وأما الوالدان الجاهلان فإنهما يقضيان على الحقوق الطبيعة والشرعية لأبنائهما الشبان ، كما يدمران عزة النفس والشخصية لديهم بالإهانة والتحقير والأعمال غير الصحيحة ، وبهذه التصرفات السيئة ينثران بذور العداوة والبغضاء في قلوبهم ، ويجعلان منهم أعداء لهما .
قال الإمام علي عليه السلام : « ولدك ريحانتك سبعاً وخادمك سبعاً ثم هو عدوك أو صديقك » (1) .

الأبوان المسؤولان :
إن الوالدين اللذين يربيان أبناءهما بشكل صحيح من حيث التصرف والكلام فإن هؤلاء الأولاد ينشأون بقلوبٍ طاهرة ، وفضيلة عامرة ، تشملهم الألطاف الإلهية ، ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم دعا لهم بالخير .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « رحم الله والدين أعانا ولدهما على برهما » (2) .
أما الوالدان اللذان يربيان أولادهما تربية سيئة بالإهانة والأعمال الحقيرة وغير المشروعة ، فإنهما يدفعان بهم إلى حالةٍ انتقامية وإلى الخطيئة والعدوان فيشملهم عذاب الله عز وجل .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يا علي لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما » (3) .

شرط التفاهم :
النتيجة المستحصلة أن تكريم الشبان واحترام شخصياتهم واستقلالهم هو أحد الشروط الأساسية لحسن التفاهم الاسري .
فقد كرم الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الشاب من جهة ، ومن جهة اخرى فقد
____________
(1) شرح ابن أبي الحديد 20 كلمة 937 ص 343 .
(2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 625 .
(3) بحار الأنوار ج 17 ص 18 .

( 14 )

حث الوالدين على أن يقوما بتربية الأولاد على أحسن وجه وأن يقوما بوظائفهما تجاه أولادهما خصوصاً وقت الريعان والشباب .

الأبناء والشعور بالمسؤولية :
الشرط الثاني لتفاهم الشبان والكبار في جو الاُسرة ، هو وجوب أن يعرف الشبان أيضاً حق الوالدين ويحترموا شخصيتهما ، وبعبارة اخرى ، إنه لا يكفي أن يعرف الوالدان واجبهما وأن يحترما شخصية أبنائهما ، لحسن التفاهم بين الشبان والكبار ، بل على الشبان أيضاً أن يعرفوا بالمقابل واجباتهم في حفظ حقوق وحدود الوالدين واحترامهما ، وأن يكرموا شخصيتيهما ، وقد جاء هذا الموضوع في القرآن الكريم وفي الروايات الإسلامية والأحاديث الشريفة مع التأكيد .

حقوق الوالدين :
قال تعالى : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيرا ) (1) .
قال الإمام الصادق عليه السلام في تفسيره للأية : « معناه لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برأفة ورحمة ، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يديك فوق أيديهما ، ولا تتقدم قدامهما » (2) .
عن الباقر عليه السلام قال : « سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أعظم حقاً على الرجل ؟ قال : والداه » (3) .
عن أبي جعفر عليه السلام قال : « نظر أبي إلى رجل ومعه ابنه يمشي والإبن متكئ على ذراع الأب : قال : فما كلمه أبي مقتاً له حتى فارق الدنيا » (4) .
____________
(1) سورة الإسراء ؛ آية : 24 .
(2) مجمع البيان ج 6 ص 411 .
(3) مشكاة الأنوار ص 158 .
(4) مجموعة ورام ج 2 ص 208 .

( 15 )

فقه الرضا عليه السلام : عليك بطاعة الأب وبرّه والتواضع والخضوع والإعظام والإكرام له ، إلى أن قال وقد قرن الله عز وجل حقهما بحقه فقال تعالى :
( اشكر لي ولوالديك إليّ المصير ) (1) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « رضى الله في رضى الوالدين وسخطه في سخطهما » (2) .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم « نظر الولد إلى والديه حُبّاً لهما عبادة » (3) .
إن عمل الخير للوالدين واحترامهما واحترام شخصيتهما واجب إسلامي تماماً ويجب أن يكون ذلك برنامجاً ثابتاً ودائماً في المجتمع الإسلامي ، وعبر الأجيال ، ويكون حديث الأبناء عن الوالدين مقروناً بالأدب والإحترام .

