دراسة الاطفال للسيرة النبوية ، ومدى تأثيرها فيهم .
حرص الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم ، على دراسة سيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم وأهل بيته وتلقينها لاطفالهم . حتى انهم ليقرئونها مع تعلم القرآن لانها الترجمان لمعاني القرآن مع ما فيها من إثارة العاطفة ومشاهدة الواقع الاسلامي وتأثير عجيب في النفس ، ولما تحمل في طياتها من معاني الحب والجهاد في انقاذ البشرية . من الضلال الى الهدى ، ومن الباطل الى الحق ، ومن ظلمات الجاهلية الى نور الاسلام .
وقال الامام زين العابدين عليه السلام كنا نعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كما نعلم السور من القرآن(1)
ولذلك نوجه الآباء بان يعلموا ابناءهم ان محمد صلى الله عليه واله وسلم بعث الى كافة البشر .
( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل )
وقال اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله ...
اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به ، فحث عليه ورغّب فيه .
ثم قال واهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي(2) .
وقيل سماهما ثقلين لان الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل ثم قال زيد ابن ارقم ، أهل بيته من حرم الصدقة بعده
____________
1 ـ كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : تأليف الشيخ محمد رضا ص 151 .
2 ـ من صحيح مسلم قالها مرتين .
( 27 )
آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي الله عنهم اجمعين وما للقرآن تأثير كبير على النفس البشرية عامة يهزها ويجذبها ، ويضرب على اوتارها . وكلما اشتدت النفس صفاء كلما ازدادت تأثيرا ، والطفل اقوى الناس صفاء ، وفطرته مازالت نقية ، والشيطان مازال في كبوته تجاهها ـ واذا تأملنا الآيات المكية ، وجدناها قصيرة ، تتناسب مع نفسه القصير بالاضافة الى قصار السور التي تقدم للطفل موضوعا متكاملا بكلمات قليلة ، سهلة الحفظ قوية التأثير ، فان لهذه السور القصار لامرا . وان لها في القرآن لحكمة هي من اعجب ما ينتهي اليه التأمل ، حتى لا يقع من النفس الا موقع الأدلة الألهية المعجزة ، فهي لم تنزل متتابعة في نسق واحد على هذا الترتيب الذي نراه في المصحف اذ ام يكن اول مانزل من القرآن ولا آخره فعلينا ان نعود الطفل على قراءة السور الصغيرة في بدأ الامر ثم الاطول فالاطول وان تنمي روح الطفل على الاخلاق السامية الاسلامية ونضع لهذه الاخلاق نموذج مثالي عالي وكما قال الله تعالى :
( انك لعلى خلق عظيم ) وكيف كان يرحم الصغير ويعطف عليه حتى انه من شدة رحمته بالاطفال انه ان
( 28 )
الا يقتل اطفال الكبار ونهى عن ذلك .
وكانت من وصاياه لقواده لا تقتلوا صبيا ولا امرأة بل ان صبيان الكفار ليضربونه بالحجارة عن ذهابه للطائف وعودته منها فيسيل دمه صلى الله عليه واله سلم على الأرض . ولا يرفع رجله ولا يضعها على الأرض الا اصيبت بحجر ، وينزل عليه جبرائيل وملك الجبال ويستأذنه في ان يطبق عليهم الجبلين فيموتوا جميعا . فيرفض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ويقول :
« ارجوا من الله تعالى ان يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى » .
وقد كان ذلك وتحقق امله ودعاؤه . وصدق الله العلي العظيم :
( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ) .
فهو الرحمة والينبوع العظيم لهداية الامة . وتربية الاجيال ومن أخلاقه السامية العالية ، كيف كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مع الاطفال ، فلنتخذ منه الدروس العملية في مداعبة الاطفال تارة بالركض واخرى بالحمل وثالثة بتصغير الاسم ورابعة بالمضاحكة والى غير ذلك .
