل والادوار التي تصب في صالح حياته الاجتماعية وتنفعه في حياته اليومية . ولو تلقى الانسان الاخلاق واطّلع على قواعده ولم يعرف حقوقه وحقوق الآخرين فان تتوفر له امكانية مواصلة الحياة وليس بوسعه ان يحيا بينهم بوجه سليم . حتى انه من الممكن احيانا ان يصبح وجها مرفوضا وغير مرغوبا به من قبل المجتمع . وكذا الحال بالنسبة للطفل فيما لو اطلع على ضوابط معقولة وصحيحة أو لم يزين يفسة بالاخلاق والطباع المناسبة .
وبقليل من التسامح يمكن القول بان الطفل تتملكه حالة من اللامبالاة ولكي يتحول فيما بعد وعلى اثر ملاحظة السلوك والتشجيع والتلقين الى ان يكون قويا . اذ انه يتقبل كل مانعطيه اياه وهذه المسألة بالنظر الى حاجة الانسان الى الحياة الاجتماعية تمتلك اقصى
( 4 )

الاهمية والضرورة .
ويمكن الوقوف على اهمية وضرورة الاخلاق والتربية الخلاقية بشكل افضل واجلى عندما نصطدم بأفراد لايتمتعون بالاخلاق والتربية الاخلاقية بشكل افضل وأجلى عندما نصطدم بأفراد لا يتمتعون بالاخلاق . اذ ان اغلب المنحرفين والمذنبين في المجتمع هم من الافراد الذين لم ينالوا حظهم الكافي من الخلاق . ومفسدوا المجتمع هم من الافراد الفاقدين للتربية الاخلاقية .
فالاخلاق الملوثة أفسدت أرواحهم وضيعت حياتهم والامراض الاخلاقية المزمنة نسبت في تحبطهم وفسادهم .

الدور النموذجي للآباء :
ان دور الاسرة والأبويين في التربية الأخلاقية للطفل مهم جداً وأساسي .
فالعائلة تمثل المدرسة الاخلاقية الأولى للأطفال ، والأبوين هما أول وأهم المربيين له ، حيث بع سلوكهم واعمالهم . وقوالهم وحصيلة تجاربهم درسا مهما للطفل . وابتسامتهم وتغطية وجوههم . محبتهم وعدم محبتهم . وفاؤهم وخيانتهم صدقهم وكذبهم ، اصالتهم واجرامهم ترسم للطفل معالم حياته الحالية والمستقبلية .
( 5 )

ويقول علماء النفس ان الأسس الاخلاقية لشخصية الطفل توضع في بناء الاخلاق تنطلق من هذا المكان ، ومايشاهده الطفل في البيت يجعله جزء غير قابل للتغيير في خلقه وطباعه ويرسخه بداخله الى مالا نهاية .
ويصدق هذا الامر بشأن الاطفال ويؤثر فيهم الى درجة يقول معها علماء النفس ان السلوك والشخص واخلاق الطفل وطباعه ما هي الاّ انعكاس كامل السلوك والاخرين ومن هذا المنطق فان نمط تعامل الابوين فيما بينهم تأدبهم واخلاقهم واحترامهم لبعضهما البعض ، وكيفية حياتهم ومواقفهم ازاء المسائل والأمور له أثر بالغ جدا في هذا المجال .

كيفية التربية الاخلاقية :
وبناء على هذا الاساس فان التربية الاخلاقية للطفل ما هي الا نتيجة طبيعية للنموذج الذي يتلقاه الطفل من العائلة بيد ان هذا الحديث لا يعني ان نموذج الطفل وقدوته في كل الاوقات هما الاب والام ، بل من الممكن ان بعض الاحيان ان يستحوذ افراد اخرون على قلبه ومشاعره ويوقهونه
( 6 )

