الاطفال يكذبون لهرب من مسؤولية ، كما هو شائع ، او تجنبا للعقاب ، او للحصول على العطف والمحبة من الكبار ، او طمعا بتحقيق عرض آخر ، وقد يميل الطفل الى الزهو ولفت الانظار فلا يجد غير الكذب اويقلد والديه حين يستمع الى كذبهم ، فقد يكذب الأهل امام اطفالهم على غير شعور منهم فيمتدحون شخصا في حضوره فما ان يغادرهم حتى يذمونه ويظهرون سيئاته ، فيفهم الطفل من ذلك ان أهله كاذبون « وتكون احيانا بعض الاكاذيب الظاهرية صورة من المبالغة ، فكثيرا ما يبالغ الكبار عند سرد بعض الحكايات مما يبرر تسميتهم بكاذبين »(1) .
ان مبالغة الوالدين في حث الطفل على ضرورة اتباع الصدق وحرصهم الشديد على محاسبته على كل صغيرة وكبيرة . في الامرالهم او التافه ، وباسلوب صارم ، لا يجدي نفعا بل يكون احيانا بمثابة رد فعل معاكس ، والافضل تهيئة الطفل للقيام بالرقابة الذاتية وتكوين الرادع الداخلي « والطفل يصنع مختلف الأشياء من مادة او اصل عاطفي لتعويض ما يفتقر اليه او ما يتخيل أنه يفتقر اليه »(2) بعض الاطفال يتوهمون انهم رأوا شيئا او سمعوا شيئا وهم في الحقيقة قد رأوا ذلك في احلامهم ، وهم لا يميزون بين الحلم والواقع فنظن نخن الكبار ان في الامر نوعا من الكذب ،وعلى الكبار الاّ يتشددوا كثيرا في موضوع
ويبدو الكذب عند الاطفال بمظاهر عديدة . فقد يكون ادعائيا ، او لتعويض نقص ، أو للأنتقام والكراهية ، او كردة فعل على القسوة وتجنب القصاص ، ويميل بعض الاطفال للكذب على سبيل اللعب ( وذلك رغبة منهم في رؤية تأثير كذبهم على المستعمين(1) ) وعلى الأهل هنا أن يردوا بابتسامة .
فالطفل بدوره لم يتوقع هنا ان نصدقه فغايته هي انتزاع الابتسامة ولفت الانظار .
وقد حصل له ذلك . ثم يجب التحذير من اتخاذ القصاصات الصارمة والمتشددة بحق الاطفال الذين يمارسون الكذب ، وان كان هدف الاهل الاساسي هو الردع عن هذه الآفة السيئة واحلال الصدق كقيمة أخلاقية بدلا منها . لكن ذلك يقود الى آفة بديلة
1 ـ طلاقة اللسان والمهارة في عرض الحجج وخصوبة الخيال التي تصل أحيانا الى حد الأساطير الخارقة ، وبالنسبة للأطفال لا يجب ان يفهم كذبهم بنفس المستوى والمفهوم اللذين يعرفان عند البالغين فقد يكون الكذب عند الأطفال وسيلة من وسائل بناء الذات .
أما اسبابه فقد اتفقت معظم الاراء على حصرها بالتالي :
فواجبنا ان نعالج ظاهرة الكذب وان تحث الاطفال على الصدق ولما كان الصدق هو نقيض الكذب ، صدق يصدق صدوقا وصدقا ويصداقا وصدّقة قبل قوله وصدقه الحديث ، انبأه بالصدق . ويقال صدقت القوم . اعني قلت لهم صدقا .(2)
فالصدق دعامة الفضائل ومظهر من مظاهر السلوك النظيف ولايستغني فرد او جماعة عن الصدق سوى تاجر او حاكم او أمرأة او صغير او كبير . ماداموا يعيشون في مجتمع فيه ترد وتضمن الحقوق .
فالطفل الذي يعيش في جو يسوده الصدق في اعمالهم واقوالهم ووعودهم . فالطفل يتعلم الصدق من البيئة والجو الذي يحيط به ، والطفل الذي يعيش في وسط لايساعد على تكوين اتجاه الصدق والتدريب عليه يسهل عليه الكذب خصوصا اذا كان يتمتع بالقدرة الكلامية ولباقة اللسان ـ وعلى هذا الاساس فان الكذب صفة او سلوك مكتسب نتعلمه كما نتعلم الصدق . وليس صفة فطرية او سلوكا موروثا(1) .