وهذه الاعمال ان لم يقم بها الوالدان لانها واجب تربوي فهم مطالبون بها للاقتداء برسول الله صلى الله عليه واله وسلم وروي عن جابر ( رضي الله عنه)
( 29 )
قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فدعينا الى طعام فإذا بالحسين يلعب في الطريق مع صبيان فأسرع امام القوم ثم بسط يده فجعل يفرّها هنا وهناك فيضاحكه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى اخذه فجعل احدى يديه في ذقنه والاخرى بين رأسه وأذنيه ثم اعتنقه وقبله ثم قال :
« حسين مني وانا منه ، أحب الله من احب الحسن والحسين سبطان من الأسباط(1) » .
وعن عبدالله بن شداد قال : بينما رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يصلي بالناس : اذ جاءه الحسين فركب عنقه ، وهو ساجد : فأطال السجود بالناس حتى ظنوا انه قد حدث أمر فلما قضى صلاته . قالوا قد أطلت السجود يارسول الله ، حتى ظننا انه قد حدث أمر فقال
ان ابني قد ارتحلني ، فكرهت ان اعجله . حتى يقضي حاجته وقد اقتدى الصحابة رضوان الله عليهم برسول الله صلى الله عليه واله وسلم فسارعوا الى ممازحة ومداعبة أطفالهم . وكانوا ينزلون الى منازلهم ويتصابون لهم ويلاعبونهم .
الفصل الخامس دور الاسرة في تامين حاجة الطفل
فالمحيط الاول لتربية ولبناء والتأمين للطفل هو محيط الاسرة وكيف يتربى الطفل في البيت وكيف نكسبه
____________
1 ـ حسن . ورواه البخاري في الأدب ، والترمذي وابن ماجه والحاكم ـ انظر صحيح الجامع رقم 3146 ويطلق السبط على ولد البنت والحفيد على ولد الابن .
( 30 )
طابعا افضل واكثر انتظاما فيما يتعلق بمسألة المحبة والعدل والرحمة والانضباط التي تطبق بصورة متزامنة في المحيط العائلي . نحن لا ندعّي بان جميع العوائل تعتبر موفقة في مسألة تربية الاطفال ، بل نقول ان العائلة الاكثر توفيقا في تربية الطفل حتى التي تدرك بنحو افضل واكثر من الاخرين احتياجات الطفل وتتمتع بصلاحية افضل وتوفيق اكثر في تامينها .
ان البيت مكان جيد بالنسبة للطفل .وتتضح أهمية ذلك دائما عندما يواجه الفرد حالة التشرد او يعاني من جو عائلي مضطرب ان الآثار المتولدة عن هذا الأمر تطال جميع الافراد الا انهما تصيب الاطفال باضرار اضافية .
اخلاص العائلة في تأمين الاحتياج :
ظهرت في القرن الاخير مجموعة من المتخصصين الذين أرادوا ان يبعدوا الاسرة عن مسؤوليتها الاساسية المعروفة ، وان يوكلوا مسألة التربية وتوجيه الاطفال بأيدي مراكز التربية وحضانة الاطفال . ان هذه الارادة والفكرة اكتسبت في بعض المجتمعات طابعا عمليا الا ان نتيجة تربية هذا النسل كانت مؤسفة لانه لوحظ بان احواء هذه المؤسسات مهما كانت دافئة وبناءة الا انها لن تتمكن ان تحل محل الاسرة مطلقا .
( 31 )
والحكمة في هذه المسألة تكمن في ان الاطفال بحاجة الى الافراد الذين يتمتعون بالاخلاص وحسن النية ، اضافة الى امهارة والحرص فيما يتعلق بمسألة توجيههم وتربيتهم .
وبامكان الاباء والامهات ايفاء هذا الدور والنهوض بواجبهم أما المربون فيندر نجاحهم بأيفاء هذه المسؤولية .
ان اخلاص والدي الطفل في اداء واجبهم الملقى على عاتقهم ووحمايته واحتضانه يعتبر بحد ذاته امرا بناءا وفعالا ، فإذا وضعت الام ثديها في فم الطفل وسدت حاجته من الغذاء ، فأنها تقدم على هذا العمل بكل كيانها ، وهذا بحد ذاته يعتبر عاملا مهما في بناء ونمو الطفل . انها ليست كالاخرين لتتوقع الهدية وأخذ الاجرة على هذا العمل .
