التربية والتعليم
يروي صاحب مكارم الاخلاق عن المعصوم عليه السلام قوله :
« سبع خصال في الصبي اذا ولد من السنة » .
اولاهنّ : يسمّى
والثانية : يحلق رأسه
والثالثة : يتصدق بوزن شعره ورقا أو ذهبا ان قدر عليه
والرابعة : يعق عنه
والخامسة : يلطخ رأسه بالزعفران
والسادسة : يطهّر بالختان
والسابعة : يطعم الجيران من عقيقته(1)
واعتبر الامام الصادق عليه السلام العقيقة مستحبا مؤكدا حتى عبر عنها بالواجب فيقول عليه السلام .
« العقيــقــة واجبــة »(2) .
وسئل الامام موسى بن جعفر عليه السلام عن ختان الصبي لسبعة أيام قال :
« لسبعة أيام من السنة »(3) .
____________
1 ـ الوسائل 21 / 411 ـ 413 .
2 ـ نفس المصدر .
3 ـ الوسائل 21 / 439 .
( 2 )
1 ـ التسمــيــة :
يتصور البعض ان التسمية أمر بسيط وعادي ولا مانع من ان يطلقوا على الطفل ماشاؤوا من الاسماء بيد ان الأمر ليس كذلك ، فالتسمية أمرّ بالغ الأهمية ومؤثر في احاسيس الطفل ومستقبله . ومن هنا فقد خصص له باب كامل في الروايات .
قال الامام موسى بن جعفر عليه السلام :
« اول مايرى الرجل ولده ان يسميه باسم حسن فليحسن احدكم اسم ولده »(1) .
وقال الرسول صلى الله عليه واله وسلم :
« استحسنوا اسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة »(2) .
يقول الراوي : دخلت على أبي عبدالله وهو واقف على رأس ابي الحسن موسى عليهما السلام . وهو في المهد يساره طويلا . فجلست حتى فرغ فقمت اليه فقال أدن من مولاك فسلّم عليه فدنوت منه فسلمت فردّ عليّ بكلام فصيح ثم قال لي : اذهب فغير اسم ابنتك التي سميتها امس : فانه اسم يبغضه الله . وكانت ولدت لي ابنة فسيتها بالحميراء . فقال ابو عبدالله عليه السلام انته
____________
1 ـ الوسائل 21 / 389 .
2 ـ نفس المصدر السابق .
( 3 )
الى امره ترشد ، فغيّرت اسمها(1) .
عن الامام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام :
« ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان يغيّر الاسماء القبيحة في الرجال والبلدان »(1) .
وقال الامام الباقر عليه السلام :
« اصدق الاسماء ماسميّ بالعبودية وافضلها اسماء الانبياء عليهم السلام » .
وقال الامام موسى بن جعفر عليه السلام :
« لايدخل الفقر بيتا فيه اسم محمد او احمد او علي او الحسن او الحسين او جعفر او طالب او عبد الله او فاطمة من النساء عليهم السلام » .
عليكم استبدال اسماء أولادكم اذا كانت مغايرة لاسماء الأنبياء والأئمة او امهاتهم . طلبا لمرضاة الله وادخال السرور الى قلوب الانبياء والأئمة لئلا يشكوكم في المحشر بسبب الاسماء التي يحملونها والتي تذكّر بقبائح ابطال الجريمة والرذيلة .
____________
1 ـ الوسائل 21 / 389 .
2 ـ الوسائل 31 / 390 ـ 391 .
( 4 )
تسمية المولود :
يجب على الوالدين اختيار اسم علم لوليدهما ، ذكرا او انثى ، كما يستحب ان تنتقى الأسماء الحسنة ، وخير الاسماء عبد الله ، عبد الرحمن ، وما شابهما من الاسماء المعبدة لله ـ تعالى ـ وكذلك أسماء الانبياء ، وذلك لتأخذ الامة الاسلامية طابعها الخاص والمميز في اسمائها ، لتحمل أعلام العبودية والرحمة ، وتشرف بالانتساب الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وتعمق معاني الخير في جوانب الحياة ، وهذه طائفة من الاحاديث الدالة على ماسبق بيانه :
عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« من حق الولد على الوالد ان يحسن أدبه ، ويحسن أسمه » .