المحافظة على سنة الاحترام :
إن فتيات وشبان اليوم هم أمهات وآباء المجتمع في الغد ، ولو أن شباب اليوم راعوا واجب التكريم والاحترام لوالديهم ، وحفظو هذه السنة الإلهية في المجتمع ، فإنهم غداً سيكونون موضع تكريم من قبل أبنائهم وينعمون في هذه السعادة .
قال الصادق عليه السلام : « بروا آباءكم تبركم أبناؤكم » (4) .
إذاً فالشرط الثاني لحسن التفاهم بين الكبار والشبان في العائلة هو تكريم واحترام الوالدين . إن الأبناء الشبان مكلفون أن يتصرفوا مع والديهم بكمال التواضع والأدب ، وأن يحترموهما منتهى الاحترام وبهذا يجلبون رضاهما الذي هو من رضى الله تبارك وتعالى .
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 627 .
(2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 627 .
(3) تحف العقول ص 46 .
(4) بحار الأنوار ج 17 ص 184 .

( 16 )

تكريم الكبار :
إلى جانب احترام شخصية الأبناء الشبان والوالدين ، لابد من تكريم الجد والجدة طبقاً لتعاليم الإسلام ، وهذا هو الشرط الثالث لتفاهم الشبان والكبار في محيط الاُسرة ، وقد وردت ضرورة إجلالهم وتكريمهم في القرآن الكريم والروايات الإسلامية بصراحة ، كما أوجب ذلك أولياء الإسلام حيث طالبوا من أتباعهم حفظ حقوق ورعاية حدود الجد والجدة .
( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما اُف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً ) (1) .
روي عن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن أبيه عن جده أبي عبدالله عليه السلام قال : « لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من ( اُف ) لأتى به » (2) .

الاسلام والشيوخ :
هناك عناية كبيرة بالشيوخ في الدين الإسلامي ، فقد دعا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والآئمة الطاهرون عليهم السلام أتباعهم إلى تكريم الشيوخ واحترامهم ، وقد قدمنا القيمة المعنوية والإجتماعية لاحترامهم .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « البركة مع أكابركم » (3) .

تجارب الشيوخ :
رأى الشيوخ الكثير طوال عمرهم وذاقو حلو الحياة ومرها كما أنهم حصلوا على دروس كثيرة من مدرسة الحياة ، وهؤلاء رغم أن أجسامهم ضعفت ، وفقدوا الكثير من القدرة والحركة والنشاط ، ولكنهم اكتسبوا تجارب قيمة ، ويعرفون الخير والشر ، ويفسرون المسائل بشكل أفضل ، ويستطيعون
____________
(1) سورة الإسراء ؛ آية : 23 .
(2) مجمع البيان ج 6 ص 409.
(3) وهج الفصاحة ـ كلمة 1103 ص 398 .

( 17 )

كالقادة الدينيين أن ، يكونوا هُداةً للآخرين ، ويدلون الشباب والرجال على خيرهم وسعادتهم .
قال الصادق عليه السلام : « الشيخ في أهله كالنبي في اُمته » (1) .
كانت بين بعض الأقوام والقبائل عادات عجيبة بالنسبة للوالدين المعمرين ، إذ كان الأبناء طبقاً لعقيدة خرافية ، أو مراسم محلية يتصرفون بظلم مع آبائهم المسنين وينهون حياتهم بطريقةٍ غير إنسانية .

خرافات بعض القبائل :
« أهالي الجزيرة ( فيجي ) يعتقدون أن أي شخص يحتفظ بقواه البدنية والروحية التي هو عليها لدى موته في العالم الآخر ، ولذا فإن الشخص عندما يصل إلى الشيخوخة فإنه سيبقى كذلك إلى الأبد ، ولهذا السبب فإن الإبن الذي يحترم والديه يستطيع أن يقتلهما بضمير هادئ ، وهو يعتقد أنه قدم أكبر خدمةٍ لهما » (2) . .

