المحبة
الحاجة الى المحبة

من الاحتياجات الاساسية والاستثنائية المهمة للأطفال هي الحاجة الى المحبة إذ يعدها بعض علماء النفس بأنها من ضمن الاحتياجات الفطرية التي تتعلّق بطبيعة الانسان ، وتتجلى هذه المسألة بصورة الحاجة الى المداعبة والحنان اللذان يمكن تتحسسيهما في الطفل منذ بداية حياته وحتى نهايتها . وإن عدم تلبية ذلك يؤدي الى ظهور الكثير من الاضطرابات النفسية والسلوكية والتي قد تجرّ إحيانا الى ارتكاب الجريمة والانحراف .

ان الشعور بمحبّة الآخرين أمر يبحث على التفاؤل . وما اعظم الجهود التي يبذلها الانسان للحصول على هذه المحبّة ولا يمكن إيعاز ذلك لغير الفطرة وشوق الفرد الى الهدوء والاستقرار الجسمي واشباع الشعور بالتعلّق . ويريد الطفل ان يطمئن من خلال ذلك بأن المجتمع بالرغم من اعترافه به ولد بشكل متواضع . وتوفيره موجبات لشعوره بالامن والاستقرار من كل الوجوه . بيد أنه يريد ان يشعر في ظل مسألة المحبّة بانهم يحبوّنه وينظرون له على انه احد اعضاء اسرة هذا المجتمع .
( 33 )
ظهور المحبة لدى الطفل

قلنا ان بعض المتخصصين يرون بأن اساس ذلك ومنشأه يكمن من فطرة الانسان ويلازمه طيلة حياته ، ومنذ الاشهر الثلاثة الاولى من حياة الطفل يفصح عن هذه الحاجة في نفسه . ويبرزها ويشعر بتعاظم هذه الحاجة في نفسه تدريجيا ، حتى انه ومن اجل الحصول على ذلك يلجأ أحيانا الى القاء نفسه في دوامة مبهمة ، ويسعى بشتى الطرق من اجل الحصول على ذلك ، وما اكثر الاطفال الذين يتظاهرون بالمرض من أجل استدرار عطف ومحبّة الوالدين لهم . خاصة عندما يشعرون بغفلتهم بل وحتى عندما يكون الطفل في مرحلة الرضاعة فانه يومئ لوالدته من خلال ابتسامته البرئية بانه بحاجة الى عطفها وحنانها ومحبّتها
( 34 )
ان الطفوله اليوم في كافة أصقاع الارض ـ تعيش مرحلة الضياع ، والفراغ : والاعتداء عليها ، هذه الاعتداء سواء كان ماديا ، أو معنويا ، او تربويا شأنها شان الانسان الشارد عن الله تعالى . الضائع تحت ملذات الشهوات . اللاهت نحو السراب ، لان مناهج التربية الحديثة قامت دراستها على التجارب المجزية المعملية .. وعلم الاحصاء ، والتحليل الرياضي وكل هذا المنهج صحيح وسليم بالنسبة للمادة ، لان المادة تسلك سلوكا واحدا عندما تواجه تأثير معينا ، وتسلك سلوكاً واحدا متكرراً عندما تواجه تأثيرين او ثلاثة او اربعة ، على حسب المؤثرات التي تواجهها ، اما الانسان فيختلف تماما ، فهو ينتقل بسرعة عجيبة ، بين الفرح والحزن ، وبين الامل والكأبة وبين حب الحياة وحب الموت ، فهو ينتقل بين الضدين ، وبين النقيضين ، وبسرعة تفوق سرعة الخيال ، واذا كان البحث العلمي يحترم نفسه في التعرف على المنتجات من خلال مواصفات منتجيها ـ فحريٌّ به ان يتعرف الى مواصفات هذا الانسان من خالقه سبحانه بوساطة هذا القران ، ولكن هيهات هيهات ان ينصف الانسان نفسه في مسألة الاعتقاد وتنظيم الشهوات
( 35 )
( 36 )
لهذا فإنني اعجب اشد العجب من بعض المفكرين والدعاة ان يدعو إلى الاخذ من تجارب الغرب في علم التربية ، وعلى الاخص مرحلة الطفولة ، وخاصة بعد التعرف على المنهج الاسلامي الصحيح للطفل .

فالطفل المسلم الذي يباشر الارتباط بالقرآن والسنة الشريفة ويكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما ، هو النموذج العملي الذي يبشر لاستئناف الحياة الاسلامية على الوجه الامثل . وان التصاق الطفل بالقرآن حفظاً وتدبراً وفهما وسيزيد من قدرته الفكرية أو العقلية ، والنفسية والاجتماعية اضعافاً مضاعفة عن غيره من الاطفال .

وإن من اعجاز القرآن الكريم ان يحفظه غيبا عن ظهر قلب الصغار والكبار المسلمون الذين لا ينطقون اللغة العربية فضلا عن المسلمين الذين ينطقونها ، وان في حفظه وتكراره يحقق اهدافا سامية للطفل الحافظ منها .

1 ـ تدريب قوة الحفظ لدى الطفل ، وزيادة قوة وسرعة الاستذكار واستحضار المعلومة بدقة فائقة ، تصل الى دقة الحرف وحركته وبذلك يتفوق عقل الطفل على سرعة الحاسب الالي ( الكومبيوتر ) .

2 ـ تهذيب نفس الطفل ، وتسلحه ضد وساوس الشيطان
( 37 )
وقرين السوء والنفس الأمارة بالسوء ، والشهوات المتكاثرة .

3 ـ انشغال الطفل بالعمل المفيد المثمر ، بدلاً من انشغاله المستمر في اللهو واللعب ورفقاء السوء .

4 ـ روي نبويا وثبت علمياً وواقعا « أن الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر » وبالتالي فان انشغال ذاكرة الطفل وحافظته بالقرآن الكريم سيزيدها قوة ، ونضارة ، وحيوية ، وتأثرا وتأثيراً .