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه قال :
« الغلام يعق عنه يوم السابع ، ويسمى ، ويماوا عنه الأذى . فاذا بلغ ست سنين أُدب ، واذا بلغ تسع سنين عزل عن فراشه ، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على الصلاة والصوم ، فاذا بلغ ست عشرة زوجه أبوه ، ثم اخذ بيده وقال : قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك ، واعوذ بالله في الدنيا ، وعذابك في الآخرة » .
اما الاسماء التي تتصف بالرقة والتكسرّ والميوعة ، فيجب ان نصون أبناءنا عن التسمي بها ، أو ان تكون أعلاما
( 5 )
عليهم ، حتى لا تسري اليهم بعض أوصافها فللمرء نصيب من أسمه ـ كما يقولون ـ ومن الطريف في هذا الشان مارواه يحيي بن سعيد « ان عمر بن الخطاب قال لرجل : مااسمك ؟ قال : جمرة ، قال : ابن من ؟ قال : ابن شهاب ، قال ممّن ؟ قال : من الحرقة ، قال : اين مسكنك ؟ قال : بحرّةِ النار ، قال : بأيتها ؟ قال : بنات لظّي . قال عمر أدرك أهلك فقد هلكوا واحترقوا ، فكان كما قال عمر » .
وقد ثبت ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ـ قد غير بعض الاسماء القبيحة التي تسمى بها اناس من المؤمنين ، فمن ذلك ما قاله ابو داود :
« غير رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اسم العاص ، وعزير ، وعتلّة ، وشيطان ، والحكم ، وغراب ، وحباب ، وسمى حربا ، سلما ، وسمى المضطجع ، المنبعث ، وبني الزينة ، سماهم بني الرّشدة ، وسمى بني معوية ، بني رشده » تركت الاسانيد اختصارا .
2 ـ التعــليــم :
وقد اوجب الاسلام على الاب تعليم أبنائه .
( 6 )
وقد وردت بذلك النصوص الكثير من القرآن والسنة ونذكر جانبا منها فيما يلي :
قال الله تعالى :
( اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان مالم يعلم )
وقال ايضاً ( وقل رب زدني علما )
عن انس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« طلب العلم فريضة على كل مسلم » .
عن أبي امامة ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال :
« فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم . ان الله وملائكته واهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها ، وحتى الحوت ليصلون على معلّمي الناس الخير »
معنى التعليم :
يقصد به العمل الدائم والدائب والمحاولات الجادة التي يبذلها الآباء ، وكذلك معاونة المؤسسات المسئولة عن التعليم والتوجيه والاعلام والثقافة والتوجيه والاعلام في المجتمع ، من أجل رفع المستوى
( 7 )
الذهني والفكري للنشئ . عن طريق تهيئة المناخ الصالح ، بازالة المعوقات . وتذليل الصعوبات ، واتاحة مايمكن إتاحته من الإمكانات ، فيشب الأفراد الصالحين في انفسهم وتسرى بهم وعلى أيديهم روح الصلاح في المجتمعات والأوطان ، ولايقتصر مسرح هذه العمليات الهامة على البيت وإنما يمتد ليشمل المدرسة ومختلف المواقع الأخرى في المجتمع مما تقع عليه أبصار النشيء وما يتعاملون معه سلبا او ايجابا كما ان هذه العمليات تصاحب الوليد منه ان يرى ضوء الدنيا بعينيه ، ويستمع لما فيها بأذنيه على نحو ما أوضحه أحد الحكماء قائلا « لاعب ابنك سبعا ، ثم أدبه سبعا ، ثم صاحبه سبعا ، ثم انزل له الحبل على القارب » .