في مشباكهم . وهذا الامر الذي نادرا ان يظهر لدى الاطفال الصغار يمكن ان يكون مضرا أو مفيدا وفي طريق مصلحة الطفل .
اذن بمثل النفوذ الى اعماق الطفل ركنا اساسيا في مسألة تربية الاخلاقية نجب ان يأخذه الابوان بنظر الاعتبار . كما ان النصائح والتوجيهات الاخلاقية بناء على هذا الاساس مؤثرة ايضا في هذا المجال . ويجب ان لا يتبادر الى اذهان بعض الأباء ان قناعة المربي بحديثه يمكن ان يكون بنّاءً وهاديا فقط . انكم تملؤون ذهن الطفل بتوجيهاتكم ولا نعرف ان كانت هذه الاملاءات ستترجم الى واقع عملي ام لا . وفي نفس الوقت فان النصائح والتوجيهات بنّاءةً ومفيده للأطفال الصغار وتؤدي الى ان يطبع بها الطفل . والبناء وفسح المجال امام التقيد والالتزام بالاصول والضوابط المدروسة وهنا تكمن أهمية مسألة الهدفية وامتلاك الرؤية والفلسفة الواضحة عن الحياة . ويجب على الاباء ان يطّلعوا على ذلك ويستنيروا به .

المعلومات اللازمة في هذا المجال :
يجب ان يعلم الاباء الأتجاه الذي يتحركون صوبه وماذا
( 7 )

يريدون فعله في التربية الاخلاقية ؟ وماهي الاصول الموازين المراد نقلها الى الطفل ؟ لأّنه عندما يدور الكلام عن الاخلاق فاننا نرى انفسنا امام ابعاد واسعة من المواضع ، وتبدوا امامنا خطوط متعددة من موازين الحياة الاجتماعية وينبغي لنا ان نتخذه تجاه كل منها اسلوبا معينا :
بعض المعلومات تتعلق بموازين المعاشرة على اساس مراعاة حقوق الافراد ، الادب والاحترام ، ومراعاة المحبة والعدل والانصاف . والجزء الآخر يتعلق بالفضائل التي لابد ان تنزين بها ونعرف قدرها وأهميتها ونعرفها للأخرين ، ونعمل على اجاد وخلق العادات المقبولة في انفسنا ونجعل انفسنا في مسار الخير والعلاج .
والقسم الأخر من الاخلاق بشأن مراعاة الادب . والتقاليد والاعراف التي تم الوقوف على صحتها ، ويرى افراد المجتمع انهم ملزمون بالتقيّد بها ومراعاتها مثل آداب الطعام ، والمعاشرة والذهاب والاياب ، والمجاملات ، والقسم الآخر منها بشأن الامور التي تؤدي اللجوء لها والأعتماد عليها الى خلق موجبات الضلال والضياع للفرد والآخرين مثل الرياء والخديعة والنفاق وبالنتيجة من المهم ان يدرك الطفل تدريجيا ما هو الصالح الطالح في كل ذلك وأيّهما حق وأيّهما باطل .
( 8 )

بداية سن التربية الاخلاقية ومراحلها:
الاخلاق بمعنى مجموعة الضوابط المتحكمة بالسلوك يجب ان تراعى بشأن الطفل منذا الأيام الاولى للولادة او أردنا التساهل قليلا من ذلك فيجب ان نجعل ذلك ابتداء من الشهر الرابع للوالدة على الاقل ، اي تلك السن التي ينجح الطفل فيها بايجاد علاقة صميمية مع الوالدين ويكون لتبسمه وبكائه معنى ويصبح كل منها بشكل عامل ارتباط بين الطرفين .
وابتداء من هذه السن يجب ان نعمل على توجيه مسألة التربية ان الطفل يسخر مسـألة البكاء مثلا كعامل تحذير وتنبيه وليس بعنوان وسيلة للأخذ والقبض . أو ان يستخدم اللجاجة لغرض الحصول على مكانة او امتياز معين لنفسه . وهذه المرحلة من العمر تعد مرحلة حساسة واستثنائية خاصة وان الامور التي يتعلمها الطفل في هذه العمر بالاهتمام بعلاقاته الاجتماعية وعلى الأبوين ان يبذلوا ما بوسعهم من أجل ان يبدا الطفل في هذه المرحلة بالذات بالعمل على انسجام توقعاته وآماله مع المجتمع تدريجيا .
العمر من 3 ـ 6 سنوات بمثل المرحلة الثانية
( 9 )