كما ان الكذب اساس كل الغرور والمفاسد . وما كان من خلق ابغض الى رسول الله (ص) ـ من الكذب ـ اذن الصدق اصل من أصول التربية الاخلاقية وهي التي تحتاج الى جهد كبير لتركيزها وتثبيتها في اخلاق اطفالنا لذا نجد ان الرسول (ص) اهتم بتثبيت
لذا وضع قاعدة وهي ان الطفل له حقوق في التعامل الانساني ولا يجوز للوالدين خداعه والكذب عليه ، « اذا كانت التربية الفاضلة في نظر المربين تعتمد على القدرة الصالحة . فجدير بكل مربّ مسؤول الا يكذب على أطفاله بحجة اسكاتهم من البكاء او ترغيبهم في أمر ، او تسكيتهم من غضب .. فإنهم ان فعلوا ذلك يكونون قد عوّدوهم عن طريق الايحاء والمحاكاة القدوة السيئة على أقبح العادات . وأرذل الأخلاق الا وهي رذيلة الكذب(1) » .
أخرج أبو داود عن عبدالله بن عامر قال : دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم قاعدا في بيتنا فقالت : ها تعال اعطيك . فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما أردت ان تعطيه ؟ قالت اعطيه تمرا ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أما انك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة(2) .
فاذا نشأ الطفل في بيئة تحترم الحق وتلتزم الصدق ، حيث تفي القوم أبدا بما وعدوا واذا عجزوا عن الوفاء شرحوا السبب في ذلك شرحا وافيا . وفي أسرة تلتزم الأمانة والصدق يقدر دعوتها اليها كان من الطبيعي في مثل هذه الظروف ان يلتزم الطفل حدود الصدق المرعية » .
ويقول كنت kant : الصدق في القول هي الخاصية الرئيسية وقد يلجأ الطفل الى الكذب خوفا من العقاب الصارم ولذلك يجب ان يكون العقال معقولا وليس مفرطا بل يجب ان يتناسب مع حجم الخطأ .
قد يتخذ الميل الى الكذب شكل المبالغة فيما وقع من احداث فعلية للطفل وتكثر هذه النزعة لدى المراهقين فقد يروي المراهق لرفاقه الكثير من مغماراته الجنسية وعن حب كثير من البنات له وعن قدرته على شرب الخمر وعن مغامراته في تسلق الجبال وعبور الانهار .... الخ ويعد الكذب من النزعات الخطيره لدى الأطفال تلك التي ينتج عنها كثيرا من المشكلات الاجتماعية فضلا عن فقدان الثقة بالطفل وعدم احترامنا له وكذلك نشاته على عدم احترام الصدق والامانه مما يؤدي له الى الجريمة في مرحلة الكبر .
وصف حالة كذب عرضت على المؤلف :
عرضت في عيادة المؤلف حالة طفلة كانت تميل الى الكذب والوقيعة بين الام وابيها ولقد قالت في وصف حالتها مايلي .
انا أم لثلاثة اطفال أصغرهم طفلة في سن الثامنة
العلاج الذي وصفه المؤلف لهذه البيت .
فالخطة لهذه الحالة ننصح الأباء والأمهات بالبحث عن الاسباب التي جعلب الاطفال يكذبون أما الخوف من العقال او انه مكروه من جانب الأسرة مثل حالتنا السابقة أو انه منبوذ او مطرود كما في الحالة السابقة ويجب على الاسرة العمل على تحاش هذه الاسباب وتعليم الصدق الذي يجلب له السعادة والرضا والعلاج السليم ليس في الضرب والعقاب ولكنه يتوفر في الحنان والعطف بقدر معقول وعن طريق الاقناع . والقدوة الحسنة والمثال الطيب .
الطفل في الشريعة الاسلامية : سهام مهدي جبار .
( ويقول kent كنت ) الصدق في القول هي الخاصية الرئيسية والجوهرية في الخلق .