اسس تعليم النشئ :
1 ـ ايقاظ الضمير
ويكون ذلك بما يتناسب والمراحل العمرية المختلفة للطفل ، وايقاظ الضمير لدى الناشئة اساسه الايمان بالله وترسيخ عقيدة التوحيد في الاذهان ، وأنها فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وأنها صبغة الله ، ومن احسن من الله صبغة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل مولود يولد على الفطرة
( 8 )
فأبواه يهودانه او يمجتانه او ينصرانه » حتى اذا ما شب عن الطوق ترسخت في وجدانه عقيدة المراقبة والمشاهدة لله رب العالمين ، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ـ عن الاحسان فقال :
« ان تعبد الله كانك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
ومن النماذج الجيدة في هذا الصدد والتي ينبغي على الآباء فضلا عن المربين ان يلقنوها الناشئة ـ ماروي من ان معلما أراد ان يختبر ذكاء الصبيان ومدى تيقظ ضمائرهم ، فدفع الى كل منهم طائرا وسكينا وقال لهم : اذهبوا الى مكان لايراك فيه أحد ثم اذبح الطائر ، فذهبوا وعادوا وقد ذبحوا طيورهم ، الا صبيا جاء بطائره وهو مضطرب ، فسأله المعلم ، لماذا لم تذبح الطائر ؟ فقال له ، انك قلت لي : اذبح الطائر في مكان لايراك فيه أحد ، فكنت كلما ذهبت الى مكان وجدت الله معي ويراني فلم استطع ان أذبح الطائر ، وصدق الله العظيم اذ يقول
« ألم ان الله يعلم ما في السموات وما في الارض مايكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ، ولاخمسة الا وهو سادسهم ، ولا ادنى من ذلك ولا اكثر الا هو معهم اينما كانوا ، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ، ان الله بكل شيء عليم »
ومن الصور المحّبة التي تعين على ايقاظ الضمير وتقويته
( 9 )
ما رواه النواس ابن سمعان عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال :
« ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعلى جنتي الصراط سوران فيهما ابواب مفتحة وعلى الابوب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : ياأيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تفرحوا وداع يدعوا من جوف الصراط ، فإذا اراد ان يفتح شيئا من تلك الأبواب قال : ويحك لا تفتحه ، فانك ان تفتحه تلجه ( تدخله ) والصراط : الاسلام ، والسوران : حدود الله ، والابواب المفتحة : محارم الله . وذلك الداعي على الصراط : كتاب ، والداعي من فوق : واعظ الله في قلب كل مسلم .
تحرّ اختيار الرفاق والمخالطين :
ان الانسان في اي عصر ومصر ، في اي زمان وفي اي مكان . بحاجة الى اتخاذ الرّفاق والاخوان ، والاصدقاء ، والأعوان . لان الانسان كما يقول العلامة ابن خلدون « الانسان مدني بطبيته ولما كان الصديق يفضي الى صديقه بذات نفسه ، ويشركه في اخص ما يخصه : ليأنس برأيه ، ويستنير بفكره » فإن دور الأصدقاء والرفاق دور لا يجحد ، ويجب الا يغفل لدى الآباء والمربين بالنسبة للناشئة
( 10 )
فعليهم ان يرشدوا الابناء الى اختيار الاخوان والرفاق الصالحين لا الطالحين الذين لهم صلة بالله : لا الذين يتنكبون جانب الحق ويعرضون عن طريق الله . ومن النصوص التي ترشد الى ذلك نذكر ما يلي :
يقول الله تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشّي يريدون وجهه ولا تعدّ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فُرطا ) ( الكهف 28 )
ويقول تعالى : ( ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تُنصرون )
ويقول تعالى : ( الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدُوًّ الا المتقين )
يقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم « انما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير : فحامل المسك ام ان تحذيك ( يعطيك على وجه الهدية ) واما ان تبتاع منه ، واما ان تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير اما ان يحرق ثيابك ، واما ان تجد منه ريحا خبيثة » .
( 11 )
ج ـ الاستقلال بالرأي :
وتلك ناحية هامة يجب الالتفات اليها عند تعليم النشيء الا وهو تدريبهم على الاستقلال بالرأي والاعتداد به متى استكمل أسباب النضج الفكري والتجربة والميزان : ذلك لان مغبة التقليد خطيرة ، فهي تجعل صاحبها تابعا لا متبوعا ، فتقتل روح الاقدام ، فقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه قال :
« لايكن أحدكم إمّعة يقول : انا مع الناس ان احسن الناس أحسنت ، وان اساءوا اساءت ، ولكن وطنوا انفسكم ، ان احسن الناس ان تحسنوا ، وان اساءوا ان تجتنبوا اساءتهم » .