للتربية الاخلاقية والتي تبقى لبناتها حسب اعتقاد علماء النفس الى نهاية العمر وهي تشكل حوالي 70% من سلوك الكبار . ويتعلم الطفل الاُصول الاخلاقية في هذه المرحلة ويتسّم الثناء والثواب والعقاب في هذه المرحلة بأنه اكثر تأثيرا وفاعلية .
المرحلة الثالثة للتربية الاخلاقية نتمثل بعمر 6 ـ 12 سنة والتي تحظى هي الاخرى بأهمية استثنائية ايضا خاصة وان الطفل من الممكن ان يعاني من تضاد وتعارض البيت والمدرسة ويميل بالنتيجة الى أحدهما او على الاقل يأخذ مسحة لنفسه من كليهما . ويلعب سلوك المعلمين والزملاء ، والعوامل المحركة والمثيرة والثواب . والمظاهر ودورا مهما في هذه المرحلة في بناء أو تخريب اخلاق الطفل .

الاخلاق والموازين :
قلنا ان في كل مجتمع هناك مجموعة من الظوابط والشروط يرى الافراد أنهم مضطرون للانسجام معها من حيث البعد الاخلاقي . وأساس المسألة في هذا الامر ان نعرف ماهي الاشياء الجيدة والاشياء السيئة . واي عمل يجب ان نؤديه واي عمل يجب ان نجتنبه وبالنتيجة يجب ان تحرر روح الطفل من الفوضى
( 10 )

ونجعله حساسا تجاه الامور .
كما ان مسألة التحلّي بالقيم والفضائل الاخلاقية في مجال الاخلاق مطلوبة هي الاخرى وكذلك قبول القانون واحترامه . ومطلوب أيضا تعلم اصول وقواعد التربية ويجب ان نبذل المساعي لكي يعتبر الطفل بنفسه على المصادق اذا ان الآباء المسألة اثناء العمل بشكل معين .
ويجب ان يكون الانسجام بمثابة حصيلة الأخلاق وقبول الموازين ومرادنا من الانسجام ليس المقصود به القبول والتطابق الغير مشروط مع المجتمع وثقافته ، بل معرفة الواجب والمسؤولية والسعي من اجل تحقيق ذلك وهذا هو الفرق بين نظام الاسلام في الحياة الاجتماعية وبقية المجتمعات اذ يتمثل الانسجام فيها بالموافقة على ما تعاقد عليه المجتمع .
ان تحديد الموازين المدروسة واحترامها تعد بحد ذاتها وسيلة جيدة لتحقيق النمو الاخلاقي وتمكن مسؤولية الابوين في هذا المجال بحمل الطفل على مراعاتها دون فرض أو اجبار في هذا الخصوص . ان الشعور بالرضا وعدم الرضا اثناء العمل يعد بحد ذاته افضل وسيلة لقبول تلك الموازين .
( 11 )

خلق الفرص الاخلاقية :
والدا الطفل مكلّفون بايجاد فرصة معينة امام الطفل لكي يعدّ نفسة فيها للتمسك بالاخلاق ونعلّم اصوله وضوابطه . وان جانتا من تربية الطفل يرتبط بجدية وجهود الابوين لغرض اتصاف الطفل بالفضائل والابتعاد عن الرذائل .

1 ـ ففي جانب الفضائل المراد هو بناء الطفل لغرض تقبّل الملكات الفاضلة . ترويض الأدب ، التخلّي عن جزء من حقوقه وحرياته للأخرين . امتلاك بعض الخصال كحب الخير والاحسان والتعاون ، والايثار ،والتعاضد الاجتماعي ، ومشاركة الناس في همومهم ، ومواساتهم في أمالهم ومعاناتهم اعانة المحتاجين وبذل المزيد من العون لهم . و.....
2 ـ وفي جانب الرذائل . فالمراد التخلي عن الكبد والغرور ، والرياء والشرك ، والتكبرّ والتعالي ،احتناب العوامل المضرة ومخاطر الانحراف . والتخلي عن الخمول ، والنفاق واليأس ، والشر والانتقام ، والبغض ، الاعتداء والاهانة الميل عن الحق ، والدفاع عن الباطل ، والتحلل وعدم التقيد ، وبشكل عام التخلي عن الاعمال التي تعتبر مخالفة للأخلاق من وجهة النظر الدينية .
( 12 )