ان الانسان الذي يكذب هو انسان عديم الخلق ، واذا كان فيه شيء خمس ، فهذا لا يرجع إلاّ مزاجه ، وكثير من الاطفال يميلون الى الكذب ويرجع ذلك في الحقيقة احيانا كثيرة الى توقد خيالهم ، ومهمة الأباء هو ان يعملوا على ان يترك الاطفال هذه العادة السيئة ( الكذب ) ان كذبهم لابد سيؤدي الى الضرر بهم ، وسيعاقبون بعدئذ بواسطة هذا الضرر . والعتاب المناسب الوحيد على الكذب هو ان يسحب المرء احترامه للكاذب(4) فلنصدق القول مع اولادنا ، ومما عده الاسلام كذبا ان يعد المرء صبيا من الصبيان شيئا ثم لا يفي له به .
ومن وصية أرسطو للأسكندر يقول فيها : إياك والكذب فان الكذب لايكون الا من مهانة النفس وسخافة الراي وجهالة بعواقب الامور ومضرّة الكذب على صاحبه واعلم ( فان منزلة الكذاب الانحياز عن قصده منزلة من أراد الشرق فتوجه الى الغرب )(1) .
إن تنمية روح الصدق عند الطفل يكون عن طريق الوفاء بالوعود التي نقطعها له : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أحبوا الصبيان وارحموهم واذا وعدتموهم شيئا ففوا لهم فإنهم لا يدرون الا إنكم ترزقونهم(2)
فالوفاء من الصفات الطيبة التي تجعل الوفي موضع الثقة وتكسبه النجاح في حياته ، ولا يزال الإنسان يكذب حتى يفقد ثقة الناس به وتصديقهم له فيما هو صادق فيه ، روي عن أرسطو أنه سئل . ماضرر الكذب ؟ قال :
« الا يثق الناس بقولك حين تصدق ، وكل انسان في هذه الدنيا من حاجة شديدة الى ثقة الناس به سواء كان تاجر او طبيبا او مدرسا او صانعا فمن يفقد ثقة الناس فقد حرم خير عطفنا .(2)
ويكفي الكذب تشنيعا وتقبيحا ان عدهّ الاسلام من خصائص النفاق .
ويقول نصير الدين الطوسي* في اخلاق محتشمي « إياكم والظن فان الظن اكذب الحديث وأفة الحديث الكذب(1) .
ان من منهاج الاسلام الذي يحث الاسرة اتباعه هو اجتناب كل قول فاحش وكذب لان تعاطيها امام الابناء يضاعف من أخطارها لان الولد حين يرى الأب يكذب لا تتوقع فيه ان ينصاع لوصيته ومن ثم يتبع نفس اسلوب ابيه لان الولد كما يقولون حسيه من حسنات أبيه وسيئته من سيأت ابيه فيا ليت الأباء والأمهات يكونون حريصين على صدق الحديث والبعد عن الكذب .
1 ـ ان تكون البيئة المحيطة بالطفل بيئة صالحة ، والجميع فيها صادقون ، يشكلون قدوة حسنة ، ويصدقون مع اطفالهم وان يفعلوا ما يقولونه مستذكرين الاية الكريمة .
( كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالا تفعلون )(1) .
ثم تهيئة الاجواء النفسية المريحة في الاسرة فالشخص المطمئن لا يكذب أما الشخص الخائف فيلجأ الى الكذب كوسيلة للهروب من العقاب(2) .
2 ـ اذا اعترف الطفل بذنبه . فلا داعي لقصاص ، لان من اعترف يجب ان يكافأ على هذا الاعتراف مع التوجيه الدقيق شرط الا يستمر الوقوع في الكذب .
3 ـ القيام بتشجيع الطفل على قول الصدق . وتزيين ذلك شعرا ونثرا ونذكيره يقول الشاعر العربي :
وليس دورنا كشف الوجوه البلاغية والمحسنات اللفظية في هذا البيت فلذلك سيدرسه الطفل في مراحل لاحقة . وان تزوده بالمثل القائل ايضا ( الكذاب كذاب ولو صدق ) .
4 ـ التروي في الصاق تهمة الكذب بالطفل قبل التأكد لئلا يألف اللفظة ويستهين بإطلاقها : كأن نتهمه بالكذب ثن نصحب هذا الاتهام بعد ذلك ، ثم ان هذا يضعف من موقفنا التربوي ، ومن قيمة احكامنا القابلة للنقض من نحن انفسنا في برهة وجيزة . وحري بالأباء والمدرسين التنبه الى هذه المسألة .
أضف الى ذلك ان الاتهام العشوائي ، والذي لم يثبت صدقه يشعر الطفل بروح العداء والكراهية نحونا ، وليكن شعارنا ، كل انسان بريء حتى تثبت إدانته وليس العكس .