وكما يقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم « كلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدوها فهو احق الناس بها » .
د ـ الاقتداء بالسلف :
يجب ان نوجه النشئ الى الاقتداء بالسلف الصالح بصفة عامة والشباب منهم بصفة خاصة .
3 ـ العدل والمساواة بين الأبناء :
ان حق العدل والمساواة بين الابناء أمر قد قدره الاسلام
( 12 )
ونبّه على التخلي به ، حتى لا تتسرب العداواة ، والاحسن الى قلوب الاشقاء ، فيكون التدابر والتقاطع ، لا التواصل والتراحم واذا كانت طبائع الأبناء مختلفة فذلك أمر غير مستغرب ، ولكن الاغرب منه ان يجنح الاباء في عواطفهم فيفعلون مالم يأذن به الله ، من تفضيل بعض الابناء على بعض ، بدءا بالأحاسيس والمشاعر وانتهاء بالثروة والمال . بل ان بعض الاباء قد يتجاوز مبدا التفضيل الى الحرمان الجزئي أو الكلي ، مع ان الله سبحانه وتعالى قد قال في كتابه :
( آباءكم وأبناءكم لا تدرون أيهّم اقرب لكم نفعا )
وقد سمى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تفضيل بعض الابناء على بعض جورا ، فعن النعمان بن بشير قال : أعطاني أبي عطية ولم ترضى امي حتة يشهد عليها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فانطلق ابي الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقال له : اني نحلت ابني هذا غلاما ( اي اعطيته عبدا ) فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : الك ولد سواه ؟ قال نعم . قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أكلهم وهبت له مثل هذا ؟ قال : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : فلا تشهدني اذا ، فاني لا أشهد على جور يابشير . اتحب ان يكونوا لك في البر سواء ؟ قال : نعم . قال اذا فاذهب فأرجعه ، ان لبنيك عليك من الحق ان تعدل بينهم كما ان لك من الحق عليهم ان يبرّوك ، ثم قال : اتقوا الله
( 13 )
واعدلوا بين اولادكم .
وعن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« من كانت له انثى فلم يَئدَْها ، ولم يهينها ، ولم يوْثرّ وَلدَه ( اي الذكر ) عليها أدخله الله الجنة »
وروي الطبراني ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال :
« اعدلوا بين أبنائكم في النحل ( اي العطاء ) كما تحبون ان يعدلوا بنيكم في البر واللطف »
ولو تأملنا سورة يوسف عليه السلام لبدا لنا جليا ان احداثها التي وقعت في محيط هذه الأسرة النبوية وما صاحبها من مآسي وآلام فرقت بين أفرادها .
وأودت ببصر نبي الله ( يعقوب ) عليه السلام حزنا على مصير ولده ( يوسف ) المجهول . لو تأملنا كل ذلك لأيقّنا بان السبب الحقيقي هو ما بدا لأبناء يعقوب من ان أباهم يفضل يوسف وأخاه الشقيق ( بنيامين ) عليهم في القرب والعطف والكرم ، فبيتوا في الظلام أمرا تلته امور وفي ذلك يقول الله تعالى ( لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين
( 14
)
اذ قالوا ليوسف وأخوه أحبّ الى ابينا منا ونحن عصبة ان أبانا لفي ضلال مبين ، اقتلوا يوسف او اطرحوه أرضاً يَخْلُ لكم وجه ابيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين )
ج ـ الرعاية الدينية :
1 ـ التأذين والإقامة في أذنيه عقب الولادة .
ينبغي ان تردد الفاظ الأذان في الأذن اليمنى للمولود عقب ولادته ، كما ينبغي ان تردد ألفاظ الإقامة في أذنه اليسرى ويكون ذلك بصوت هادئ لا يترتب عليه ازعاج للمولود ، ولا يوثر تأثيرا ضارا بسمعه ، فتلك سنة نبينا صلى الله عليه واله وسلم فعن ابي رافع انه قال :
« رايت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ـ اذن في اُذن الحسن بن علي عليهما السلام على حين ولدته فاطمة عليها السلام » .