تأمين الاحتياج في السنين الاولى :
النقطة الاخرى التي توضح أهمية الاسرة وهي ملازمتها للطفل في سني حياته الاولى : نحن نعلم ان السنين السنة الاولى من حياة الطفل تعد مرحلة مصيرية في تحديد مستقبلة ، وتوضح اللبنات الاولة للحياة والفكر والسلوك في هذه السنين ، فتجارب الطفل الاولى عن الحياة ، ووجهات نظره واستنتاجاته التي سيستكشفها عن الحياة فيما بعد كلها تعتمد على هذه السنين والطفل خلال هذه السنين موجود في الاسرة .
( 32 )
وينهمك الوالدان في هذه المرحلة بتأمين أهم وأثمن المتطلبات لدى الطفل مثل تأمين الطعام والشراب ، النوم ، الاستراحة ، الحاجة الى الحنان والحماية ، حسن الهندام ، التسلط ، و.... الخ .
اذ يوفقون في اداء هذه المسؤولية ايما توفيق وبأحسن وجه . ولعلكم تعرفون امهاتا يقللن من غذائهن اليومي لتأمين غذاء اطفالهن او يفضلن الطفل ويقدمنه على انفسهن في النوم والاستراحة .
ولهذا السبب فان الطفل يشعر بالارتياح التام والسرور جرّاء هذه الجهود والمساعي . وتتأطر شخصيته وعواطفه في مثل هذه الظروف بأطار مفعم بالحيوية تلازمه طيلة حياته .
ان جوانب الاطمئنان والامان لدى الطفل التي تنشأ في جو الاسرة تصبح فيما بعد سببا لايجاد الاثار الحسنة والمتميزة لديه ، ومما لا شك فيه ان الوالدين والمربين هم ممثلوا المجتمع وضيعته . وان ثقافة المجتمع لها تأثير عليهم وهم يقومون بنقل هذا التأثير الى ابناءهم .
ولما كانت السنتين الاولى تلعب دورا اساسيا في تربية الطفل فمن الضروري ان يلتفت الوالدين والمربين لهذا الامر اثناء القيام بتأمين الاحتياج . وان يقوموا بنقل الآداب والتقاليد
( 33 )
القيمة والمدرسة الهادفة الى خير وصلاح الطفل ، وما أكثر الآداب والتقاليد الموجودة في طريق حياة الانسان ونموه والتي تكون ذات ماهية معادية للأنسانية والاسلام وينبغي على الوالدين فيما يتعلق بتامين الاحتياجات ان يأخذوا هذه المسألة بنظر الاعتبار ويجعلونها نصب اعينهم .
ضرورة وعي الوالدين :
لغرض اعطاء الاطفال احتياجاتهم من الضروري ان يحصل الوالدان والمربين على المعلومات اللازمة وان يستخدموا الاساليب الصحيحة والمنطقية في تأمين متطلبات الأطفال الاساسية . ولو أقررنا بان الطفل أمانة الهية بين أيدي الوالدين يجب ان نقبل بان عليهم مسؤوليات معينة في المحافظة على هذه الامانة وان القيام بها مرهون بالمعلومات اللازمة في هذا المجال .
يجب على الوالدين ان يعرفوا ماهي احتياجات الطفل ؟ وكيف يتم تأمينها ؟ وماهي الاصول والحدود التي يجب مراعاتها في هذا الصدد ؟ وماهي الأثار الناجمة عن الافراط والتفريط في هذا المجال ؟ وما هو الموقف الذي ينبغي اتخاذه ؟ وكل ذلك انما يحصل لغرض تأمين جو مساعد لتلبية المتطلبات المشروعة للاطفال آخذين بنظر الاعتبار الظروف المختلفة في هذا المجال .
( 34 )
وعندما يتصفح التاريخ يطالعنا تاريخ أسود لهؤلاء ونعرف ان في كل عصر كانت تبرز نظرات « ذات بعد واحد » .