5 ـ ان الذين يدعون الى عدم حفظ الطفل القرآن بحجة انه اثقال على ذاكرته ، وتحميل لها فوق طاقتها ، هم انفسهم يحمّلون اطفالهم من العلوم الدينية اضعافاً مضاعفة ، ويرهقونهم بها ، في حين ان الطفل المرتبط اقدر على حفظ العلوم الدنيوية ولانه يملك رصيدا من حفظ القرآن والسنة ، وهو الحفظ والفهم ، وأصبحت لديه عادة وملكة ، فهو اقدر من غيره على التقدم .

6 ـ ان نبغاء الامة الاسلامية عبر تاريخها الاربعة عشر قرنا تميزوا بحفظ القرآن دون السابعة او تصدوا لمجالس العلم في السادسة عشرة . وحتى العشرين من عمرهم ، في حين نرى ان التخرج من الجامعة اليوم . لا يمكن ان يحصل في اقل من واحد وعشرين عاما . فضلا عن قدرة الخريج للتصدر اي التعليم بشكل جيد ، فضلا عن الامتياز فضلا عن التفوق في التدريس .
( 38 )

7 ـ ان المؤتمرات الدولية حول جنايات الاحداث التي تعقد في كل سنة تصرخ بجرائم الاحداث والاطفال ، وما ذلك إلا لفشل تلك المناهج التي توجه الاطفال وتربيهم ، في حين لم تسجل تلك الجنايات اي رقم بالنسبة للطفل المسلم الملتزم فكفى بالنتيجة عبرة لأولي العقول والألباب .

8 ـ ليعلم الاباء ان غاية وجودهم هو عبادة الله تعالى ، وأهم واجب في مسؤوليتهما تجاه الله تعالى ، عدم إضاعة اطفالهم . ويتم لهم ذلك بربط الطفل بالقرآن وسيرة خير الانام ، رسول الله ( ص ) وبالتالي فإن الهدف لتربية الاطفال تربية إيمانية ، إسلامية ، قرآنية ، نبوية ، هو أساس الحياة كل مسلم غيور على دينه ، صادق في اسلامه .

9 ـ ان القرآن الكريم كتاب الله ، المعجز برسمه ( طريقه كتابته ) وحرفه وكلمته . ونظمه ، وسياقه ، ومعانيه، وقراءاته ، وتجويده ، والذي حفظ من الضياع .
( 39 )
توضيح مفهوم الحب

الحب بالنسبة للطفل لمسات حانية ، ومناغاة ومداعبة ، واشباع لرغباته في الطعام والشراب والدمى ، كما يستشعره الطفل ايضا في حمايته من الاخطار ـ والسمر على راحته وايثاره عما عداه الحب إذن عاطفه هامه ضرورية للطفل سواء في الناحية النفسية او البدنية ، واي احساس للطفل بحرمانه منه ، يورثه الكثير من الاضطرابات والعلل النفسية والبدنية .

وبعد ان ينمو الطفل ويشتد اختلاطه وارتباطه بالمجتمع من حوله . ويزيد محصوله من الخبرة والثقافة ، ويشاهد الكثير من الوقائع والاحداث ، يفهم تدريجيا أن للحب معاني أخرى ، نفصل بعلاقة الرجل بالمرأة ولا يخفى عليه ما يتصل بذلك من أمور تبعث على الخجل ، وتستوجب الحذر والكتمان ، إنها قضية تمس « الجنس » وعلى الرغم من ان الطفل في معظم مراحل عمره ـ حتى العاشرة أو الحادية عشرة ـ لا يدرك المعنى الحقيقي للعلاقة الجنسية ، الا انه يفهم من خلال ما يجري ويحدث امامه . أن هناك امور شائكة وقد تكون شائنة ومخجلة ، وترتبط بالمعصية او الخطيئة ، وتستوجب سخط الله واشمئزاز الناس ، ورفض المجتمع ، ويتعجب الطفل : لماذا يقدم بعض الافراد على ارتكاب شيء
( 40 )
مؤسف كهذا ، عندئذ تتشوه كلمة العشق والحب في عقله ، ويصبح للحب من هذا النوع مدلولاً خاصا يبعث على الخوف والعلق بل والعار أحيانا ، فكيف يتناول الذين يكتبون للأطفال قضية الحب ذلك ؟

أولا : التأكيد مع أهمية الحب وضرورته في الحياة لهم ولغيرهم .

ثانياً : الحب عاطفة طاهرة دائماً .

ثالثا : الحب الحقيقي يقتضي التقبل والعطاء ، اي تحب الناس كما يحبونك .

رابعاً : ان الله يحبنا ، وعلينا ان نحبه ونحب رسوله .

خامسا : الحب لا تعني الانانية . بل يسمو ويعظم إذا اعطينا وضحينا .

سادساً : نحن نحب الام والاب والاخوة والاخوات ، وهم لذلك يحبوننا ونحن الاصدقاء والجيران والمعلمين ، ولا نكره إلا الشر والفساد والظلم والغدر والخيانة وما الى ذلك من السلوكيات والصفات الأخلاقية الذميمة .

سابعا : حب الوطن الذي ننتمي اليه .

وعلينا ان نتعامل مع ابناء وطننا بالحب ولا نكره من يخالفوننا في العقيدة ، ولكن نتمنى لهم الهداية وتأمل ان تتسم علاقتنا بهم بالتعاون وحسن الجوار
( 41 )
وتبادل المنفعة التي تعود على الجميع بالخير .

ثامناً : نحب القيم العليا إرضاءً لله : وتحقيقا للسعادة للناس اجمعين .

تاسعا : نحب العلم واهله والسعي في سبيله تقربا الى الله . وارتفاعا بمستوانا . وخدمة لمجتمعنا ، وتخفيفا لانسانيتنا ورسالتنا على هذه الارض .