5 ـ بهض الأراء التربوية في هذا المجال تشير . انه من القواعد المتبعة في مكافحة الكذب ، الا نترك الطفل يمرر كذبته على الاهل والمدرسة .
لان ذلك يشجعه ويعطيه الثقة بقدرته على ممارسة الكذب دائما ، فبمجرد اشعارنا له أننا اكتشفنا كذبه فهو سوف يحجم في المرات التالية عن الكذب ، وللتذكر بان إنزال العقوبة بعد الاعتراف بذنبه ، تعتبر كانه عوقبة على قول الصدق ، فيجب التسليم ولو لمرات بان الاعتراف بالخطا فضيلة .
6 ـ العدالة والمساواة بين الاخوة .
7 ـ تنمية ثقة الطفل بنفسه .
8 ـ المعالجة النفسية للمصابين بالعقد .
9 ـ التزود بالقيم الدينية .
« وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا » الاسراء اية 80 .
ولكن نقدم بعض التوصيات للامهات والاباء لعلاج الكذب .
1 ـ اشباع حاجات الطفل بقدر المستطاع والعمل على ان يوجه الطفل الى الايمان وتوجيه سلوكه نحو الامور التي تقع في دائرة قدراته الطبيعية مما يجعله يشعر بالسعادة والهناء عكس تكليف الطفل بأعماق تفوق قدراته مما تؤدي الى الفشل والاحباط والكذب .
2 ـ أما علاج الأطفال الذين يميلون لسرد قصص غير واقعية فياتي عن طريق إقناع الطفل بانك ترى فعلا في قصته طريقة ولكنك بالطبع لا تفكر في قبولها او تصديقها كحقيقة واقعية افضل من العقاب البدني الشديد .
3 ـ يجب ان يشعر الطفل بان الصدق يجلب له النفع وانه يخفف
4 ـ اما دور الأباء والامهات فيجب ان يكون حلهم لمشكلات أطفلهم عن طريق التفكير العلمي الموضوعي السليم وليس عن طريق العقاب الشديد واحترام الطفل والثقة لان الأب والأم اللذان يقومان بدور المخبر السري عن صدق أبنه يشعره بعدم الثقة فيه أما اشعار الطفل بانه محل احترام وثقة الجميع لايدفعه للكذب .
سرقات الاطفال من القضايا التربوية المهمة التي كثيرا ما يخطئ ـ الوالدان في معلجتها بأسلوب صحيح ـ فقد تمتد يد الصغير الى شيء لا يخصه في البيت او في المدرسة فيلقي عقابا بدنيا مفرطا من الأب او الأم . او يقابل بصمت وتجاهل منهما لما فعله . ترى كيف تتصرف الأم اذا رأت طفلها او طفلتها يسرق بعض الاشياء .
هذا الكتاب يقدم رؤية متزنة لهذه القضية المهمة .
من الصعب في كثير من الاحيان ان نطلق على ما يأخذه الطفل دون وجه حق ، او دون استذان سرقة ، فقد تمتد يد الصغير الى لعبة في احد محال اللعب فيحملها دون ان يشعر بذالك والداه . وقد لا ينتبها الى ماحديث الا بعد العودة الى البيت فيفاجأن بلعبة لم يدفعا ثمنها في يد الصغير ، وقد تمتد يداه الى مكتب ابيه . او مكتبة لياخذ منها اوراقا أو اقلاما ، او كتبا ، او غيرها .
هذا الصغير لايمكن ان تسميه سارقا ، ولكن مخاطر ان يصبح كذلك
تأخذ سرقات الاطفال أقل من عشر سنوات ، اشكالا عدة ينبغي ان ينتبه لها الوالدان ، ويسارعان في علاجها فقد يطلب الطفل من زميله في المدرسة . ان يعطيه مبرأه او قلما او ساعة او لعبة ـ الخ ـ
فيستجيب له ، لان اطفال هذه السن يجدون قدرا كبيرا من السعادة في ان يمارسوا حقهم في التصرف فيما معهم . وعندما يسأله والده ، او والدته عن تلك اللعبة . او القلم ، او الساعة يقول إنه اعطاها لجاره او زميله فلان ، وربما تطلب الاسرة منه ان يستعيد ما اعطاه ، ولكن الاخر لا يستجيب اما بضياع ما اخذ ، واما لتصرفه فيه ، واما لحرصه على تملكه . وهنا تكبير المشكلة .