وفي رواية ابن عباس « ان النبي اذن في أذن الحسن بن علي عليهما السلام اليمنى حين ولد ، واقام في أذنه اليسرى » .
وفضلا عن امتثال السنة في هذا الفعل فان فيه من الخير وللصبي ما فيه فمن ذلك أنه يطرد الشياطين ، فعن الحسن بن علي عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
( 15 )
من وُلِدَ له فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره ام الصبيان ( اي التابع او القرين ) .
2 ـ العقيقة :
من الامور التي رغّب فيها النبي صلى الله عليه واله وسلم ـ ان يذبح عن المولود شاة في يوم سابعه ، وهي سنة عند جمهور الفقهاء ويقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فما رواه سلمان بن عمار الضبّي :
« مع الغلام عقيقة ، فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى » .
وفضلا عن ان العقيقة قربة لله فهي مظهر من مظاهر الفرح بالمولود مقرون بالطاعة ، كما انها من مظاهر التكامل الاجتماعي حيث يطعم منها الفقراء ، وفي ذلك توثيق لمعنى الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع ، وببركتها يدفع الله عن المولود وعن أهله الشرور ، رجاء ان ينبته الله نباتا حسنا .
3 ـ تعليم اصول الدين :
ينبغي لولي الامر ان يعلم ابناءه أصول الدين من نعومة أظفارهم يرفق بهم في هذا الشأن ، ويتدرج بهم بحسب مرحلة العمر التي يكونون فيها ، فعندما يبداءون التدريب
( 16 )
على الكلام يعودّهم كلمة التوحيد ، فعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« افتحوا على صبيانكم اوّل كلمة بلا اله الا الله ، وامره بالتدريب على العبادة كالصلاة في سن السابعة » .
ويجب ترويضهم على معرفة احكام الحلال والحرام ، كما فعل النبي صلى الله عليه واله وسلم مع الحسن والحسين عليهما السلام حينما اخذ ثمرة من مال الصدقة ، يقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيما رواه ابن عباس :
« اعملوا بطاعة الله ، واتقوا معاصي الله ، ومروا اولادكم بأمتثال الأوامر ، واجتناب النواهي ، فذلك وقاية لهم ولكم من النار » .
ويكون تأديتهم في هذا الإطار معتمدا على ثلاثة محاور
أولها : حب الله ورسوله
وثانيها : حب القرآن
وثالثها : حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
فعن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله :
« أدّبوا اولادكم على ثلاث خصال : حب نبيكم وحب آل بيته ، وتلاوة القرآن ، فإن حملة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل الا ظله ، مع انبيائه وأصفيائه » .
( 17 )
ويقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » .
عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه واله وسلم . قال :
« احبّوا الله لما يغدوكم من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، واحبوا أهل بيتي لحبي »
عن علي عليه السلام : ان النبي صلى الله عليه واله وسلم : أخذ بيد الحسن والحسين فقال :
« من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة » .
عن زيد بن الأرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« اني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم به فلن تضلوّا بعدي ، كتاب الله ، وعترتي اهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخّلفوني فيهما » .
رياضتهم على اللجوء الى الله في أوقات الشدة والرخاء .