عاشرا : ونؤمن بالحب الصافي في المطهر ، لانه يسعد نفوسنا ، ويحقق لها التوازن والسعادة والاطمئنان ويشفي الكثير من جراحها وعللها .

فعلينا ان نزرع الاستقرار والاطمئنان في قلب الطفل وان نستئصل نوازع الأنانية ، او نخفف على الاقل من غلوائها ، ونساهم في تحجيمها . وجعلها في أضيق نطاق ممكن . وخاصة ان الطفل في بداية رحلة الحياة يحب الاستئثار بكل شيء ويحاول الاستحواذ على ما بيد الآخرين ، والانكى من ذلك انه يعتبر ذلك من حقه المطلق ، ويبكي ويصرخ ويحتج عندما يحاول احد كبح جماحه ، دون ان يدري ان تلك الانانية خطرها حق بالنسبة له . إذا لم نروضه على التخلص
( 42 )
من بعض آثارها تدريجياً

فإني مارس الاسرة ـ ومتطلبات الحياة ،

المحبة من قبل جميع الناس ، وخاصة بين الارحام وعلى الاخص تجاه الاطفال ضروري جدا . ذلك ان المحبة تعتبر عاملا من عوامل سلامة الجسم والروح وسببا لشفاء الفرد من الكثير من الاضطرابات السلوكية والاخلاقية وعاملا لإغناء الاواصر الانسانية ، وسببا لسلامة التعامل بين الناس :
مخاطر الحرمان من المحبة

لقد اجريت بعض الدراسات التي أظهرت نتائجها طبيعة لخاطر النابحة ، عن عدم المحبة والحرمان منها او عدم كفايتها والنقاط الواردة ادناه تمثّل لمخاطرها الناجمة عن الحرمان في هذا المجال ؟
1 ـ الفم والاضطراب :

ان الطفل المحروم من المحبّة كالمحروم من الطعام ويجب ان نتداركه ونمدّ له يد العون ، ذلك ان الفم والاضطراب الناجمين عن ذلك يؤديان الى انحراف الطفل . ولو وضعت يدك على قلبه لاطّلعت على مقدار الألم الذي اصابه : والأنين المتصاعد منه أنه يتجرع الالم غصة بعد غصة ، ويبكي و . . .
( 43 )
2 ـ حدوث الخلل في العلاقات :

أن فقدان المحبة يتسبب في برود العلاقات بين الأولياء والأبناء ، او بين المعلم والتلاميذ . وان لا يهتم بهم ولا يصغي إلى حديثهم ولا يعير أهمية لكلامهم وتوجيهاتهم . ولا يفتح قلبة لوالديه والاخرين ولا يحتلون مكانا في نفسه .
3 ـ القساوة :

الاطفال الذين لم يتلقّوا المزيد من المحبة وحرموا منها يبدون قدرة أقل على إبراز محبتهم في المستقبل ، او أنه يشعروا بمشاعر المحبة، وعلائق المودة فيما بينهم وبين الاخرين ، وقد أثبتت التجارب أن هؤلاء الافراد لا يتحرّجون في اظهار الخشونة ، والقساوة وضرب وحرج الاخرين .
4 ـ الانحراف :

أظهرت بعض التحقيقات التي أجراها المتخصصون بالعلوم الاجتماعية ان اساس الكثير من الانحرافات والشذوذ . بما فيها الانحرافات الجنسية والسرقة والعصابات ويجب البحث عنها في مسألة المحبة ، لدرجة ان نسبة 91 % من المجرمين خلال دراسة واحده كانوا يعانون من نقص المحبّة .
5 ـ المرض :

لقد أظهرت التحقيقات ان الاطفال المطرودين والمحرومين من
( 44 )
المحبّة يعانون من بعض العوارض مثل الحمى الصفراء والامراض الجلدية والنفسية . وفقدان الشهية الناجم عن نوع من فقدان الشهية النفسي ناجم في بعض الاحيان عن هذا الامر ايضا .
6 ـ التشاؤم وعدم الاهتمام :

ان الحرمان من المحبة يمهّد الارضية لحالات التشاؤم وعدم الاهتمام والعداوة ، واحيانا للثورة والتمرّد على الاخرين ، ويتسبب ايضا في إيجاد حالة الكره والتشاؤم ، ولا يتمكن الطفل ان يقيم علاقة مرضية مع الاخرين .
7 ـ النقص في النمو :

ان حالات النقص والطرد في هذا المجال تتسبب احيانا في ايجاد مبررات توقّف النمو او عدم حصول النمو النفسي لدى الافراد .
8 ـ الهروب من البيت :

و في نهاية مرحلة الطفولة واوائل مرحلة الشباب يلجأ الطفل أحيانا الى الهروب عن محيط البيت والحياة او على الاقل يلجأ الى اصدقائه اواحبائه ويميل الى قضاء معظم اوقاته خارج البيت ، و أن يقلل من فترة بقائه مع والديه .
9 ـ اضطرابات مرحلة البلوغ :

مثل هؤلاء الافراد يعانون في مرحلة البلوغ من اضطرابات وتقلبات
( 45 )
شديدة ، وتتعرض ، مشاعرهم العاطفية الى الضرر ، إذ لا يمكن حمله على محبّة الاخرين ويمنحهم مودّته .

وينبغي ان يكون الانسان محبوبا اولا حتى يصبح بامكانه ان يحب الاخرين . إذ أن هؤلاء ليس بمقدورهم فيما بعد ان يكونوا سبّاقين في اظهار المحبة والمودّة .
10 ـ عدم التمتع بالحياة :

وأخيرا فان هؤلاء الافراد لا ياخذون نصيبهم من الحياة وليس بوسعهم التواقف مع ظروف الحياة الاجتماعية وينفقوا من مواهبها ، ومن الطبيعي ان يكون امثالهم افراداً غير نافعين للمجتمع ايضا .