وأد الشيوخ :
« يقول ويل ديورانت : سكان ملانزي يدفنون المرضى العجائز أحياءً ويعتبرون ذلك وسيلة جيدة للخلاص من بقاياهم » (3) .
« يقول راسل : لقد كان التعاون الإجتماعي في الأساس مبنياً على القوة والقدرة وعلاقات الوالدين بأبنائهما ، طالما هم صغار ، فهي مبنية على القوة والقدرة ، وعندما يكبر الأبناء ويضعف الوالدان ، ينقلب الوضع ، بعض القبائل كانوا يبيعون الوالدين الضعاف إلى القبائل المجاوزة آكلة لحوم البشر ، ولذا كانوا يتقصدون في تكاليف العيش . ولكن عندما كان الآباء في عنفوان الشباب حالوا
____________
(1) لئالىء الأخبار ـ ص 181 .
(2) علم النفس الاجتماعي ج 1 ص 180 .
(3) مباهج الفلسفة ص 85 .

( 18 )

دون ذلك ووقفوا بوجه هذه العاقبة السيئة ، حيث إنهم بدأُوا تعليم الأبناء منذ الصفر فضيلة المحبة العطف » (1) .

الشيوخ وعالم اليوم :
في عالم اليوم ، حيث إن المبادئ الإيمانية ومكارم الأخلاق سارت نحو الضعف ، وفقدت العواطف الإنسانية والاُلفة العائلية قيمتها في عالم أصبح أساس الحياة فيه مبنياً على اللذة والشهوة ، وأصبح الهدف الأساس للناس جمع الثروة أكثر فأكثر ، فإن وضع الوالدين أصبح مؤسفاً ، حيث لا إيمان كامل في قلوب الأبناء ليكرموا الوالدين في سبيل الله ، وليس لديهم للفضائل الأخلاقية قيمة حتى يحترموهما لما لهما من حق .

انعدام عاطفة الشباب حيال الشيوخ :
والشباب والكهول يسيرون بسرعة نحو أهدافهم المادية ، وليس فقط لا يعيرون أهمية لوالديهم المسنين ، بل يعتبرونهما سداً ومانعاً أمام تقدمهم ولذا يسعون لإبعادهما عنهم ليتخلصوا من عبئهما .
إن الأشخاص الذين عاشوا عمرهم لوحدهم ، ولم يؤسسوا عائلةً منذ البداية ولا يملكون زوجة ولا أبناء ، أو كانوا لديهم ثم فقدوهم ، عندما يصل هؤلاء إلى مرحلة الشيخوخة يعانون من ( مشكلة ) واحدة هي ( الشيخوخة ) . ولكن الوالدين اللذين أمضيا أكثر من نصف قرن وتحملا أعباء تكوين عائلة وصرفا في هذا السبيل عمرهما وأموالهما على أبنائهما وبناتهما ، لو حرما في وقت الشيخوخة من المحبة ، وأحياناً يواجهان التحقير وعدم الاحترام من الأبناء والأحفاد فإنهما يصابان بمصيبتين ، مصيبة الشيخوخة ومصيبة الإهانة وفقدان المحبة . ولا شك أن القلق النفسي والضغوط الروحية التي يصابان بها هي أقسى بكثير من المصيبة الاُولى . لحسن الحظ أن مجتمعنا الذي أكثر سكانه من
____________
(1) الآمال الجديدة ص 99 .
( 19 )

المسلمين ، الناعمين بتعاليم الإسلام ، يعطفون ويكرمون الوالدين عند الشيخوخة ، ولذا نرى الوالدين المسنين يحظون بنوع من المحبة والاحترام ، ولكن في الدول الغربية قلّت بشكل ملحوظ مكانة الوالدين المسنّين ، وفي بعض الأحيان يصابان بوضع مؤسف بحيث يقدمان على الانتحار بسبب الضغوط والوضع النفسي السيء لهما . وأحياناً يكون الأبناء العاقون هم الذين يمهدون لموت الوالدين .

انتحار المسنين :
« الموضوع الملفت للنظر ، هو التفكير والإقدام على الانتحار لدى المسنين فحسب الإحصائيات في الدول الأوروبية أن نسبة الانتحار في صفوف المسنين كبيرة ، والانتحار في الغالب ينشأ عن عامل خارجي مثلاً أزمة مالية ، أو عدم وجود محبة من قبل الآخرين ، وقليلاً ما تكون الأسباب داخلية » (1) .