وقد يعجب الطفل بما في حوزة غيره من اللعب او الادوات او النقود وعرف سلفا ان زميله سيرفض اعطاه او ايجارته الاداة او اللعبة لبعض الوقت فينتهز اقرب فرصة ليستولي عليها خلسة في غيبة صاحبها . او في لحظة غفلة منه ويكشف صاحب الشيء المفقود الامر فيعلن عن فقدها ويلجأ الى زملائه يسألهم عنها . كما يلجأ الى العاملين
مفتاح حل الموقف هنا في يد اسرة الطفل الذي اخذ الاشياء اذ على كل اسرة ان تلاحظ اطفالها ملاحظة عن كثب كثيب لصد مايحدث من تغير في مقتنيات اطفالها . فاذا وجدت الاسرة تغييرا في تلك المقتنيات فعليها الاتصال بالمدرسة ، والتحدث مع معلم الطفل .
وقد يحدث من هذه المشكلة الايسمح الاباء لابنائهم بان يحملوا معهم الى المدرسة اشياء غالية او نفيسة تكون عرضة للضياع او السرقة .
يعاني الاطفال في بعض الاسر بتشدد الوالدين في مراقبة سلوكهم فيشعر الواحد منهم انه مراقب دوما ، وان جميع حركاته وسكناته محسوبة عليه . وتعتقد بعض الاسر انها بذلك تحسن التربية للطفل . فهو لايستطيع ان يفتح الخزانة او مكتب والده ، او يمسك كتابا او يمد يده الى مذياع او تلفزيون , وهي تقتر عليه من مصروف الجيب ولا تستجيب لما يطلب من لعب ، وادوات خاصة ، مثل هذا الطفل تعيس والثقة مفقودة بينه وبين والديه ، وهو ينتهز اول فرصة يغفل فيها الابوان عنه ،ليكسر كل الموانع التي يقفانها في طريقه ويحصل على الاشياء الممنوعة ويخفيها .
وبذلك يكون البيت برقابته الشديدة على الابناء وبما يمارسه عليهم من حرمان وتقتير سببا في انحراف سلوكهم في سن مبكرة .
علاج مثل تلك الحالات يتطلب من الوالدين التعرف على دوافع الطفل الفطرية ، وميوله ، وحاجاته الى التملك . وادرك ان شخصية الطفل لا تكتمل مالم تنتج له الفرصة لتملك الاشياء المناسبة لسنه .
وقد تصحب الاسرة الطفل في نزهة الى حديقة عامة
وقد يشعر الطفل ان الأب يعاقبه دوما على كل صغيرة وكبيرة فيلجأ الى حيلة ساذجة كأن يسرق الة العقاب ويخفيها تماما ، او يحطمها ظنا منه ان ذلك السلوك
وكثيرا ما يحرص بعض الاطفال على ان يحصل على درجات مرتفعة في الاختبارات المدرسية . وعندما لا يسعفه تحصيله الدراسي يلجأ الى اختلاس الاجابة الصحيحة من احد زملائه المعروفين بالتفوق الدراسي او من الكتاب المدرسي .. او قصاصات من الورق بهدف الحصول على تقدير مرتفع يفرح به ابوه وأهله . وينال به الحظوة لدى معلمي مدرسته . لكن هذه سرقة . وقد يبدو في اول المر انها سرقة هينة لكن اثرها كبير على مقومات الشخصية وعلى اتجاهات الناشئ في المواقف الأكثر تعقيدا مما يعرض له في حياته المستقبلية .
قد يشعر الطفل الثاني في الاسرة ان الطفل الاول يتمتع بميزات ليست له . فيظل يصارع ويصارع ، ليحصل على الميزات نفسها ، لكن الاسرة قد تغمض عينها احيانا عن تحقيق العدالة بين الاخوة في هذا المجال بل يد تتحيز دون وجه حق لاحد الابناء . فيصبح
وقد ياخذ هذا الانتقام صورة سرقة يقوم بها احد الاخوة لما ينفرد به الأخ الاكبر من لعب او نقود . او خلافه فياخذها خلسة ويخفيها في مكان غير معروف ويرتاح باله بذلك لانه حرم أخاه الاكبر من ميزة حرم منها هو من قبل .