انماط ابراز المحبة

فما هي الطريقة والاسلوب الذي ينفعه الاولياء والمربين لبراز المحبة اتجاه ابنائنا . والجواب يمكن في ان ننظر في بوابة قلب الاطفال وعيونهم لنرى كيفية تجسيد المحبة
الاطفال الرضع ولغاية السنة الثالثة من العمر يرون المحبة في الغذاء والايواء ، والمداعبة ، اذن بامكان الام ان تجسّد محبّتها لطفلها من خلال ضمّه واحتضانه وارضاعه وايوائه في الملمات والاسراع في نجدته ومساعدته .

ويمكن تجسيد المحبّة بعد هذه المرحلة من العمر من خلال توفير
( 46 )
الاسباب والاشياء والاطعمة التي يرغبها . والملابس الجميلة والمداعبة والقبول .

وفي السنين التالية فان التفاخر والاعتزاز بامثال الاطفال . التقبيل والمعانقة والاحتضان . البسمة التي تنم عن الرضا . الصداقة والتحلّي بعلاقات صميمية في هذا المجال ، ومراعات حريته واستقلاله يمكن ان تمثل عوامل جدّية وبناءة .

فالمراد بذلك ان لكل سن ومرحلة من مراحل العمر حدا معينا لابدّ من مراعاته ، إذ يمكن احيانا ان تظهر محبتنا للطفل من خلال شراء قطعة من الشوكولاته او الحلوى له . وأخرى من خلال مدّ اليد للطفل وسط الجماعة ومراعاة الاحترام بين اصدقائه وحمايته ورعاية استقلاله .
الاحتياج الاكثر للمحبّة :

ان السنين الاولى من عمر الانسان كما يراها علماء النفس تمثّل مرحلة مصيرية تحدد افاق المستقبل للانسان . ويقولون بأن اللبنات الاولى للخير والشر في الانسان . والسعادة والشفاء فيه انما توضع في هذه المرحلة . وخاصة في السنوات الستة الاولى .

ومن هذا المنطلق فان الاهتمام بمتطلبات الاطفال في السنين التي تسبق مرحلة الابتدائية تحظى بأهمية بالغة . واكثر الاطفال الذين خطوا في سني الحياة الاولى بالمحبّة والثناء المناسبين بلغوا فيما بعد مراحل ودرجات عالية في الحياة . وعلى العكس منهم فالذين لم يتم اشباعهم بالمحبة في هذه المرحلة اخذوا يشعرون حتى في السنين التالية من العمر بالوحدة والانعزال .
( 47 )
ودليل هذا انه قبل معركة بدر . حينما قبض الصحابه على غلام راع لقريش سألوه عن عدد الجيش ، فاذا به لا يحسن الاجابة فضربوه ، حتى اقبل النبي ( ص ) وهو عالم النفس الحقيقي بلا منازع ، فاذا به يسأل الغلام . « كم ينحر القوم من الإبل ؟ قال الغلام : بين التسعة والعشرة . فقال ( ص ) « القوم بين التسعمئة ـ والاف ، فعرف ( ص ) أن هذا الغلام لا يعرف عدد الالوف ، ولكن طاقته العقيلة تدرك عدد العشرات وعشرات اي شيء عشرات الابل التي يسهل عدّها على كل طفل : لما بها في الحجم الكبير
عظمة محبة الأم :

لا تجد ضيرا ان نذكر هنا ان كل محبة تصدر في احد الاشخاص تجاه الطفل مقبولة في الحقيقة وطبيعية . الا ان الاكثر تقبلا منها وتأثيراً على روح الطفل ونفسيته هي محبة الام . حيث يرى الطفل ان محبّة الام واحتضانها اياه كالغذاء بالنسبة له ، إذ أن عدم وجود ذلك يؤذيه ويؤلمه . انه يسعى دائما لتأمين ذلك . بيد أن البنت اكثر سعيا في هذا المجال واكثر توفيقا في الحصول على محبة الامهات من الاولاد الذكور وعلى العكس منهم فانهن يقمن علاقات افضل مع
( 48 )
الاب ابتداءً من سنّ التميير .

ويأمل الطفل ان يكون في احضان امه مرة واحدة بين كل فترة واخرى . حتى انه لو خلد الى مهده ذات يوم محروما من تلك المحبة ، فانه يطلب اثناء الليل ان تأخذه الام بأحضانها ليعوض النقص الحاصل في هذا المجال خلال النهار .

إن العمل بهذه المحبة امر ضروري للنمو .. من الطبيعي ان تبرز الأمهات مثل هذه العلاقة مع الاطفال ، ولكن نريد ان نشير الى ضرورة الاهتمام الاكثر بهذا الامر مرة اخرى .
كيفية المحبّة :

يجب ان تكون المحبة بالشكل الذي يلمسه الطفل ويذوق طعمها ويقف على قيمتها العملية شخصيا . ويشعر بالاعتزاز تجاهها . ولا بأس من ان تشير الى ان المحبة تختلف عن الضرب والقرص باسم المحبة وينزعج الطفل من ذلك .

ونجد احيانا ان الامهات او غيرهن من الافراد ومن اجل اظهار محبتهم تجاه الطفل يأخذونه باحضانهم ويدغدغونه . ويعظّونه او يقرصونه بالتالي بالارهاق والتعب . إذ ان ضحك الطفل يصبح السبب في تصورهم : ان الطفل راضي بهذا الامر .

ولغرض اشعار الطفل بالمحبة ينبغي ان نتصرف بشكل يشعر معه
( 49 )
الطفل بالرضا والسرور . ويجب ان نبتعد عن اي امر يؤدي الى اصابته بالكسل والارهاق ونتصرف بشكل لا يؤدي الى انزعاج الطفل وايذائه من قبلنا وان لا يتداعى اليه ايلامنا وايذائنا اياه في اليوم السابق عند اقترابه منا .