ففي عصر « سعدي » المتكلم والشاعر الشيرازي وامثاله كان معيا ، الشخصية قائما على اساس التمكن من زمام الادب فقيمة الشخصية وعظمتها يقاس بمقدار تضلعها في علم النحو والأدب وصاحبها حينذاك استاذ واع عميق ، وهكذا كان التكامل الانساني يقاس على هذا الاساس وفي يظل العلم والقدرة . ولهذه الجهة كان الناس بعيدين عن مشاكل كل العصر ، والعواقب السيئة لسيطرة الأجانب على الدين ، والتفكير في رفع مستوى الفقراء المفترشين للتراب وعشرات المسائل الضرورية الاخرى .
نعم عندما يكون المرض متفشيا في المجتمع قد لا يدرك الناس ضرر المرض ويظنون انهم يعيشون في مجتمع سالم .
البعد الواحد في مذهب ماركس .
ويمكننا القول بان اعظم ازمة وثقل لنظرية البعد الواحد تتمثل في مذهب ماركس حيث يتصور هو واتباعه ان القوى المنتجة تشكل اساسا لكل المسائل السياسية والحقوقية والظواهر الفكرية والدينية وغيرها .
( 35 )
ونحن نسأل : لو ان المجتمع كان يمتلك اقتصادا سليما وان الافراد وصلوا الى حقوقهم الاقتصادية فهل يستغنون عن اي شيء آخر ؟ وهل لا يبقى لديهم امل آخر او ضالة ينشدونها ؟ وهل لا يبقى مجال للتساؤل عن المبدأ وسر الخلق والى اين المسير على لسان الناس وضمائرهم ؟
ولا شك في ان مذهب ماركس مع تصوراته المغلوطة عن الكون لايمكنه ان يستوعب كل ابعاد الانسان ذلك لانه يحصر الوجود بالمادة ولا ربط له مطلقا بالابعاد الروحية المعنوية والاحتياجات الداخلية العميقة للانسان . فالانسان في نظر ماركس واتباعه وسيلة انتاج تقف الى جنب الفأس والمطرقة وأمثالهما .
ونحن لا ننكر حقيقة ان الاعمال العبادية هي من اركان الاسلام وتشكل في محلها جزأ حيا يوجب نجاة الانسان وله دخله في مسيرته الحضارية ولكن لا بالشكل الذي يغض النظر فيه عن سائر المسائل الحياتية ويترك فيه الكسب والعمل والزوجة والاطفال والوظائف الاهم فردية او اجتماعية وتصرف كل الطاقات في العبادات وتنسى الواجبات الأخرى وتذكر له اعذار مختلفة فلا تفكر في الامر
( 36 )
بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا وبناء النفس وتربية الاخرين ولو بمقدار واحد بالمائة من تفكيرنا بالسجادة والمسبحة .
وهذا هو الغلط الكبير والنظرة الى جانب واحد والمتغافلة عن الجوانب الأخرى في الانسان .
ونجد الفريق الاخر من الناس يركزون على جانب ( الطهارة ) البدنية وهي من اسهل الاحكام الاسلامية فيصلون فيه الى حد ( الوسوسة ) في حين لا تجدهم يهتمون للغيبة والكذب والقبائح الاخرى .
ومجموعة اخرى تعتبر الدين مجرد ( طهارة القلب ) اما النشاط والسعي العلمي الاسلامي فهي امور المسؤولية والوظيفة وليس لديهم دليل إلا ان غرض الدين هو ( صفاء القلب ) فحسب فإذا قيل لأحدهم ، لاتشرب الخمر ( دعنا ياهذا وليكن قلبك صافيا ) وهكذا وبهذه العبارة الجوفاء يتخلى عن تحمل المسؤولية ويرى نفسه ويتصور نفسه طاهرا رغم تلوثه بالاف الذنوب والرذائل الاخلاقية ويعتقد انه وان كان في الظاهر شريرا ملوثا الا ان له باطنا يفوق المرآة صفاء وجلاء .