التعرف على دوافع واشكال السرقة عند الاطفال نصف الطريق في معالجة هذا السلوك . اما النصف الآخر فهو تصرف وسلوك الوالدين سيما الام التي ينبغي عليها ان تراعي في تربية طفلها مايلي :
اشبعي حاجة طفلك الى المحبة ، والعطف حتى لايجد حرجا في البوح لك بكل ما يحتلج في صدره . وليعبر عن سائر رغباته دون خوف ، وعامليه برفق ، واستجيبي لطلباته المعقولة ، واعتذري عن إجابة ما تعجزين عن تحقيقه .... احترمي حق طفلك في تملك الاشياء المناسبة لنزه في اللعب والادوات واعطيه الفرصة للمشاركة في اختيار اللعب وشرائها . وربيه على المحافظة عليها وصيانتها . واسمحي له ان يشرك غيره من الاطفال في اللعب بها . وان
امنحي الفرصة لطفلك لاستخدام النقود بتخصيص مصروف جيب يومي مناسب . يتعرف فيه بحرية . لاستكمال ما قد ينقصه ، وما قد يحتاج اليه خلال اليوم . وراقبي استخدامه لنقوده دون ان يشعر بعبء التدخل الدائم في شوؤنه الخاصة وشجعيه على ان يتصدق او يحسن الى المحتاجين .
لاينبغي ان يشعر الطفل بانه طفل مدلل . يتعرف وفق هواه ، ولا يصح ان يعرفه سائر افراد الاسرة بمبادرتهم الطوعية للاستجابة لرغباته . وينبغي ان يكون كل ما يقدم للطفل بموافقة ابويه وتحت اشرافها وتوجيههما ومحاسبتها للطفل برفق .
ينبغي ان يشعر الطفل دوما بانتمائه الكامل الى الاسرة فهو احد افرادها ويتحمل المسؤولية على قدر نضجه في الحفاظ على صالحا وممتلكاتها . لذلك لا ينبغي ان يشعر بانه لا يستطيع فتح الأدراج ، او الخزانات ـ بل على العكس من ذلك ينبغي ان يكلف باحضار اشياء معينة من الدرج . او الخزانة مع توجيهه الى الحرص
عاملي ابناءك على قدم المساوة ، فلا تميّزي احد الابناء على اخوته حتى لا يتولد عنده الشعور بالحقد مما قد يدفع من يحس بالظلم من الابناء الى الانتقام من ممتلكات الطفل المميز . او ممتلكات الأبوين نفسيهما .
ارصدي حوافز تشجيعيه للأبناء . اذا قام أيهم بعمل يعود على الاسرة بالخير . وقد يكون هذا العمل خدمة ترتبط بنظافة المنزل . او اصلاح احد الاجهزة المنزلية ، كما قد تكون معاونة قدمت من احد الابناء الى اخ من اخوته اوعملا من اعمال البرر بذلك يعرفون ان العمل سبيل لتنمية الثروة .
راقبي مقتنيات الطفل الخاصة فاذا مطرأت عليها اية زيادة او نقص حددي مصدر الزيادة او سبب النقص ووجهي الطفل الى رد ما ليس له الى صاحب واستعادة ما نقص من مقتنياته الخاصة .
علمي طفلك ان يحافظ على المال العام كالحدائق ، واعمدة الإنارة وصناديق البريد ، والهواتف العامة . واحرصي على تقديم القدوة منك ومن والده في المحافظة
احذري العقاب البدني المبرح حفاظا على سلامة البناء النفسي لطفلك . ودوام الثقة والصراحة بينه وبينك حتى لا يلجأ الى الاساليب المرضية في السلوك لكي يرضيك . ومن تلك الاساليب . الكذب ، والغش ، والتزوير . وهي تؤدي الى الانحراف والسرقة .
تابع الى موضوع السرقة :
الاسس الطبيعية لظاهرة السرقة بشكل عام هي ان في الانسان غريزة تدعى : الميل الى التملك ـ والميل الى التملك امر مشروع عند كل انسان .
يبدأ ان السرقة هي الاستحواذ على مايملكه الآخرون بطريقة شاذة وغير سليمة ، او بدون وجه حق . ونظرا لأنها تلحق الضرر بالمجتمع لأنها تمس بتلك الاشخاص والجماعات ، فان القانون يعاقب عليها . كذلك المجتمع ، وحتى الأديان السماوية .