جريمتان في عائلة واحدة :
« ذات يوم من عام 1967 في ناحية بالقرب من مدينة (ROUEN) الفرنسية ، يعلن شاب اسمه فرانسوا في حالة سكر أنه قتل جدّته . فلا يعيره الناس أهمية ويعتبرونه سكراناً ، ولكن الشرطة المحلية تفكر في التحقيق ، فيظهر أن كلام فرانسوا لم يكن عبثاً وأنه حقاً قتل جدته . والحكاية أن السيدة جولين والدة فرانسوا تتبرم من بقاء اُمها العجوز لديها في البيت ، وأنها تعبت منها ، وأن ابنتها جانين على وشك الزواج ، فهي وخطيبها يريدان إبعاد العجوز عن البيت بسرعة لكي يتزوجا براحة ، وذات ليلة يتشاور الجميع ويتفقوا على أن يقوم فرانسوا بخنق الجدة ، فتم ذلك ومن الطبيعي أن موت امرأة عجوز ، عاجزة ، ليس أمراً مهماً يلفت
____________
(1) مجلة نقابة الأطباء في إيران ، السنة الثانية العدد 6 ص 426 .
( 20 )

النظر ، وسكان الناحية اعتبروا المسألة عادية ، وطبيب القرية يكتب تقرير الوفاة دون تحقيق ، وتتم مراسم الكنيسة والدفن بشكل عادي ، وحتى ذلك اليوم الذي يهتدي فيه فرانسوا حيث يتم الكشف عن الجريمة ، وعلى أثر الكشف عن هذه الجريمة راود الشرطة الشك بشأن وفاة الجد الذي حدث قبل مدة قصيرة من موت الجدة فتعترف السيدة جولين وابنتها أنهما اتفقتا مع خطيب الفتاة وقامت جاكلين الإبنة الصغرى للسيدة جولين برش سم الفئران بصورة تدريجية للجد حتى مات ودفن وتخلصوا من مزاحمته لهم لكي يجلسوا إلى التلفزيون براحة ، النتيجة أن السيدة جولين وابنها وابنتها وخطيب ابنتها كانوا متعاونين في ارتكاب الجريمتين وبقي زوج السيدة جولين غافلاً عن كل شيء وربما فكرت زوجته وأبناؤه في التخلص منه لضيق المكان . وحكمت المحكمة على الزوجة وابنها فرانسوا بالسجن المؤبد ، كما حكمت على جانين بالسجن عشرين سنة وزوجها عشر سنوات ، وعلى جاكلين بالسجن لمدة يمكن استبدالها بغرامة مالية » (1) .

تأسيس دار العجزة :
إن الأوضاع المؤسفة للشيوخ خلقت مشاكل في الغرب ، مما دعت مسؤولي بعض الدول إلى تأسيس دور للشيوخ والعجزة في نقاط مختلفة يجمعون فيها الشيوخ ويهيئون لهم وسائل الحياة لكي يخففوا بعض الشيء من مآسيهم .
إن تأسيس هذه المراكز للمسنين الذين لا أحد لهم ، أو الفقراء ، أو المرضى منهم ، أو من يأتي بنفسه للعيش هناك ، هو عمل إنساني يقوم به المجتمع ، لأن هذا العمل يحل جزءاً من مشكلات هؤلاء ويخفف من الآمهم . ولكن من المؤسف أن يتخذ الأبناء والأحفاد هذه المراكز وسيلة
____________
(1) مجلة نقابة الأطباء في إيران ، السنة الثانية العدد رقم 6 ص 386 .
( 21 )

للوصول إلى أغراضهم غير الإنسانية وغير الأخلاقية ، فليس إنصافاً إبعاد الجد والجدة بالقوة والإكراه من العائلة إلى هذه المراكز وسحق عواطفهم ومشاعرهم ، وتحقير شخصياتهم ، وزيادة أحزانهم ، ومن ثم الإسراع في موتهم .
العمر يمضي بسرعة ، ولا ينقضي الوقت حتى يصل الشبان إلى مرحلة الكهولة ومن مرحلة الكهولة إلى مرحلة الشيخوخة ، وأنتم يا شباب ويا رجال اليوم تعالوا وفكروا في غدكم ، في شيخوختكم ، وقوموا اليوم بأمر القرآن الكريم بعمل الخير لوالديكم الشيوخ ، وراعوا الحقوق الإنسانية لهم ، لكي يقوم أبناؤكم غداً بالإحسان إليكم ومراعاة حقوقكم .
تعالوا للحفاظ على هذه السنة الإسلامية المقدسة في محيط الاُسرة لتنتقل من جيل إلى جيل ، لكي يأخذ الأطفال وشباب اليوم درساً في احترام الوالدين ويقوموا بذلك لكم غداً .

