الأمية والتقليد الأعمى :
إن الاُمي والجاهل هم أكثر من يتعرض للقليد الأعمى ، ولهم استعداد ، نتيجة فقدانهم للمعلومات ، ( للمنابهة والمحاكاة ) . ونحن نعلم أن تحصيل العلوم ، وارتقاء مدارجها يغني العقل ويرفع مستوى الإدراك ، ويقوي قوة الإستدلال ، ويمنح الإنسان قدرة التحقيق والدراسة .
إن المجتمع المثقف تقل فيه نسبة ( المنابهة والمحاكاة ) لأن أعمال الآخرين تكون موضع دراسة وتحقيق ، وتؤخذ قدوة بوعي وإدراك ودراسة وجوهها الإيجابية والسلبية ، وعكس ذلك المجتمعات غير المثقفة والجاهلة يكثر فيها التقليد الأعمى وتقبل التلقينات الجاهلة دون تبصر ، ولو قام فرد أو أفراد بسوك وهمي باطل وله ظاهر مخادع فإن البقية من الناس في ذلك المجتمع يعقون تحت تأثير ذلك العمل فيتبعونه دون تبصر .
قال علي عليه السلام : « إنما الجاهل من استعبدته المطالب » (1) .

الإحباط النفسي :
إن الإحباط النفسي أيضاً يمكن اعتباره من جملة العلل المؤدية إلى ( المنابهة والمحاكاة ) فهو يدفع الإنسان للإتباع الجاهل والتقليد الأعمى ، وقد يعتقد الأشخاص العقلاء البالغون والمثقفون أحياناً بعظمة شخص ما لدرجة أنهم يقعون تحت تأثيره فينجذبون إليه بكل وجودهم ، ويفكرون فيه ، ويدرسون أقواله ، ويدققون في أعماله ويتخذون منها بوعي وإرادة مثالاً وقدوة لأنفسهم . ويعتبرون أن قدوتهم ومحبوبهم موجود كامل ، ويتمنون أن يجعلوا أنفسهم صورة لتلك الشخصية ، ويتشبهون بها تماماً ، ولهذا فإنهم يقلدون سلوكه ، ويتبعون تصرفاته لكي يرتقوا مدارج السمو ويصلو إلى مرتبة العظمة والكمال .
____________
(1) فهرست الغرر ص 54 .
( 17 )

إلى جوار التقاليد الإرادية والمتعمِّدة ، فإن هؤلاء يتعلمون بعض أعمال من يحبون بصورة لا إرادية وعن طريق ( المنابهة والمحاكاة ) وبدون أن يعلموا يريدون أن يصبحوا كالمرآة التي تعكس حركات من يحبون ، يمشون ويجلسون ويتكلمون ، ويحركون أيديهم ، وينظرون ويضحكون مثلهم ، ونظراً لما يحملونه لهم من المشاعر ، فإنهم يقومون بقسمٍ من أعمالهم دون إرادة أو تفكير .
لسوء الحظ ، إن العقل يسدل عليه ستار في مجال المحبة الشديدة ، يفقد توهجه وتألقه ، فيصبح الإنسان أعمى وأصم ، لا يرى المساوئ ، ولا يهتم لكل ما هو قبيح ، ويرى محبوبه خالياً من أي نقص أو عيب ، ومنزها عن القبائح .
قال علي عليه السلام : « عين المحب عمية عن معايب المحبوب وأذنه صماء عن قبح مساويه » (1) .

التغرب :
إن العالم الغربي منذ زمن ، ونتيجة النجاحات التي حصل عليها في حقول العلوم الطبيعية المختلفة ، قد أصبح مركزاً للتحقيقات العلمية في العالم ، وجذب أفكار الشعوب الشرقية إلى عظمته . ولكن رغم أن جميع الشعوب الشرقية وقعت تحت تأثير الغرب ، وتتبعه بصورة أو باُخرى ، إلا أنه يوجد أشخاص بين الشرقيين سحروا بالغرب لدرجة ـ وكما يقول الكتاب ـ أنهم اُصيبوا بظاهرة التغرب ، وكأنهم فقدوا قيمتهم العقلية واستقلالهم الفكري أمام الغربيين ، فهم يرون كل آمالهم تنحصر في اتباع الغربيين دون قيد أو شرط .
لا شك أن هذا النموذج من التفكير المفرط في تقليد الغرب له أضرار ، ولتنوير أذهان جميع الطبقات وخاصة الشباب لابد من توضيح في هذا المجال .
____________
(1) عرر الحكم ص 500 .
( 18 )

خلال القرنين الأخرين ، حصل علماء الغرب نتيجة مساعيهم الحثيثة على تقدم باهر في مجالات العلوم والفنون ، وإلى جانب التقدم العلمي تطورت صناعات الآلات بسرعة مذهلة ، وحلت بالتدريج محل الأدوات والأجهزة اليدوية . ونتيجة اتساع العلم والصناعة تغيرت الظروف الزمانية ، وتبدلت حياة الأمس الزراعية إلى المدنية الصناعية الحاضرة ، وتحولت الأوضاع والأحوال الاجتماعية في جميع الشؤون الحياتية للإنسان ، مما أوجب على الإنسان معرفة زمانه والعلم بمتطلباته حسب ما يمليه العقل والذكاء والفهم والفكر والإدراك والدراية الانسجام مع التطورات العلمية الحاصلة والتزود بما يلزم للاستمرار في الحياة .
عن أبي عبدالله ( الصادق ) عليه السلام قال في حكم داود عليه السلام : « على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه » (1) .