عن ابن عباس قال كنت خلف النبي صلى الله عليه واله وسلم يوما فقال لي :
يا غلام ، اني اعلمك كلمات ، احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ، اذا سالت فاسأل الله ، واذا استعنت فاستعن بالله ، وأعلم ان الأمة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشيء لم ينفعوك الا بشيء
( 18 )
قد كتبه الله لك ، وان اجتمعوا على ان يضروك بشيء لم يضروك الابشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وحفّت الصحف »
4 ـ رياضتهم على مكارم الاخلاق :
ان مكارم الأخلاق ميدان رحب فسيح ، يعني التحليّ بكل مليح ، والتخليّ عن كل قبيح ، فيه يتنافس المتنافسون ، المتسابقون ، ولا غرّ في هذا ولا عجب ، فان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد قصر رسالته على هذا الميدان فقال :
« انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق »
كما بلغ حَدَبُه على مكارم الاخلاق حدّ الثناء على المتصفين بها من أهل العترة ـ فيوم ان مرت سفانة بيت حاتم الطائي في السبيّ وذكرت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم جانبا من صفات أبيها ما كان منه الا ان أمر بإطلاق سراحها قائلا :
« دعوها فإن أباها كان يحب مكارم الاخلاق »
وعليه فينبغي على الاباء تدريب أبنائهم منذ نعومة أظفارهم على الأخذ بالحظ الأوفر والنصيب الأكبر من مكارم الاخلاق ، وتعويدهم السلوك الطيب والخلق الكريم ، ولا شيء أنفع في هذا الصدد من ان يكون الآباء لهم قدوة حسنة ، ونماذج صالحة
( 19 )
وفي هذا يقول القائل : العلم في الصغر كالنقش على الحجر ، والعلم في الكبر كالنقش على الماء .
وذلك لكي يشبّ الأبناء عن الطوق مسلحين بالأخلاق والصفات القويمة ، التي تعينهم على الاضطلاع بحمل أمانة المسئولية . وشرف الذّود عن حياض الامة ومقدسات الدين .
وهناك خطوط تعيننا على اتباع خطوات في التربية
1 ـ الاستقامة :
وتعني السداد في الأمر ، ولزوم طاعة الله ورسوله يقول الله تعالى
( ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) .
2 ـ بذل النصح للمسلمين :
ويتمثل ذلك في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على نحو ما هو مقرر في كتب الشريعة ، شريطة ان يكون القائم به مؤهلا لذلك وقادرا عليه ، فعن أبي رقية تميم بن أوس ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال :
« الدين نصيحة . قلنا لمن ؟ قال : لله ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم » .
( 20 )
كل ذلك مع مراعاة ستر عورات المسلمين وعدم إشاعتها وإجراء أحكام الناس على الظاهر . وترك سرائرهم الى الله .
عن اسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ـ الى الحرقة من جهينة ـ فصبّنا القوم على مياههم ، ولحقت انا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، فلما غشيناه قال : لا اله الا الله ، فكف عنه الانصاري وطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا المدينة ، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال لي :
« يا أسامة اقتلته بعد ما قال : لا إله الأ الله ؟ قلت يارسول الله انما كان متعوذا يقولها بلسانه لينجوا من القتل ، فقال : أقتلته بعدما قال لا إله الا الله ؟ فما زال يكررها حتى تمنيت اني لم أكن اسلمت قبل ذلك اليوم » .
وفي رواية « فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أقال لا اله الا الله وقتلته ؟ قلت : يارسول الله انما قالها خوفا من السلاح ، قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟ فما زال يكررها حتى تمنيت اني أسلمت يومئذ » .
3 ـ رعاية حقوق ذوي القربى :
فيصلهم وإن قطعوه ، وتمتد يده بالعطاء إليهم وإن منعوه ولا ينتظر منهم مكافأة ، وذلك شرط الصلة : فليس المكافئ
( 21 )
بالواصل . ويدخل في هذا الباب بر أصدقاء الوالدين والاقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامهم . فعن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال :
« ان أبر البر ان يصل الرجل وُدّ أبيه » .
4 ـ رعاية حقوق الجيران والإحسان اليهم :
ويكون ذلك بالسؤال عن أحوالهم ، ومشاركتهم في الأفراح والأتراح في غير معصية ، وتقديم العون للمحتاج منهم ، والتلطف بذويهم من أهل وولد .
عن ابي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« يا أبا ذر اذا طبخت مرقة ( اي طبخت شيئا ذا مرقة من لحم وخلافه ) فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك » .
والجار يشمل المسلم والكافر ، والعابد والفاسق ، والصديق والعدو ، والقريب والأجنبي ، والأقرب دارا والابعد . فللجار القريب المسلم ثلاثة حقوق حق الاسلام ، وحق القرابة ، وحق الجوار . والجار المسلم له حقان ، حق الجوار وحق الاسلام . والجار الكافر له حق واحد ، هو حق الجوار ـ بهذا وردت الأخبار الصحيحة .
( 22 )
5 ـ توقير العلماء وأهل الفضل والصلاح :
عن انس قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« ما أكرم شاب شيخا لسنه الا قبض الله له من يكرمّه عند سنه » .
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ـ رضي الله عنهم ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف شرف كبيرنا » .
وقال صلى الله عليه واله وسلم :
« ان من إجلال الله ـ تعالى ـ اكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ، واكرام ذي السلطان المتحبط .
6 ـ التوسط في مرافق الحياة :
ومعنى ذلك ان ياخذ العبد في الدنيا بقدر البلاغ ، في سائر المرافق من مطعم ومشرب وملبس ومسكن ، ففي ذلك عون له على الالتفات الى معالي الامور والاعراض عن سفسافها ، في خفة وعلوّ همّه : لان اكثر ما يقعد الناس عن طلاّب العلا هو ركونهم الى زهرة الدنيا وزينتها ، والاقبال عليها الى حد التفائل يقول الله ـ تعالى :
( والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) الفرقان 67
ويقول عز من قائل :
( وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله اليك ) القصص 77
( 23 )
7 ـ افشاء السلام :
فالسلام هو تحية الاسلام ، وشعار المسلمين وتحيتهم في الدنيا وفي الاخرة . وهو مفتاح المحبة والالفة بين الناس ويستحب ان يقول المبتدئ بالسلام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فياتي بضمير الجمع ، وان كان المسلم عليه ويقول المجيب : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
فيأتي بواو العطف في قوله : وعليكم
ويسلم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير ويسلم الرجل على أهله عند دخول بيته قال تعالى :
( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على انفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ) النور 11
وعن انس قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
« يا بني اذا دخلت على أهلك فسلم ، يكن بركة عليك وعلى اهل بيتك » .
ومن الامور التي تعين على التحلي بكل ماسبق ما يلي ارتياد مجالس اهل العلم والصلاح .
ويعتمد ذلك على محبتهم ، والتودد اليهم ، ومجالستهم ، وصحبتهم بالمودة ، والبعد التام عن ايذائهم ، أو الحاق الاذى بهم ، يقول لقمان لابنه :
« يابني اخترّ المجالس على عينك ، واذا رايت قوم
( 24 )
يذكرون الله فاجلس معهم ، فانك ان تكن عالما ينفعك علمك ، وان تكن جاهلا يعلّموك ، ولعل الله ان يطلّع عليهم برحمة فيصيبك بها معهم . واذا رايت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم ، فانك ان تكن عالما لا ينفعك علمك ، وان تكن جاهلا زادوك غيّا او عياّ ، ولعل الله ان يطلع عليهم بعذاب فيصيبك معهم .
يقول الله تعالى :
( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ولا تعد عيناك تريد زينة الحياة الدنيا ، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا )
ارتياد المجالس وطول المكث فيها :
يقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم اذا رايتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالايمان ـ ثم قرأ قوله ـ تعالى :
( انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله فعسى اولئك ان يكونوا من المهتدين )
وان الانسان الذي يعتاد المسجد ويرتاده تحفّه الملائكة ويتفضل الله عليه فيغدق عليه الخير والكرم ويضاعف
( 25 )
له الاجر والثواب منذ خروجه من بيته حتى ينصرف من مصلاّه وقد كان المسجد في صدر الدعوة الاسلامية المعبد والمعهد والمعقل ، فيه تطهر الروح والبدن ، ويمتزج العلم بالعمل ، وتتضح الغاية والوسيلة ، ويعرف الحق والواجب . ويعتني بالتربية قبل التعليم ، وبالتطبيق قبل النظريات ، وفي رحابه تجيش الجيوش ، وتوجّه السّرايا ، رافعة رايات التوحيد خفاقة في العالمين .
(اسس ومبادئ الاسرة المسلمة )
عبد الحكم عبد اللطيف الصعيدي