المتابعات اللازمة في هذا المجال :
لكي تتبلور الاخلاق بشكل جيد لدى الطفل من الضروري ان لايكتفي الاباء بالكلام والنصح والتحذير فقط او ان لا يتولد لديهم تصور معين بأنهم قاموا بالنصح والتنبيه وكفى . ولم تعد لهم اي مسؤولية أخرى . كلا . اذ يجب عليهم متابعة سلوك واعمال الطفل دائما .
والمراد بالمتابعة والسيطرة هنا ليس استخدام العنف والعقوبة البدنية . كلا ، لان الادب والاخلاق لايمكن زرعهما لدي الفرد عن طريق العناد والقوة وان تمّ ذلك فلن يقوى على الدوام ، اذ لا بد من مراقبة الجوانب الاخلاقية والسلوكية لدى الطفل والسيطرة عليها من خلال الأساليب المتعلقة ، واكتشاف النقاط الايجابية في حياته وتشجيعها وتصديقها . وطبعا لا يعني هذا الحديث عدم لجؤنا الى استخدام الانتقادات البناءة لاصلاح اخطاء الطفل عندما تستدعي الضرورة لذلك .
ان المراقبة ضرورية بشكل اكبر في السنوات الثلاثية الأولى في العمر ، ويتأثر الطفل في هذه المرحلة بروحية الابوين واخلاقهم ومشعارهم بشكل اكبر ايضا . وفي المرحلة الخاصة على وجه التحديد يجب ان لانعمد الى استخدام التنبيه والمعاقبة لغرض
( 13 )

تحفيز الطفل ودفعه الى اداء الاعمال . حيث تظهر في هذه الصورة حالة الاعراض عن الاخلاق وظهور حالة الخوف والفزع والتي تبقى أثارها السلبية في الطفل الى أمد طويل .

الممارسات الاخلاقية :
ومن اجل تربية الطفل اخلاقيا وجعله في مسار الحق والصواب من الضروري ان نحمل الطفل على الممارسة العملية ، مثل مطالبته بأداء التحية على الاخرين والتسليم عليهم ، ومصافحتهم ، ومجاملتهم ، والتعامل مع الافراد بوجه منبسط ، ويظهر محبته واحترامه للآخرين . وان يشعر الرضا في داخله جزاء هذه الاعمال .
ومن التمارين والممارسات الاخلاقية تمرين السيطرة على النفس وتمرين تحمل المصائب والمعضلات . ويجب في بعض الاحيان حمل الطفل على القيام بالاعمال التي لا يحبها وان لا يكون اسير اهوائه ورغباته النفسية ، ويقبل بالامور التي يراها مكرمة بالنسبة له ولكن عندما يقول أبويه بانها في مصلحته عليه ان يقبل ذلك . وان لا يبدي المزيد من التأوه والتألم فيما يتعلق بشان تحمل الألم والمرض . ولا يلجأ الى اشراك الآخرين في تحمل الامه ومعاناته وان يجعل نصب عينيه هذه المقولة : لايحب للأخرين ما لا يحب لنفسه .
( 14 )