الاقتباس الإرادي :
إن دول الشرق مجبرة على تعلم العلوم التجريبية لعلماء الغرب وتقليد واقتباس أساليبهم التحقيقية بوعي وإدراك ، والإستفادة من المعلومات التي يحصلون عليها في مختلف فروع العلم واستخدامها للإستمرار في الحياة وتحسين شؤون عيشهم . وعلى شعوب الشرق أن تشجع أبناءها على اكتساب العلوم المتقدمة وذلك عبر تأسيس الجامعات وإعداد الظروف اللازمة لهم لكي يتعلموا علوم العصر الحاضر ويطلعوا على الثقافة الجديدة في العالم .
قال علي عليه السلام : «حق على العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العقلاء وإلى علمه علوم العلماء » (2) .

مواكبة التقدم :
كل شعب يريد أن يواكب التقدم والتطور في عصره وأن لا يتخلف عن
____________
(1) بحار الأنوار ج 5 ص 342 .
(2) غرر الحكم ص 384 .

( 19 )

المجموعات المتكاملة ، عليه أن يدرس التحولات وينسجم مع تطورات عصره ويستفيد من آثارها . وهذا الموضوع أشار برعايته النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم :
« رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن اتساع الفتوح يقضي بأن يتعلم بعض أصحابه صنعة الدبابات والمجانيق والضبور ، فأرسل إلى جرش اليمن اثنين من أصحابه يتعلمانها » (1) .
ولكي لا يصاب الشباب المثقف لدى الاستفادة من معلومات وعلوم الغربيين واتباع أساليبهم العلمية بالأفكار المنحرفة ، ولا ينساقوا وراء التفريط والإفراط وجلب التعاسة لأنفسهم وللآخرين ، لابد من توضيح نقطتين :

العلم الحديث والتقدم الصناعي :
الاولى : مع أن الحصول على علوم اليوم يعتبر ضرورة لا يمكن اجتنابها في الحياة ، ولا يمكن بدونه وجود حضارة صناعية ، إلا أن ذلك لا يعني أن سعادة البشر يمكن تأمينها وضمانها عن طريق العلوم المادية ، وأن الإنسان يسعد في ظل التكنولوجيا ، وإنما بالعكس فإن اتساع العلوم الطبيعية والصناعات الميكانيكية إلى جانب الراحة التي تجلبها هذه العلوم والصناعات للإنسان ، إلا أنها تزيد من مصائبه وآلامه في الحياة أيضاً .
إن تطور المصانع زاد من القلق والإضطراب إلى جانب زيادة الأمراض النفسية والعصبية . والحياة الصناعية أدت إلى تأخير سن الزواج وبالتالي إلى انتشار الفحشاء والانحلال الخلقي ، كما أصابت العلاقات العائلية بأضرار أضعفت مكارم الأخلاق والسجايا الإنسانية . وأخيراً فإن التقدم التكنولوجي أعد الوسائل والأجهزة الحديثة لقتل الإنسان ، وإن أرقام وإحصاءات المذابح والجرائم في حالتي الحرب والسلم ، في ازدياد مطرد .
« لقد كان الإنسان في القرن التاسع عشر يأمل الكثير من
____________
(1) الإسلام والحضارة الغربية ص 103 .
( 20 )

التكنولوجيا والصناعة ، وإن تياراً قوياً للأفكار والعقائد كان يقرن سعادة الإنسان بالتقدم الفني الصناعي ، ويعلن أن ماكنة البخار ، والسكك الحديدية ، وخطوط التلغراف قد سهلت شؤون الحياة ، وأنها تمهد لسعادة الإنسان .
أما في بداية القرن العشرين فقد اصطدمت هذه الآمال بالحقيقة المتحجرة وظهر أن الناس لا يملكون إحساساً بالسعادة ، وأنه يجب الإكتفاء بهذه النتيجة وهي أن التسلط والسيطرة على الطبيعة لا يشكل شرطاً للسعادة كما أنه لا يمكن تجاهل التقدم الفني الصناعي » (1) .