ومن الضروري ايضا ان تأخذ المحبة طابعا ثنائيا ، وبنفس الاسلوب من تعامل الله تعالى مع عباده المتمثل بقوله تعالى (
رضي الله عنهم ورضوا عنه ) (
ويحبهم ويحبونه ) ويجب ان يتعلم الطفل كيف يظهر محبته تجاه الاخرين وبأي اسلوب . وكيف يحافظ على احترامه للاخرين خلال عملية اظهار محبته للاخرين .
مخاطر الافراط في المحبة

ان المحبة تجاه الطفل يجب ان تنقسم بالتوازن وبعيدة عن الافراط والتفريط . اما حدود التفريط او الافراط في ذلك فيمكن معرفتها بذكر هذه العلائم .

عندما يلجأ الطفل الى التمارض . والعبث ، والفوضى ، والدلال ، والضوضاء فان ذلك يدل على عدم اشباعه بالمحبة ولابدّ من استغاثته والاهتمام به .

وعندما تجدون ان طفلا يريد ان يتذرّع بمحبة الوالدين ويتخذ منه حجة للدلال والطلب اعلموا بانه قد حظي بالمزيد من المحبة . وعليكم ان تسيطروا على اظهار محبّتكم . وعلى العموم فان
____________
1 ـ المائدة : 199 .
2 ـ المائدة : 54 .
( 50 )
الافراط في المحبّة يؤدّي إلى الحاق اضرار بالغة نذكر قسما منها :

1 ـ يصبح سببا لتوقع الطفل المزيد من المحبّة من قبل الاخرين ، وعلى هذا الاساس يرى الطفل ان الوالدين والاخرين مدينون له ويسلك سلوك الدلال والتعلل معهم .

2 ـ يفقد ثقته بنفسه ، ويتعلق بالاخرين ومنهم والدته ووالده بشدة .

3 ـ ابطاء نموه الاجتماعي وتعرضه للمشاكل في علاقاته الاجتماعية .

4 ـ يستحوذ عليه التصوّر والوهم بانه يمثل مركز العالم وعلى الجميع ان يسارعوا لخدمته .

5 ـ في حالة الحرمان من المحبة بسبب الموت ، فانه يشعر بالضياع المقيت ويصبح من الصعب عليه مواصلة الحياة .

ولهذا السبب واسباب كثيرة أخرى منع الاسلام افراط الوالدين في اظهار محبتهم لاطفالهم . وقال رسول ( ص ) : ( شرّ الاباء من دعاه البر الى الافراط ) .
( 51 )
الحاجة الى البكاء

من المعلوم لدينا ان الطفل يلد الى هذه الدنيا بالدموع والبكاء والاه والدليل الأول على ولادة الطفل هو بكاؤه . بعض الدراسات اشارت الى أن بعض الاطفال يبكون في الفترة ما قبل الولادة وفي المرحلة الجنينة داخل رحم الأم . وذلك عندما يصاب كيس الماء بالتمزق وينفذ الهواء الى داخل حضرة الرحم .

البكاء أمر ملازم لنا في جميع مراحل العمر ، ولكن يختلف بين الشدة والضعف والقلة والكثرة . اساس البكاء دليل على الحاجة أو الألم ولكن لدينا بعض الموارد التي يتشبع فيها الانسان بالالم ولم يعد بحاجة الى البكاء ، وبعد ان تنتابه فشهرة من الهدوء والسكينه يستأنف البكاء تارة أخرى وبهذا الاسلوب ينال شيئاً من الهدوء والراحة . وكلما تقدم عمر الانسان يزداد شعوره بالرياء والغرور تدريجياً فيعرض عن البكاء او يقلل من نسبته وعدد دفعاته .
أنواع البكاء :

ان انواع البكاء لاتدل في كل الاوقات على مبتغى وهدف واحد بل ان لها اهدافاً ومقاصد مختلفة ، وهي عبارة عن بكاء الفراق وبكاء الخوف وبكاء الشوق والفرح ، وبكاء الألم والجوع ، كما يتفاوت الافراد فيما بينهم من حيث مقدار وحدود البكاء . وعلى سبيل المثال فان بكاء الاطفال المتخلفون قليل أو أنهم يتأخرون ليس من ضمن مفهوم الحب .

من الممكن أحياناً انه يعبر البكاء عن الألم أو الحاجة وأحياناً أخرى عن الاختيار إذ غالباً ما يلاحظ ذلك بالنسبة للأطفال في عمر 6 ـ 12 شهرا وقبل لحظات من نومهم اذ يريدون مثلاً انه يخبروا أمهاتهم وهل أنها تبقى إلى جانبه أم لا .

ومن الممكن أيضاً أن يكون البكاء هادئاً بل وحتى خفياً : بحيث يعتصر القلب آلماً وتسيل معه الدموع واحياناً أخرى يمكن أنه يكون علنياً جداً شديداً . والذي يدل على قلة فعالية غدة الثيروئيل الوراثية إذ ينقطع هذا النوع من البكاء في حالة معالجته ايضا .

وعلى اي حال سيصل اليوم الذي ينقطع فيه البكاء لدى الافراد تقريباً ويفصح الانسان عن المه وحاجته باسلوب آخر في المستقبل اسباب وعوامل البكاء :

أن البكاء يرسم دائماً علامة استفهام في ذهن المشاهد والسامع ، فيسألون انفسهم لماذا يبكي الطفل ، هل هو جائع ؟ أم مريض ؟ أم لغرض لفت الانظار إليه الدلال ؟ أم يشعر بألم ما هل يشعر ؟ بالتعب والانزعاج أم لماذا ؟ ... الخ

لو تفحصنا الأمر بدقة سنكتشف أن البكاء أحياناً بدل من
( 52 )
الاضطراب ، وأخرى علامة على الغضب ، وفي بعض الموارد علامة على الألم . أو الافصاح عن الجوع ، والعطش و... الخ والغرض توضيح القضية نحادل فيما يلي ان نصنف اسباب ذلك وعوامله .
ألف : الاسباب الحياتية ـ البدنية :