خلق العادات الاخلاقية :
لابد من غرس الاخلاق لدى الطفل تدريجيا لكي لايشعر بالتثاقل والصعوبة ولا يرى المشقة في ابعادها العملية . ان التطبّع على الجوانب الاخلاقية من المسائل الأساسية في الحياة . ولا يمكن اعتبار الفرد بأنه خلق بدونها .
وعلى أثر التعوّد ، فان القيام بسلوك خاص يصبح أمرا ميسورا على الطفل وتزول مشاعر الملل والمعاناة ولن تكون هناك حاجة للتصنع والتظاهر .
ولن يكون الطفل بحاجة الى تفكير جديد بشأن كل حالة أو ان يطالب الطفل بأوامر جديدة في هذه المرحلة .
ان جانبا من هذه التعاليم وخلق العادات تكمن في اطار المسائل الاجتماعية مثل الامتناع عن البصاق في الشارع ، عدم شرب الماء من أي قدح كان ، عدم استخدام المنشفة والمنديل العائدين للغير ، الامتناع عن العيش والفعالية في الاجواء الملوثة والقذرة ، الامتناع عن العطاس والسعال بوجه الآخرين و ......
ان دميع هذه المسائل تنطوي تحت الآداب الاجتماعية التي نحن بصدد دراستها في موضوع الاخلاق .
ان خلق وايجاد هذه العادات في الطفل تتمّ بشكل تدريجي ، ومن
( 15 )

الضروري هنا ان تتصاعد الاعمال من المرحلة السهلة الى الصعبة وتؤخذ بنظر الاعتبار ظروف وقابليات الطفل ومستوى ادراكه وقدرته ، كما يجب ان تأخذ بنظر الاعتبار مسألة تحمّل الطفل وصبره ومطاولته بهذا الشأن وان لا ينشأ الطفل منشأة تنمّ عن انه سريع الضجر والتألم ، وشديد الحساسية ومترعرع في محيط منعّم ومرفه . ان كل هذه العادات الهدف منها ان يكون الطفل قادرا على مواصلة حياته في الجو المتعارف عليه .

الرقابة على العلاقات :
ينبغي للآباء والمربين ان يمتلكوا المعلومات المطلوبة حول علاقات الطفل بتعليمها اياه . اذ على الطفل ان يدرك ان الأدب والاخلاق يكمنان في الاخذ والعطاء . ولو اراد من الآخرين ان يعاملوه بأدب فعليه ان يعاملهم بنفس تلك الطريقة حتما .
وعلينه ان ينظر الى حديث الآخرين بكل احترام وتقدير لكي ينظر الى حديثه باحترام مماثل ايضا .
كما يجب تعليمهم على ان يكون كلامهم قليلا ، وصادقا ، وصحيحة ومفيدا ، ومؤدبا . ويراد به الخير والصلاح . ان تقدير
( 16 )

خدمات الآخرين وشكرهم على ذلك من أوليات العادات والأداب كما ان محبة الآخرين يمثل اسلوبا لغرض الاستفادة من الغير . واستخدام المصطلحات الحسنة من شروط الادب ايضا .
الكرامة والحزم من اركان وثوابت الحياة الاجتماعية . بينما نجد ان الابتعاد عن المنطق والادب ، والتفكير والاهتمام بالنفس فقط . والابتعاد والنزواء عن الناس ، التكبر ومدح النفس ، الاسراف في القول والعمل ، الادعاء بالفضل تعتبر كلها من عوامل الانحدار والسقوط ولابد من اجتناب ذلك كله .
وعليه ان يعلم انه ومن اجل الاستفادة من الآخرين عليه ان يبادر الى مساعدة الآخرين . وان يفني الحياة من خلال الاعتماد على الكفاءة والنمو والتعامل الانساني وتنفيذ مسؤولياته والتزاماته تجاه الآخرين وبعبارة أخرى ان يدرك كيفية اقامة العلاقات الصحيحة .

ملاحظات مهمة بشأن الأدب والاخلاق :
1 ـ الاساس في الجانب الاخلاقي يستند الى معرفة الحق والصواب وفي هذه الحالة يجب قبول ذلك والتحلي به .
2 ـ ثبات الاخلاق من ثوابت الحياة الانسانية والاخلاقية ، ولابد للطفل ان يتصف بذلك .
( 17 )

3 ـ علينا تعليم الطفل ان يطمع بالآخرين بمقدار قدرته على ردّ ذلك .
4 ـ اضطروه الى التخلي عن الكذب والرياء ، والخيانة حتى وان كُذِبَ عليه وخانوه و ......
5 ـ يجب ان ينظر الطفل الى مسألة مراعاة الضوابط الاخلاقية كواجب ملقى على عاتقه وليس بدافع الطمع في الجنة او الخوف من النار .
6 ـ ان محبة النفس امر حسن وضروري لمواصلة الحياة إلاّ ان التكبر قبيح وغير مندوب .
7 ـ اثناء المصادمات احملوه على امتلاك وعيه ولعقله وان لا ينسى السكوت والاستماع بوقار وحكمة .
8 ـ اضطروه الى ان يحمل كلّه بنفسه وان يقوم بذلك حسب قدرته .