فقد تشددت في معاملة السارقين ، فكانت من بين الوصايا العشر في العهد القديم ، لا تسرق ـ وجاء التهديد بقطع أيدي السارقين في الاسلام جزاء على فعلة السرقة ـ والمؤسف ان هناك مهارات تستخدم في عملية السرقة تستلزم في غالب الاحيان قدرا من الذكاء ، والخفة والرشاقة في استعمال الأيدي والأصابع والتأنق والتصنع وإظهار الموؤدة والاحتشام .
فالطفل يشعر بميل شديد الى ملكية ، حتى ولو كانت ملكية الاشياء تافهه ، وعلى الأهل ان ينموا هنا الشعور عند الطفل لانه احق طبيعي ، فيجب ان يكون هناك أشياء خاصة به ، وان تكون كلعبه له ، يتصرف فيها تصرف المالك في ملكه ، وذلك الإشياع
والذي يراقب مقتنيات الأطفال التي يحتفظون بها في خزائنها وأدراجهم فيراها سخيفة ، وغير ذات أهمية ( صور ، علب ، اقلام قديمة ) لكنها عزيزه جدا على قلب الطفل ولذلك يحافظ عليها لمحافظته على الاشياء الثمينة عند الكبار .
وقد يسرق الاطفال وهم لايزالون صغارا ، بعض الاطعمة او الحلوى ويضعونها في جيوبهم او مختلف الاشياء التي تروق لهم كبعض اللعب وغيرها ، ويرجع السبب في ذلك الى نقص في فكرتهم عن الملكية(1) ، وقد لاتعينهم نظرة المجتمع الذي يعيشون فيه الى السرقة ، وقدير تدعون اذا ما احسوا أنهم سيعاقبون عقابا شديدا ، إذا تكررت سرقاتهم ، وهنا تبدا مرحلة التدريب والتهذيب ، حتى ولو أدى الأمر الى التهديد بالسجن وبالشرطي ، والافضل من ذلك كله
يمكن إيجاز اسباب السرقة من خلال ما تقدم ذكره بما يلي ؟
1 ـ لدوافع جسمية وحاجات لم تشبع في المنزل .
2 ـ لاشباع هواية ـ كسرقة دراجة ، او كرة ، او لعبة .
3 ـ يدافع الانتقام وكردة فعل على القسوة الزائدة .
4 ـ نتيجة التدليل الزائد ، حيث يفهم الطفل ان الحياة آخذ فقط وليست مزدوجة الحديث ( اخذ وعطاء ) .
5 ـ قد تكون يدافع الغيرة . من صاحب المسرقات .
6 ـ الشعور بالنقص ، وبأنه أقل من زملائه ، فيلجأ الى التعويض .
7 ـ السكوت على مايأخذه الطفل بحجة ان ما استولى عليه هو من داخل ممتلكات الأسرة وليس لأحد من خارجها(1) .
وهذا السبب نعتبره من الاسباب الأساسية والجوهرية ، فالمفهوم العام والكلي للسرقة لايتجزا ، بين ما هو ملك لمن هو داخل الاسرة او خارجها ، لذلك يقتضي التشدد من الوجهة التربوية في هذه النقطة بالذات ، لانه عملا بالقول الشعبي المتداول :
« من سرق بيضة سرق جملا » ثم إنه من سرق مال أخيه ، سرق مال الآخرين جميعا والتساهل في هذه المسألة يعتبر نوعا من التشجيع على امتداد السرقة الى الخارج اطار المنزل والأسرة .
8 ـ انخفاض مستوى الذكاء ، وتدني نسبة التكيف الاجتماعي
9 ـ عدم اكتراث الأهل بحقوق الآخرين ، والطفل مراقب ذكي فإذا أقدم على السرقة . فهو يشابه والديه ...
متى عرفت الاسباب مسهل العلاج ، وجلّ العلاجات تقوم على الوسائل التربوية السليمة والمدروسة ، أبرز هذه الوسائل :
أ ـ ان نحترم ملكيته ليحترم ملكية غيره بدوره .
ب ـ خلق اجواء العطف والحنان وإبعاد جو الارهاب والانتقام .
ج ـ تعويده طلب الاستئذان اذا ما اراد تناول شيء .
د ـ عدم التشهير به أمام رفاقه اذا ما ضبط سارقا بل معالجة مشكلته على جدة وبهدوء واتزان حتى لا نخلق منه سارقا حقيقيا .