وهنا يمكننا التطرف الى ذكر مجموعة من الاسباب والعوامل وأهمها ما يلي .
1 ـ التنفس الحر :
البكاء حين الولادة : دليل على أول استخدام لعملية التنفس وقبل ان يحظى بأهمية نفسية ، يمتلك اهمية فسيولوجية ودليل على التنفس الحر للطفل .
2 ـ الافصاح عن الجوع :

احياناً يلجاً الطفل الى البكاء لكونه جائع او بسبب طول الفترة الفاصلة بين وجبتي إطعامه ولا يطيق الانتظار والهدوء . ولو أطعم في هذه الحالة فانه يهدأ وهذا بحد ذاته يعد انذاراً .
3 ـ الافصاح عن الألم :

واحياناً يبكي الطفل من الألم كأنه يعاني من المغص المعوي سواء بسبب الاصابة بالبرد أو بسبب التخمة او عدم هضم الغذاء
( 53 )
أن الأمهات الواعيات يمتلكن القدرة على سرعة الحدس ، ومعرفة السيد الذي يبكي الطفل ، وكيف ينبغي علاجه .
الانزعاج :

أحياناً ينسجم بكاء الطفل بسبب الانزعاج من طبيعة الملابس مثلاً قد يبلل ثيابه أو يشعر بعدم الارتياح لتعكر مزاجه ، ثم ما يلبث ان يهدأ ويسكن بعد تغيير ملابسه . كما يمكن أن تكون ملابسه قليلة أو كثيرة . إذ إنه ينزعج ويتألم في الحرارة والبرودة الشديدتين .
مقدمة للمرض :

من الممكن أحياناً أنه يكون البكاء مقدمة لظهور المرض . فأن يكون بكاؤه بسبب تألمه الناجم من ظهور بثور او حبيبات الجدري او لإصابته بحمى شديدة أو أنه في حالة معاناة من الألم .
الشعور بالتعب :

وهذا العامل يعتبر ايضاً من أكثر الاسباب والدلائل شيوعاً على البكاء : إذ ان الطفل لا يميل إلى النوم بسبب ممارسة اللعب قليلاً ، واستحواذ التعب عليه . أن الأرق وعدم النوم يعد بحد ذاته عاملاً متعباً جداً . ويتحول فيه وضع الطفل من سيئ إلى أسوا .
( 54 )
7 ـ تغيير الحالة :

ان تغيير الوضع او الحالة يمثل احدى اسباب بكاء الطفل . كتغيير محل نم الطفل . أو طبيعة نومه كالحركة من اليمين إلى اليسار وبالعكس ، او تغيير ملابسه لغرض الاستحمام ، أو إلباسه ملابس ضيقة .
8 ـ عدم الشبع :

احياناً يرضع الطفل ثدي أمه ويرضع الحليب من العلبة ، ويسبب قلة حليب الام او ضيق مجاري الثدي ، يقوم الطفل بمص الثدي لفترة من الوقت ثم يتعب ، دون ان يشبع ، وهذا الأمر يؤلمه جداً ، ويجري دموعه ويمثل بالنسبة للطفل نوع من الحرمان .

وهناك موارد أخرى في هذا المجال تستحق الاشارة لها وأهمها عبارة عن : الطعم الغير لذيذ ، الرائحة الكريهة ، التقيء ، الصوت المرتفع ، الانعكاس المباشر لضوء المصباح أو الشمس ، تنظيف الأذن أو الانف ، عدم انسجام الجهاز العصبي مع الجهاز الدموي .
ب ـ الاسباب النفسية :

المجموعة الثانية من الاسباب التي يمكن ذكرها حول بكاء الطفل هي :
( 55 )
الاسباب النفسية ، ويمكننا بهذا العدد انه نذكر مسائل واسباب عديدة تشير فيما يلي إلى بعضها :
الشعور بفقدان الامن :

أحياناً يلجأ الطفل الى البكاء لانه يرى أن أمنه معرض للخطر . أن ظروف نموه وحياته تستوجب أن يعيش دائماً في محيط بعيد عن الضوضاء والخطر . فعندما يعلوا الصراخ أو يصل إلى الاسماع صوت الانفجار فانه يشعر انه وضعه غير آمن فيبكي .
عدم الرضا عن الاوضاع :

أنه يشعر بحاجة ما ولديه طلب معين ويريد ان ينفذ طلبه بالشكل الفلاني . فعندما يرى المسألة بخلاف ما يريد يشرع بالتأوه والعويل ، أنه لم يرغب مثلاً بان يمنع عن عمل معين او انه يتسبب له بمشكلة معينه .
العقده النفسية :

أحياناً يصدر البكاء للتعبير عن نوع من تفريغ العقد وحلها . كأن يتذكر الطفل ان أمه ضربته قبل ساعة أو أهملته ولم تعتن به والان يشعر بعدم الارتياح من تلك الاوضاع فتنهمر دموعه ويخفف عن نفسه بهذا الاسلوب .
( 56 )
عدم الرضا عن نفسه :

ويلاحظ أحياناً ان الطفل يتجه إلى انجاز عمل معين ولكن لا يفلح في ذلك كأن يحاول ان يدخل علبتين في بعضها ولكن لا يتيسر له ذلك . ولهذا السبب لا يرضى عن نفسه فتجري دموعه بل وحتى من الممكن في السنوات اللاحقة ان يتذكر هذا الامر ويبكي .
ج الاسباب العاطفية :

في الكثير من الموارد توجد بواعث عاطفية للبكاء ، وفي هذا العدد يمكننا ان نذكر بعض الجوانب المتعلقة بذلك ، واهمها عباره عن
1 ـ الشعور بالوحدة وفقدان الملاذ :

انه يبكي لانه لا يرى والدته إلى جواره . لأنه يأنس بوالدته فلا يطيق فراقها ، ففي مثل هذه الحالة لو حضرت والدته عنده و يهدأ ويسكن ولو لاعبه شخص آخر فانه يسكت .
2 ـ الحاجة إلى الملاطفة والحنان :