( 18 )

متطلبات خواص الاطفال الاستثنائيون

سنستعرض هذا القسم في خمسة فصول :
1 ـ فصل بشأن العموميات المرتبطة بالاطفال الاستثنائين ويشمل تعريفهم وتصنيفهم ، والاهتمام بتربيتهم ...
2 ـ والفصل الثاني منها بشأن احتياجات الايتام . واهمية مسألة اليتيم والاخطار التي تهددهم . وواجب الاب أو الام في حالة فقد احدهما ...
3 ـ الفصل الثالث منها بشأن احتياجات المعلومين وبيان حالاتهم وسلوكياتهم . ومسؤولية الأبوين تجاههم . والعمل على تأهيلهم على الاشتغال .
4 ـ الفصل الرابع منها بشأن المتخلّفين عقليا . وحقوقهم وواجبات الأباء والمربين تجاههم .
5 ـ الفصل الخامس منها بشأن الاطفال الاذكياء وأهميتهم وأهمية وضرورة التخطيط بشأنهم والتعويل عليهم .
وسوف نبين هذه الفصول بشكل مختصر .
( 19 )

احتياجات الاطفال الاستثنائين
( العموميات )
المقدمة
المراد بالاطفال الاستثنائيين أولئك الذين يعيشون ولأسباب خاصة جسمية ، وعقلية أو عاطفية ونفسية في وضع معين يتميزون فيه عن غيرهم من الافراد العاديين وان مستوى رشدّهم وتطورهم يختلف عما هو عليه أقرانهم في السن والحالة . ان صفاتهم وخصائصهم هي بالشكل الذي يقود الى نصنيفهم في خانة آخرى من حيث التقسيم . وانطلاقا من هذا الوضع فان الضرورة سوف تستوجب ان تكون البرامج المتطورة بشأن تربيتهم ، والمواقف المتخذة خلال التعامل معهم مختلفة مع ما هو منظور لغيرهم من الاطفال العاديين بل وحتى يحب ان يصار الى تربية آبائهم ومربيهم بنحو خاص وان يمتلكوا الاستعدادات اللازمة لتربية هولاء الاطفال .

تصنيفهم :
لقد عمدوا الى تصنيف الاطفال الاستثنائين بصورة متعددة وسنشير فقط الى موردين منها :
( 20 )

الف ـ المورد الاول :
1 ـ الاطفال ذوي المحدوديات العقلية .
2 ـ الاطفال ذوي الذكاء الحاد .
3 ـ الاطفال ذوي الختلال في التعليم .
4 ـ الاطفال ذوي المشاكل السلوكية .
5 ـ الاطفال ذوي المشاكل النطقية .
6 ـ الاطفال ذوي المشاكل العاطفية .
7 ـ الاطفال ذوي النقص البصري .
8 ـ الاطفال ذوي النقص السمعي .
9 ـ الاطفال ذوي النقص الجسمي .
10 ـ الاطفال ذوي النقص العصبي .
11 ـ الاطفال الشاذّين .