هذا في حين نجد البعض يتحدث دائما عن محبة أهل البيت عليهم السلام ومع انهم يتصورون محبتهم اساسا للاسلام فهم يغفلون عن الآداب والسنن الاسلامية في ظل هذه المحبة فيقولون
( 37 )
وكن محبا وافعل ما تشاء ، ولتخرج من عينك دمعة على الحسين ثم لا تخف من اي ذنب ، هذا مع ان هذا ليس في تعاليم الاسلام والتشيع في شيء .
وهؤلاء في الواقع لم يعرفوا معنى الحقيقي للحب ، وذلك لان الحب الواقعي لا يسلك طريقا لا يقبله المحبوب .
نحن نعترف ان المحبة والارتباط القلبي بالنبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم وأهل بيته الكرام من اول الوظائف للمسلم الواعي وانها توجب تجاه الانسان ولكن لا بالشكل الذي يستغل هذا الحب استغلالا شينا فيجعل ذريعة للاستهانة بالاداب والسنن الاسلامية والتساهل فيها وعدم الحذر من الوقوع في الذنوب .
يقول الامام الباقر عليه السلام . في حديث طويل : من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو ، وما تنال ولا يتنا الا بالعمل والورع .
*
*
*
ان الفاجعة اليوم التي تتحكم اكثر من غيرها في حياة الناس وتجر البشرية نحو العناء هي فاجعة ( الحياة الاولية ) . والواقع انه في مجال العلاقة بين الآلة والمجتمع نجد الانسان قد تبدل الى حد بعيد الى آلة .... والحياة الآلية تحصر الجذور الرئيسية
( 38 )
لمختلف الظواهر والروابط في مجتمعك اليوم في وسائل التكتيك الحديثة ان الانسان موجود له احتياجات مختلفة الا ان الحياة الآلية الميكانيكية تجره على ان يتخذ شكلا خاصا واطارا وعملا معينا وان يبقى مع عمله الى نهاية عمره يعمل ويعمل ويدور كما تدور الآلة ويقف عندما يقف فهو يدور كالمروحة دون ان يستطيع ان يشبع احتياجاته الآخرى ... ومثل هذا الانسان جهاز مسخر للآلة بدل ان تكون الآلة مسخرة له وليس انسانا يمتلك احتياجات متفاوتة .
فهو يسعى دائما ليأكل ويأكل ليعمل . انتاج للاستهلاك واستهلاك للانتاج .
في المجتمع الذي تقوده الآلية يستعيد الافراد بدون ان يفكروا في عبوديتهم هذه ويقعدون عن التكامل فهو يقضي كل يوم كما قضى الآف الايام قبله ، ومثل هذا المجتمع يسعى بسرعة لان يحل النظام الصناعي محل كل انماط التفكير المسلكي والايديولوجي للأنسان ويتقولب الافراد بلا شعور مع اعمالهم وتنشا شخصيتهم شخصيات غير مبالية ـ نعم الامر الوحيد الذي يشغل بالهم هو المسألة المالية ومقدار الدخل ومقدار الانتاج والاستهلاك في الحياة .
( 39 )
يلبسون لباسا واحدا ، ولهم مظهر واحد وإذا أرادوا التغيير استمعوا الى وسائل الاعلام وغيروا انفسهم على توجيهاتها فليسوا هم الصانعين والمفكرين والعاملين والمبتكرين .
وهم عادة يمتلكون نوعا واحدا من الحرية الصناعية الالية فهم فرحون بذلك وبدون ان يدروا يضعون في ايديهم قيود الآلة والميكانيك .
فإذا فكرنا في نجاة المجتمع من هذه الامراض يجب ان نلتفت الى كل ابعاد الانسان وجوانب وجوده ...... فإن اهمال الواقيات وانكار الاحتياجات الانسانية ، وغض النظر عن الدوافع المختلفة والنظر الى جانب واحد دون غيره هو في الواقع نوع من الامراض الوبيلة التي ابتلي بها عصرنا مع الأسف وبشكل واسع جدا فهل هناك اخطر من ان يكون المقياس العام في المجتمع المال لا غير فهو معيار الروابط وأساس الحياة .