انه يبكي لانه يفتقر الى الحنان والعواطف ، ويريد من الاخرين ان يلاطفوه ويلاعبوه ، ويستميلوا قلبه ، وفي هذه الحالات من الممكن احياناً ان يعمد الطفل إلى الدلال ويدلل نفسه إلا انه لا معنى لهذا الأمر بخصوص الاطفال تحت عمر ثلاثة أشهر
3 ـ علائم الغضب :

احياناً ينم البكاء مع الغضب
( 57 )
والعصبية . سواء أكان بسبب كونه عصبي المزاج أو بسبب كونه منزعج . ففي الحالة الأولى يصدر البكاء بعد الاستيقاظ من النوم ويستغرق فترات طويلة ، إذ يتسبب في خلق أجواء غير مريحة بحيث يفقد معها الانسان صبره .
4 ـ الخيبة واليأس :

من الممكن انه يكون بكاء الطفل بسبب شعوره بالخيبة واليأس . كأن يتمنى تأمين شيء ما ولم يفلح في ذلك ، كالرغبة في ان تؤدي له والدته مسألة معينة ولم يوفق في ذلك .
5 ـ تفريغ ثروته :

أحياناً يلجأ الطفل إلى البكاء ليفرغ شحناته وثورته . وعادة ما تحدث هذه الحالات من البكاء عند وقت الغروب ، وقد يكون للأرهاق اليومي دورٌ استثنائي في هذا البكاء .

وقد ذكروا لذلك دوافع أخرى منها الهيجانات الدورية للجهاز العصبي ، حملات الالام المعويه و ... ومن الممكن أحياناً يستمر هذا البكاء لفتره ساعة او ساعتين .
الخوف :

من الممكن احياناً يصدر البكاء عن الخوف . سواء الخوف من شخص غريب . أو رؤية الاحلام المرعبة إذ تتجلى هذه الحالة عادة في حالة الامراض الشديدة والحمى المرتفعة .
( 58 )
د ـ الاسباب الاجتماعية :

تتصف حالات البكاء احياناً بان لها منشأ وجذور اجتماعية وفي هذا الصدد بوسعنا ان نشير إلى جوانب متعددة أهمها ما يلي :
1 ـ التقليد :

من الممكن احياناً ان يصدر بكاء الاطفال عن حالة التأسي وعلى سبيل المثال قد يبكي الطفل لسماعه صوت بكاء طفل آخر أو يبكي عندما يرى ان والدته او والده او غيرهما يبكون
2 ـ التمرن على الصوت :
انه يعمل خلال بكائه على اصلاح مجرى الصوت ، ويقلد اداء الاخرين عند البكاء ويبين هذا المزاح وتلك الحقيقة
يبكي هو الآخر تدريجياً ويكسب دموعه .
3 ـ الاخبار عن اضطرابه :

احياناً ينسجم بكائه للاخبار عن حضور شخص غريب لم يألفه فهو لم يألف هيئة الشخص الغريب ، وليست له علاقة صميمة به : وبكاؤه في هذه الحالة يمثل نوعاً من الافصاح عن عدم الارتياح لهذه الاوضاع . تجدر الاشارة إلى ان هذا النوع من البكاء يعود لمرحلة ما بعد الثلاثة اشهر من العمر .
( 59 )
تبرير البكاء :

وبناءً على اساس التبرير المتقدم فان البكاء يعبّر عادة على علامة معينة أو امارة معينة للاطفال الصغار ويمثل رسالة لأولئك الذين لا يتملكون القدرة على بيان آلامهم الداخلية وما يشعرون به ، أجل علامة ورسالة للتعبير عن الحاجة ، والافصاح عن عدم الارتياح . وجرس للتنبيه وعلامة على فقدان التحمل ، وبلوغ الألم ذروته و ....

وعلى هذا الأساس يمكن ان يصبح البكاء عاملاً للارتباط لكن ليس كذلك دائماً لاننا نلاحظ ان الاطفال الصغار يبكون اكثر ايحاناً في فترة العادة الشهرية للأم ، انه يعرب عن ميله إلى النوم ، وزيادة الطعام ، وتحمله للألم عن هذا الطريق .

وفي كل الاحوال فالبكاء يعبر عن ضعف الطفل ، ولو كان بوسع الطفل ان يعلن عن حاجته بأسلوب آخر للجأ إليه . ولكن لا يستبعد ان يستغل ذلك الاسلوب أحياناً لغرض تقوية مكانته . وتقول انه يجب على الوالدين ان يتخذوا موقفا سليماً في هذا المجال .
فوائد واهمية البكاء :

البكاء أمر مفيد ومهم بالنسبة للاطفال ، ذلك انه يبعث
( 60 )
على سلامة البدن من الناحية الجسمية ونحو الجهاز التنفسي والاوتار الصوتيه ، ويؤثر كذلك عل سلامة العينين .

ومن الناحية العاطفية والنفسية يعتبر البكاء عاملاً لتفريغ الشحنات ، وحل المشكلات او كما يعبر عنه بالمصطلح العامي بانه سبب في تخفيف العظام ، إذ أنه عامل مؤثر على سلامة الطفل النفسية ، كما أنه ضروري لأدامة الحياة ، حيث انه يبكي ليعلن عن حاجته ، ذلك انه لا يملك قدرة البيان والنطق للافصاع عن آلامه واحتياجاته ،

ولهذا السبب فقد اوصى الأئمة عليهم السلام بان لا نمنع الطفل عن البكاء ، ولكن يجب عدم السماح بإطالة البكاء ، أو جعله وسيلة لبلوغ اهدافه ، وكذلك يجب عدم السماح له بان يرفع من حدة بكائه لدرجة يفقد معها قدرته وقوته
موقف الآباء تجاه البكاء

يظهر الاباء عادة حساسية معينة تجاه بكاء الأطفال ، خاصة الامهات وبالاخص عندما لا يملكون سواه او يكون وليدهم الاول ، ان
( 61 )
بكاء الطفل يقلق قلب الأم بشدة ، لئلا يكون قد ألمّ بالطفل خطرٌ او يتسبب طول البكاء بأيذائه .