نتيجة البحث :
إذاً إن أحد شروط التفاهم ، من وجهة النظر الدينية والعلمية هو أن تحترم شخصية الشبان والكهول والشيوخ ، واحترام كل فئة حقوق الفئات الاخرى ، بحيث لا يشعر أي شخص في الاُسرة بالقلق وعدم الاطمئنان ، بل يكون مطمئناً أن حقوقه محفوظة ولا تتعرض لاعتداء الآخرين . والشرط الآخر من الشروط الأساسية لتفاهم المسنين والشباب هو احترام شخصية واستقلال وحرية جميع أفراد المجتمع .
وكما أن رعاية حقوق وحدود جميع أفراد الدولة الصغيرة ـ أي الاُسرة ـ تبعث على الأمن والاستقرار وراحة البال وتكون سبباً للوحدة فيما بينهم ، كذلك في العائلة الكبيرة للبلاد فإن الشرط الأساسي للتفاهم الإجتماعي ، واحترام حقوق وشخصية جميع أفراد البلاد هو رعاية هذه الحقوق .


( 22 )

حرية الفرد :
في البلاد التي تكون فيها الحرية الفردية والحقوق الإجتماعية للرجل والمرأة والشيوخ والشبان ، وكذلك الكبار والصغار ، بل لجميع الأفراد ، مصونة من التعرض والعدوان ، فإن هذه البلاد تكون مهداً لحسن التفاهم ومركزاً للمحبة والألفة وبالعكس ، فالبلاد التي تكون فيها شخصية وحرية الافراد غير محترمة ، يتغلب فيها الأقوياء على الضغفاء ، ويتعرضون لمال وحياة وشرف الآخرين ، فإن هذه البلاد تكون أسيرة للاختلافات تدب فيها نيران الحقد والعداء ، وتتوفر الفرصة للإنتقام .

الأخوة الإسلامية :
لقد استطاع نبي الإسلامي صلى الله عليه وآله وسلم بقوة الإيمان ، أن يزيل الحقد والعداء من القلوب ، ويوجد في مجتمع المسلميذن رابطة الاُخوة والمحبة ، ويشركهم في الأفراح ، ويوجب على أتباعه أن يتصرفوا طبقاً للقانون والأخلاق بالخير مع الجميع وعلى نطاق واسع ، ويدعوهم إلى البر وعمل الخير ، وبذا ركز بينهم أساس المحبة الإجتماعية والعواطف الإنسانية أكثر فأكثر .

التعاون الاجتماعي :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لو اجتمعتم على البر لتحاببتم » (1) .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : « رحم الله ولداً أعان والديه على بره ، ورحم الله والداً أعان ولده على بره ، ورحم الله جاراً أعان جاره على بره ، ورحم الله رفيقاً أعان رفيقه على بره ، ورحم الله خليطاً أعان خليطه على بره ، ورحم الله رجلاً أعان سلطانه على بره » (2) .
في هذا الحديث الشريف ، جاء الوالدان والأبناء ، والرفيق والجار ، والناس والدولة ، أي جميع أعضاء العائلة والمجتمع ، جاؤوا في صف واحد ،
____________
(1) مجموعة ورام ـ ج 1 ص 134 .
(2) وسائل الشيعة ج 4 ـ كتاب الأمر بالمعروف ص 97 .

( 23 )

والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم دعا الجميع إلى عمل الخير ، وطلب من الله تبارك وتعالى الرحمة والعناية للجميع .
ينظر الدين الإسلامي إلى مجتمع المسلمين من حيث العلاقات المعنوية وإفشاء المحبة واحترام الشخصية فيما بين أفراده على أنهم عائلة واحدة ولهذا السبب أوصى أئمة الإسلام عليهم السلام أتباعهم المسلمين ، صغاراً وكباراً ، أن يعتبروا المسلمين كأعضاء عائلاتهم يشملونهم بالعطف والخير .
قال الإمام الصادق عليه السلام : « أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولداً ، وأوسطهم أخاً وكبيرهم أباً ، فارحم ولدك وصل أخاك وبر أباك » (1) .
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام ، يحفظون حقوق وحدود المسلمين قولاً وعملاً وبصورة دائمة ، كما كانوا يراعون عزتهم واحترامهم في جميع المواقع ويبتعدون عن أصغر عمل يمكن أن يشم منه الذلة لأي مسلم .
وركب الإمام علي عليه السلام يوماً فمشى معه قوم فقال عليه السلام : « أما علمتم أن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي إنصرفوا » (2) .
لم يكن نبي الإسلام والأئمة الطاهرون عليهم السلام يحترمون الناس ويكرمونهم فحسب بل إنهم كانوا ، ضمن روايات عديدة ، يلفتون نظر أتباعهم بالإهتمام لهذا الواجب العائلي والإجتماعي الكبير ، ويذكرونهم بلزوم احترام الصغار والرجال والشيوخ .
وهنا نشير كنموذج ، إلى رواية حول كل موضوع :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغيرهم عند الله كبير » (3) .
____________
(1) مجلة الهادي السنة الثانية العدد 1 ص 23 .
(2) تحف العقول ـ ص 209 .
(3) مجموعة ورام ج 1 ص 31 .