في مثله هذه الظروف نجد الجميع بدلا من الاطلاع على حقائق الاحتياجات الاجتماعية والتعاون الديني العاطفي والسعي الحثيث المترابط للتكامل والتعايش الأكمل وبدلا من التوجه الى افاق الفضيلة والتضحية والايثار ومحبة الاخرين ، نجدهم لا يهتمون الى بملء الجيوب والتمتع
( 40 )
اكثر فاكثر بالمواهب المادية ... فالطبيب دون توجه لمسؤوليته الدينية والاجتماعية يتحول الى انسان مستغل يطلب الربح والمال لا غير ، والقاضي يأخذ الرشوة الكبرى يهتم ببناء العمارات والقصور ، والتاجر بدلا من ان يتاجر بالاشياء المفيدة للمجتمع لا يفكر الا بالاشياء المربحة اكثر ، واصحاب الرساميل لا مانع لديهم من انشاء مراكز الفساد واضلال جيل من الشباب لا لشيء الا لتجميع الثروة ، والطالب يدرس لتحصيل المال لا لخدمة المجتمع .
في مثل هذا المجتمع تقاس الافضليات ، القيم ، الانحطاط بمقاييس جوفاء من هذا القبيل فوجود الشخص في المجتمع يشخصه رصيده المصرفي والملكي المشخص وتنسى القيم الواقعية والانسانية وفي خصم هذا التسابق المالي تصاب الافكار والاستعدادات بعقم قاتل ويبذر بانماط النبوغ ويطفو على السطح الفكر السخيف والتصورات الجوفاء في حين ترسب الاحجار الكريمة في القاع وتدفن في الرمال .
رأي الاسلام :
خلافا لنظرة هؤلاء فإن الاسلام راعى كل الاحتياجات الجسمية والبدنية الدنيوية والآخروية ، الفردية والاجتماعية .
( 41 )
ولا بد من وجهة نظر الاسلام لتأمين السعادة البشرية من التوجه لكل الابعاد الوجودية لها ، فيجب ان تشبع الاحتياجات الغريزية للانسان .
ولكن على اساس من ضوابط تقيم الحياة الفردية والاجتماعية على اسس دولة ، وعند ذلك فلا بد ان يؤول الامر الى مسيرة تكاملية معنوية متصاعدة تستغل فيها مواهب الكون بكل سهولة ويسر وتصميم اتنتهي المسيرة الى الحياة في العالم الآخر .
اي قانون هذا الذي يستطيع ان يستوعب الوجود الانساني المليء بالاسرار وفي مختلف المراحل ومن جميع الزوايا ؟ انه ليس الا القانون الالهي الذي يضعه الله المطلع اطلاعا لايحده حد على عمق وجود جميع الأفراد .
ان الاسلام هو قانون الله ، الله المطلع على كل فرد في ارجاء هذا العالم وماذا يواجه هؤلاء في كل القرون وتحت كل الظروف الزمانية والمكانية المختلفة والبيئات المتفاوتة والأجواء المتباينة وما يلاقونه من مشاكل ، الله العالم بخفقات قلب كل موجود والمطلع على ما يحتاجه الجنين في رحم الأم والميت في لحد القبر وذلك اكثر مما يطلع عليه نفس الموجود المحتاج
( 42 )
الى الله الذي يعلم حاضر كل موجود ومستقبله والذي يعلم حالة كل مجتمع هذه السنة وفي كل سنة . والذي هو بعلمه اللامحدود مع كل موجود والعالم بكل الأسرار المخفية لكل عباده نعم مثل هذا المشّرع له صلاحية وضع قانون دائم لسعادت الانسان والاسلام قانونه .
( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ) سورة الروم آية 30
ان الاسلام يلاحظ جسم الانسان وروحه ويهتم باحتياجات كل منهما ويعتبر اشباع الاحتياجات الروحية والتكامل المعنوي والوصول الى السعادة الخالدة الاخروية أهم من غيرها ويراها هدفا أصيلا .