ولهذا السبب فانهم سرعان ما يقومون بتهدئته واسكاته بشتى السبل ، بل وحتى من الممكن ان يأخذوه إلى مخدعهم او يعودوه على عادات سيئة ويلقنوه بعض التفرقات التي يصعب فيها بعد صرفه عنها ضرورة المواساة بسبب البكاء .

الاساس في التعامل يستند الى ضرورة مواساة الطفل وتطيب خاطره وتهدئته إلا انه لا ينبغي ان يحصل هذا الأمر بكل مسألة صغيرة او بكل حالة من البكاء ، أحياناً يتطلب الأمر ان لا نعير اهمية لبكائه وندعه يبكي قليلاً ويخفف عن نفسه ، ولكن في الموارد المذكورة ادناه تعتبر مواساته ضرورية :

1 ـ عندما يتجرع الطفل الألم فنتيجة لاصابته بمرض مجهول او معروف .

2 ـ عندما يبكي بشدة نتيجة الخوف ويبحث عن ملاذ آمن .

3 ـ عندما يرى احلاماً مرعبة ، ويبكي بشدة اثناء النوم ويصرخ ويستنجد .

4 ـ لغرض حالات البكاء الشديدة والحادة والتي تصدر عادة بسبب الالام المعوية الحادة ( كوليك ) او الانتفاخ الشديد :

5 ـ عندما يستغرق البكاء وقتاً طويلاً ولا يهدأ الطفل .

6 ـ لحالات البكاء الفورية والمفاجأة ، فان الطفل هادئاً ثم يبكي فجأة .
( 62 )

7 ـ واخيراً في حالة وجود خطر من التطبّع بعادة سيئة في هذا المجال .
مخاطر عدم الاهتمام بالبكاء

بالرغم من اهتمامنا الفائق بالطفل ومراقبتنا له لئلا يسئ الفهم ويستغل مسألة البكاء ، لابد لنا من الاهتمام ببكائه ايضاً ، وان لا تكون غير مبالين ببكائه في كل الاوقات ، طبعاً يجب ان ينصب اهتمامنا حول مسألة عدم السماح للطفل بان يتخذ البكاء وسيلة لتحقيق اهدافه الغير مشروعة ، ولا يجعله حالة طبيعية ، ولا يصبح سبباً لدلاله وتملقه ، ولا يتخذ البكاء طريقة من منظمة ، ولا يصدر بصورة امراً والحاح ، وان لا يتحول الطفل الى فرد متطبع على الحمل والاحتضان وكلما نضعه على الارض يشرع بالبكاء ، وحتى لو بكى احياناً لمدة 15 ـ 30 دقيقة فليس ذلك مهماً بالنسبة لنا ، ولكن لابد من الالتفات والحذر لئلا يتبادر له هذا التصور : وهو أن الأم والأب لا يبالون به ولا يعيرونه أهمية تذكر ، إذ ان الخطر في ذلك يمكن هنا :

سيشعر الطفل بفقدان الملاذ ، ويفقد الأمل بالحياة تدريجياً ثم يتحول فيما بعد إلى فرد حاد المزاج ، تابع لغيره ، يسيئ الظن بالآخرين ، وأحياناً يعيش منزوياً ايضاً ، وذو سلوك غير اعتيادي ، مضطرب ، عصبي و...الخ .
( 63 )
التحذيرات :

الموارد التي مر ذكرها صحيحة ، وكل منها ضروري في محله ، ولكن من الضروري أيضاً الالتفات الى الملاحظات ادناه :

1 ـ ان لا يكون اسلوبنا المستخدم بالشكل الذي يصبح معه الطفل غوغائياً او يتغد بكائه طابع العادة .

2 ـ منذ ان يبدأ الطفل بالقدرة على الكلام والنطق ، يجب ان نحاول معه على تبيان مايريد بالكلام لا البكاء .

3 ـ لا تضربوه بسبب بكائه ، لأنه ذلك لا يؤدي إلى حل المسألة وحاولوا ان تنهوه عن البكاء بالولال او الاهمال .

4 ـ لا يحبذ استخدام الأدوية المانعة للبكاء دون ترخيص الطبيب .

5 ـ من الضروري مراجعة الطبيب في حالات البكاء الشديد ، والبكاء المصحوب بالعصبية والفوران .
( 64 )
وفي بعض الموارد قد يتسبب عدم القيام بالحؤول دون البكاء او عدم الاهتمام به الى خلق المخاطر للطفل ، فمثلاً من الممكن ان يكون زنبور قد دخل بين ثيابه او ان يكون في حالة الاختناق وانقطاع النفس ، ناهيك عن ان الاطفال أحياناً وبسبب البكاء وبلع الهواء يتقيؤون بشدة ويمكننا قبل ذلك ان نكشف اتساع معدتهم .
تهدئة الطفل من البكاء :

من خلال الاهتمام بالموضوع اعلاه في الضروري ان نعمل على تهدئته الطفل من البكاء وتختلف اساليب التهدئة حسب الحالات الموجودة :

أحياناً يمكن تهدئة الطفل بواسطة احتضانه .

وأحياناً يمكن مرافقته وابعاده عن ذلك المحيط وملاطفته بصوت هادئ .

واحياناً يستلزم الامر ان نظهر للطفل مقدار مواساتنا له .

بعض الأمهات يلجأن في هذه الحالة الى وضع الثدي في فمه او اعطائه الملهية ( الحلمة الپلاستيكية ) .

وأحياناً يهدؤون الطفل من خلال الترنيمات وهز الطفل وتحريكه ، ولكي يهدأ الطفل العصبي فان بعض الامهات يقمن بوضعه على بطنه أو ضغطه بشكل محكم في الحضن .