هـ ـ زرع القيم الدينية والأخلاقية في الأسرة .
و ـ عدم التمييز والتفضيل بين الأخوة .
ز ـ اختيار القصص ، والافلام التربوية المناسبة للطفل .
لان هناك بعض الوسائل التسلية المرئية والمقروءة تحرض الطفل على السرقة ، وتظهر بمظهر بطولي فتظهر السارق انسانا خارقا يجذب انظار الآخرين ، ويمكن ان يوصف بالمهارة والحنكة والذكاء ، والاطفال في مرحلة الطفولة يتوقون ان يكونوا في هذه المواصفات ، فيقعون ضحية السرقة . يحدث هذا طبعا في غياب التربية الخلقية والدينية ، وغياب عملية الضبط الأسري والاجتماعي .
ح ـ ضرورة مراقب الوالدين لأموالهم قبل تكوّن عادة السرقة عند الطفل عملا بالمثل الشعبي المعروف ـ المال السائب يعلم الناس الحرام ـ وحتى لو كانت التربية سليمة وحكيمة ، فوضع المال في مكان محافظ عليه ، كي تكون له حرمته ومهابته امر ضروري ، وادعاء بعض الأهل أنهم يرمون بالنقود تحت أرجل أطفالهم ، امر غير مستحب تربويا لعدة اسباب منها ، انعدام الدافعية في تحصيله والاستهانة بصرفه كيفما اتفق بالإضافة الى ماتوسوس للطفل نفسه بالاقدام مع السرقة تدريجيا ، وحجة بعض هولاء الناس ، الذين يرون في هذه الطريقة
ط ـ لا تصف الولد بصفات اللصوصية ( انت لص .. سارق ولو تهكما ) فقد يستسيغ اللقب فيسعى اليه ، ولا سيما وان فيه نوع من الانتصار على الكبار ، وهذه أمنية تدغدغ احلام الصغار .
ي ـ إعطاء مصروف الجيب للأطفال بين الحين والآخر ومراقبة كيفية إنفاقهم بطريقة عفوية ، دون شعارهم بأننا نقوم بعملية مراقبة .
ك ـ تعويد الطفل على عدم الغش في الحياة اليومية ، أو الامتحانات بعض الأهل يمتدحون شطارة اولادهم في هذا المجال فيكونوا على غير رغبة منهم قد دفعوا بهم الى السرقة . وتوضيح مضار السرقة أمر ضروري وكذلك التذكير بأيات القرآن الكريم وتعاليم الأديان الأخرى .
ل ـ الابتعاد عن رفقة السوء . وخلق الهويات النافعه لإملاء الفراغ والا فان هذا الفراغ يملا من قبل رفقة السوء .
وتجدر الاشارة الى ان السرقة تبدا بمسروقات بسيطة وتافهة لتنتهي بعد ذلك بالمسروقات الكبيرة والثمينة ، فعلى الأهل
والاهل يزرعون نواة ( ايديولجية السرقة ) على غير قصد منهم في نفوس أطفالهم كان تقوم الأم باجفاء الحلوى عن الطفل في مكان لا يعرفه . وكم من الأطفال هم الذين يبذلون جهدا في البحث والتنقيب عن الحلوى الخبؤة ويجدون لذة عارمة في اكتشافها وتسجيل الانتصار على الأم . وقد يكون ذلك مقدمة لسرقات منظمة لاغراض ذاب قيمة أكبر .
فلنترك هذه مرة للطفل ، على ان يمارس الرقابة الذاتية في ضبط النفس ، او ان يحاط علما على الاقل بأماكن وجودها ، حتى لا يضطر الأطفال الى سلوك الطرق البولسية في اكتشافها ، ويكتفي بأن يطلب اليه الستئذان فقط عندما يريد نيل قسط منها . وفي كل مرة تواجه الاسرة أو المدرسة ـ مشكلة سرقة ـ يقوم بها احد الأطفال يجب التنبه الى طبيعة هذه السرقة والتمييز بين السرقة كنزوة عابرة فريدة ، او هي متكررة ( بداية احتراف ) والتمييز بين نوع وحجم المسروقات وعدد المشاركين ، وهل هي إفرادية وان هناك عصبة ، وما هو دور الطفل السارق فهل هو عضو أم قائد ؟ والاجابة على هذه الاسئلة ضرورية لمعالجة هذه المشكلة الانحرافية في حال حدوثها .