باء ـ المورد الثاني : في هذا التصنيف يمكن تقسيم الاطفال الاستثنائين الى 8 مجاميع .
1 ـ الاطفال ذوي المحدوديات العقلية : ويشمل المتخلّف عقليا والقابل للتعليم ، والمتخلف عقليا والقابل للتربية والمتخلف عقليا شديدا وحادا ، ( خفيف ، متوسط ، حاد ) .
2 ـ الاطفال الاذكياء دوي الاستعداد .
( 21 )

3 ـ الاطفال الذين يعانون خللا في قابلية التعلّم ولديهم حلل في قابلياتهم .
4 ـ الاطفال الذين يعانون من مشاكل سلوكية ، وعدم الانسجام او مشاكل عاطفية .
5 ـ الاطفال الذين يعانون من مشاكل في النطق بشكل خرس والتعلثم الحاد .. و .... الخ
6 ـ الاطفال الصم أو نصف الصم ، اذ انهم على عدة درجات .
7 ـ الاطفال العمي او نصف العمي .
8 ـ الاطفال المبتلون بنقص عصبي ، وجسمي ، وغير جسمي ، ذوي العاهات . والامراض المزمنة .

جيم ـ المورد الثالث
ان كل المواضع التي سنتناولها بالبحث والتحقيق لانخرج عن اطار هذا التصنيف إلا اننا لم نفقد العزم على تخصيص بحث منفصل عن كل منها .
ومراعاة للأختصار . وبعد ذكر العمومات في هذا الفصل سنشير فقط الى أربعة مجاميع منها وهم الايتام ، والمعلولين ، والمتخلفين عقليا ، والاطفال الاذكياء وفيما يتعلق باحتياجاتهم فقط .
( 22 )

اعدادهم
يتواجد الاطفال الاستثنائيون في كل بقعة من بقاع العالم بما في ذلك مجتمعنا ايضا ونمارسون حياتهم . وتخصص لهم في الكثير من المجتمعات خدمات خاصة وهي قليلة في مجتمعنا وفي بعض المجتمعات تصل هذه الخدمات الى درجة الصفر . واعدادهم من حيث النسبة المئوية المتفاوتة .
وبشكل عام تبلغ نسبتهم في سائر المجتمعات من 10 ـ 15 % من مجموع الاطفال المدرسيين وتأرجح هذه النسبة في المجتمعات التي تعاني من الادمان على المخدرات . والمشروبات الكحولية ومخلفات الحرب الناجمة عن اعمال القصف الكيميائي يختلف من مجتمع لآخر .
وطبقا للاحصاءات المختلفة الموجودة يمكن الاشارة الى الارقام التالية : * المتخلفون عقليا بحدود 3/2% .
* الذين يعانون من خلل في النطق 5/3% .
* الذين يعانون من اختلالات عاطفية 2% .
* المبتلون بخلل في البصر 1% .
* الذين يعانون من خلل في السمع 75/0% .
( 23 )

* المعلولين 60/0% .
* الاذكياء والافراد الجيدين 3% .
وهناك احصاءات اخرى ايضا من هذا القبيل يمكن الاشارة لها مع قليل من الاختلافات .

مشاكلهم :
هولاء الافراد وكما يتضح لنا من تسميتهم لهم مشاكلهم ومعاناتهم الخاصة بهم ، فالضرير لا يبصر شيئا ، والاطرش لايسمع والمعلول يعاني من مرض معين أو نقص بدني و ..... ولكن الطفل الاطرش ، لا يستطيع تعلم النطق والكلام إلا من خلال فنون وأساليب خاصة ، وعندما يكون اعمى فأنه يجهل الالوان وعاجز عن تصور الاحجام إلاّ إذا لجأ الى الاستعانة بحاسة اللمس ، وعندما يعاني من نقص في القدرة على التكلم فانه يعاني من صعوبة بيان مسألته وتصبح مسألة الدفاع عن نفسه مسألة عسيرة ، وهذا نؤدي بحد ذاته الى أنجاد اثار سلوكية وعصبية متعددة .
الاطفال المعلولين ليسوا دائما في هذا الحد من العوق كأن يكون لهم مثلا اصبع زائد أو ناقص ، اذ ان بعضهم يعاني من امراض وراثية من الولادة كالامراض القلبية ، والصرع .
( 24 )

والروماتيزم وأمراض اُخرى منهذا القبيل وهم من النوع الذي يجعلون عمل المربي بشأن لتربية الاولاد ورعايتهم يواجه المشاكل والمعضلات . وتصوروا طفلا مشلولا وهو بحاجة دائما الىنقله من مكان الى أخر . وحتى لو كان ذلك لغرض الذهاب الى التواليت اوالى باحة الدار . ومن الطبيعي في حالة وقوع حادثة معينة فانهم يتسببون في ايجاد مشاكل كثيرة لأبائهم لاتعد ولاتحص .
وهناك مشكلة اخرى تواجه المتخلفين عقليا وهي انهم لايملكون القدرة على ادراك الامور ومن الممكن ان يصبحوا سببا لظهور الجريمة والانحراف او الاذكياء الذين يسخّرون ذكائهم في مسير الانحراف فيخلقون المشاكل لانفسهم وللمجتمع .