انه يتوجه الاحتياجات الجسم ذلك انه لو لم يكن الجسم لم يكن للروح ان تديم السير في كمالها ، انه يأمر بحفظ البدن وصحته فان لم يكن هناك بدن سالم تقاعدت الروح عن الفعالية والنشاط .
ويرى الاسلام ان كبت الغرائز وقهرها وعدم الالتفات لاشباعها امر مردود ، ويمنع اتباعه من الرهبانية والرياضات الروحية الباطلة ويصنع للأجابة على تساولات كل الغرائز طرقا واساليب صحيحة واصولية ليقف في وجه التحلل او الحرية
( 43 )
غير المحدودة التي تضر بالمسيرة الانسانية .
وتعاليم الاسلام في المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعبادية وغيرها تشكل اكبر شاهد حي على ان هذا الدين الحنيف لم يهمل حساب اية حالة ضرورية لحياة الانسان .
فلرفع الاحتياجات الاقتصادية امر بالعمل والسعي والزراعة والاعمار واصلاح الاراضي ، وتدجين الحيوانات ، والتجارة واتخاذ الحرف والصناعة ، وذم التعطل وعدم العمل ومن وجهة اخرى ولاجل تعديل الانسان في عمله وتحصيل ماله ولأجل التقريب بين الطبقات فقد وضع طرقا لتعديل الثروة وعلم اتباعه ان العمل والمال وسيلة لاهداف لئلا تتعلق ابصارهم بالثروة فقط ولئلا يتخلوا عن واجباتهم الشرعية واداء الضرائب الشرعية لتحقيق التوازن والتكافل الاجتماعيين .
ولا يرى الاسلام ان من الجائز ان تنمي الثروة بأي طريق كان فهو يمنع الربا وامتصاص دماء المساكين ويعتبر الربا من اكبر الذنوب واعتبره حربا على الله تعالى ، والاسلام يأمر بالصلاة لتبقى الصلة الدائمة بين المسلم وربه ولئلا يغرق في الامور المادية ، ويأمر
( 44 )
بالصوم لئلا يعتاد على اللذات ويصبح اسير بطنه وتبقى روحه وعقله الموجهين لبدنه .
ويطلب من المسلمين الدعاء والعبادات المستحبة ذلك لان الدعاء والالتجاء الى الله تعالى هو غذاء الروح وهو يصعد بالنفس الى مجالات القرب الألهي ويخلصها من قيود الارض ويمنع الانسان في المشاكل القوة والأمل والصبر ولكنه في نفس الوقت يرى الأكثار في العبادة المستحبة ، اكثارا وموثرا على تأدية سائر الواجبات أمرا غير مقبول .
كما ان الاسلام يرى ان المحبة القلبية بالنسبة لله تعالى والنبي صلى الله عليه واله وسلم واهل بيته الاكارم وشيعتهم ، والتنفر والانزجار من اعداء الله والنبي واهل بيته من الامور اللازمة الى الدرجة التي يعتبر فيها الايمان هو ( الحب والبغض ) ولكنه في نفس الوقت ولأجل ان لا يتصور البعض ان المحبة بدون ( العمل الصالح ) هي وسيلة النجاة يأمر باتباع سائر اوامره ونواهيه ، ويقيم المحبة بالمقدار الذي تستطيع ان تتجسد في عمل صالح واتباع الله والنبي وأهل البيت .
( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )
( 45 )
ويقول الامام الصادق عليه السلام عند وفاته :
« ان شفاعتنا لاتنال مستخفا بالصلاة » .
نعم ... ان الاسلام قانون كامل يتلاءم مع واقع الانسان وفطرته وياخذ بعين الاعتبار كل ابعاد الوجود الانساني وله في كل الامور والجهات أوامر معينة كاملة .
وعلى أمل ذلك اليوم الذي لانعود فيه نحن المسلمين بعد التوجه الى هذه الحقيقة ـ ننظر الى بعد واجد ـ بل نقيم حياتنا على اساس اسلوب صحيح وضعه لنا الاسلام العظيم ، على أمل ذلك اليوم ، نعيش وندعوا الله لتحقيقه .