( 24 )

احترام الشباب :
وعنه صلى الله عليه وآله : « أوصيكم بالشبان خيراً » (1) .
عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال : « من أتاه أخوه المسلم فأكرمه فإنما أكرم الله عز وجل » (2) .

تكريم الشيوخ :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم » (3) .
فالمحبة والصداقة رمز سعادة البشر ومفتاح حسن التفاهم بين البشر ، كما أنهما طريق لجلب محبة وصداقة الآخرين ، وتكريمهم واحترامهم ومراعاة حقوقهم الطبيعية والإجتماعية .
إن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تمكن بقوة الإيمان ، أن يؤلف بين قلوب الناس المتفرقين ، وأن يجعل بين الأعداء مودة فيصبحون أصدقاء واُخوة ، ويمتلئ المجتمع بالتالي بالعطف والمحبة . وقد جاء في القرآن الكريم أن الاُخوة بين المسلمين نعمة إلهية ، وأنها مهمة لدرجة ذكرها الله سبحانه وتعالى كمنة منه على الناس ، حيث يقول :
( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها ) (4) .

أهمية الحب :
قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : « هل الدين إلا الحب ! ! » (5) .
____________
(1) كتاب قريش ـ ص 1 .
(2) وسائل الشيعة كتاب الأمر بالمعروف ج 4 ص 97 .
(3) الكافي ج 2 ص 165 .
(4) سورة آل عمران ؛ الآية : 103 .
(5) مجموعة ورام ـ ج 2 ص 51 .

( 25 )

إن العطف والمحبة ليسا فقط الوسيلة الوحيدة لتفاهم الشبان والكبار في العائلة والبلاد ، بل هما قوة عجيبة محيرة تستطيع أن تقرب جميع أبناء البشر في العالم ، وأن تؤدي إلى السلام والصفاء ، والإنسجام والتفاهم ، والأمن والاستقرار والراحة ، لجميع الشعوب والأقوام البشرية .

الدواء الشافي :
« يوجد في عالمنا اليوم قانونان يتصارعان ، قانون سفك الدماء والموت الذي يبحث يومياً عن وسائل جديدة للتخريب والهدم ، وقانون للسلام والعمل والسلامة يسعى دائماً لكشف وسائل جديدة لإنقاذ الإنسان من براثن البلايا والأخطار التي تحدق بالعالم . إن دافع الحياة والحب ، مقابل غريزة العداء ، هو منبع كبير ، فكلما تمكنا أن نحب ، فإننا نعيش في راحة وسعادة .
إن هذا الدواء ، دواء العطف والمحبة ، الذي يشفي جميع الآلام والأحزان هو وصفة وصفها الانبياء كلهم قبل قرون ، ألا يمكن تقوية هذه القوة الإعجازية التي تسبب التجاذب لدى المرأة والرجل وتبعث على الصداقة والصفاء بين أبناء البشر ؟ ألا يمكن إشاعة هذا الدواء الشافي الذي يؤدي إلى إزالة علل التفرقة والنفاق ؟ إن العقل والمنطق يحكمان علينا أن نرد بالإيجاب على هذه الأسئلة كما أن تجارب علماء النفس تؤيد ذلك ، لأن إعجاز المحبة يبرز كل يوم عملياً في مختلف المواقف أمام أنظار المحققين » (1) .
عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال : « إن أهل الأرض لمرحومون ما تحابوا وأدوا الأمانة ، وعملوا الحق » (2) .
____________
(1) إعجاز التحليل النفسي ص 4 .
(2) مجموعة ورام ـ ج 1 ص 12 .