ضرورة الاهتمام بهولاء :
وبسبب مجمل هذه الأمور نقول انهم بحاجة الى اهتمام خاص وتربية خاصة : اذ ان مسألة تربيتهم ضرورية ومرّد ذلك يعود الى :ـ
أولا ـ انه من غير الممكن عدم الاكتراث بعدد يصل الى 500 مليون طفل استثنائي بما يشكل نسبة 1/10 من مجموع سكان العالم .
ثانيا ـ ان هولاء بحاجة الى ان يعتمدوا على انفسهم ويتحملوا عبء حياتهم بأنفسهم وحسب طاقتهم واستعدادهم .
ثالثا ـ ان
( 25 )

بعض هولاء الاطفال ان لم يتلقوا التربية اللازمة فان وجودهم من الممكن ان يشكل خطرا على المجتمع .
ومن ناحية اُخرى فان تربيتهم فضلا عن كونها امرا ضروريا فأنها تعد من احدى المسؤوليات ايضا . حتى لو تعلق الامر بأكثرهم بالخة وتخلفا . وبسبب واحد وهو أنهم بشرّ ايضا ولهم حقوق بذمة آبائهم والمجتمع .
أنهم امانة الله تعالى بأيديهم ولايمكن النظر الى هذه الامانة نظرة لا مبالاة وعدم الاهتمام .
واحتياجاتهم من نوع احتياجات باقي الاطفال . ولابد من بأمينها ولكن مع قليل من الاختلاف وفي بعض الموارد يجب ان نؤمن بدقة واهتمام خاصين .
ويجب على الآباء والمربين ان يتعرفوا عليهم جيدا ويخططون لهم بما يناسب وصفتهم الاستثنائية . ويجب طبعا على أبائهم ومعلميهم ومربيهم ايضا ان يستفدوا من الاساليب الخاصة في هذا المجال ويشملونهم برعايتهم واهتمامهم .
( 26 )

برنامج تربيتهم :
برنامج تربيتهم مختص بهم ايضا ، وينبغي لهم الاستفادة من بعض الاساليب الخاصة . أما الخدمات التي يمكن تقديمها لهم تختلف هي الاخرى ايضا . والاساس في ذلك هو ان نفلح في ايصالهم الى مرحلة الرشد ومن ثم نراعي قابليتهم ونوليها اهتمامنا .
ويجب ان يخضع هولاء لاشراف افراد مقتدرين واكّفاء يعيشون احيانا في أماكن خاصة أيضا وتتوفر لهم وسائل وادوات تعليمية خاصة . ويجب ان تنظم لهم اضابير خاصة لكي تصبح الاعمال والخدمات المقدمة لهم قابلة للبحث والتحقيق والتقييم.
ويجب ان يكون الشعور بالمسؤولية بجاههم بدرجة أعلى من غيرهم . خاصة وان حاجتهم تتمثل بان تخضع جميع أوقات حياتهم ولحظاتهم للرقابة لكي لا يتعرضون للخطر والاذى .
ويجب وضع البرامج المختلفة حسب اختلاف حالات هولاء الاطفال لكي تشمل جميع افراد هذه الشريحة بجميع الخصائص التي يملكونها مع الاخذ بنظر الاعتبار قابلياتهم وقدراتهم الروحية واستعداداتهم المختلفة .
كما ان مسألة المرونة تعد ركنا اساسيا في برامجمهم حتى اذا تعذر علينا النجاح من احدى القنوات تواصل مسيرتنا من قناة اخرى .