التقليد في إطار العقل :
الثانية : إن تقليد عالم الغرب يجب أن يكون في مجال العلوم والفنون التجريبية والأساليب الصحيحة والمثمرة ، أي في إطار العقل والمصلحة ، لا أن يتبع الشرقيون بصورة عمياء الغربيين ويتعلموا أساليبهم ويعملوا وفقها دون قيد أو شرط ، لأن الكثير من الخطايا ترتكب في عالم الغرب بصورة مشروعة تحت عنوان ( الحرية الفردية ) ونتيجة لذلك فإن عدداً كبيراً من النساء والرجال يتعرضون للمساوئ الأخلاقية والشرور بفعل الغرائز والرغبات النفسية ، فينحرفون عن جادة الحق والفضيلة . ولسوء الحظ فإن الفساد والضياع يزدادان يوماً بعد آخر ويزداد معهما عدد المنحرفين والمذنبين .

التقليد العشوائي :
إن سجون أوروبا وأمريكا مليئة بالقتلة والمختطفين ، واللصوص والمجرمين والجناة والخونة . ويشيع في عالم الغرب المشروبات الكحولية والمخدرات ، والعهر ، والزنا والاغتصاب والظلم والاستبداد وبقية الجرائم .
____________
(1) أفكار فرويد 121 .
( 21 )

وفي بعض المدن الكبرى جعل الجناة المسلحون الأمن مفقوداً حتى إن الناس لا يجرؤون على الخروج من بيوتهم عند المساء . ولذا فمن الواضح أن التقليد غير المشروط للغربيين لا يجلب غير الفساد والضياع ، والأعمال الإجرامية والممارسات الرذيلة .

العلماء والأفكار الخرافية :
يجب أن لا نغفل عن أن علماء الغرب غير جديرين بالتقليد دون قيد أو شرط ، لأن الكثير منهم ، وإن كان بعضهم اُستاذاً متخصصاً في فرعه ، ويستحق التقليد والتبعية ، إلا أنهم من حيث العقيدة والرأي يعتقدون ببعض النظريات الوهمية ويتمسكون بالأفكار الخرافية . إن اتباع أفكارهم الخيالية وغير الواقعية يعني أتباع الجهل ورفض العقل والفكر .
والطريف أن الإعتقاد بالأفكار الخرافية والنظريات غير الواقعية لا ينحصر بأساتذة اليوم ، وإنما كان يوجد بين علماء القرون الماضية من كان يعتقد بالأوهام والخرافات ، وبينوا بالقلم واللسان آراءهم هذه .

آراء أرسطو الخاطئة :
« يقول راسل : كان أرسطو يعتقد أن عدد أسنان المرأة أقل من الرجل ، ورغم أنه تزوج مرتين فإنه لم يخطر بباله قط أن يتأكد من صحة رأيه هذا بمشاهدة أسنان زوجته . كما كان يعتقد أنه لو انعقدت نطفة الجنين عند هبوب رياح الشمال فإن الطفل يكون سليماً ، ومن هذه العقيدة يتبين أن زوجتي أرسطو كانتا تركضان كل ليلة نحو جهاز تعيين اتجاه الرياح قبل الذهاب إلى السرير . ويقول أرسطو أيضاً : إن عضة الكلب المسعور لا تؤدي إلى جنون الإنسان ، ولكنها تصيب الحيوانات الاخرى بالمس ، وإن لدغة الفأرة الصحراوية خاصة إذا كانت حامل ، خطرة على الخيول . ولكي ننقذ الفيلة من عدم النوم يجب دلك أكتافها


( 22 )

بالملح ودهن الزيتون والماء الحار . أمثال هذه الأقوال نجدها بكثرة لدى أرسطو » (1) .
ملخص القول : إن على الشعوب الشرقية التي تريد السير في طريق الحضارة الصناعية ، وتكون قوية في ظروف حياة عالم اليوم ، أن تستفيد من علم علماء الغرب ، وتتعلم أساليبهم العلمية والعملية ، وتتبع تجاربهم وعملهم ، ولكن هذه التبعية يجب أن تكون بوعي وفي إطار العقل والمصلحة وفي حدود العلوم والفنون التقنية ، وكما قال القرآن الكريم : ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم اُولوا الألباب ) (2) لا أن يستسلموا للغرب بشكل أعمى ويأخذوا كل ما يقولونه ويفعلونه دون دراسة ودراية وبلا حساب ، ويقلدوهم تقليداً أعمى .

الشرق المهزوم :
لسوء الحظ أن شعوب الدول الشرقية ، عن إدراك أو عدم إدراك ، وقعت تحت تأثير العالم الغربي ، واستسلمت غالبيتها للسلطة العلمية والقدرة الصناعية خائفةً ، ففقد أبناؤها استقلالهم الفكري ، ونسوا شخصيتهم المعنوية ، وأخذوا ينظرون إلى القضايا المختلفة بمنظار غربي ، ويقيسون الخير والشر بالمعايير الغربية ، وينظرون باحترام إلى السلوك والتصرف الغربيين ، ويستمعون إلى أقوالهم ، ويقلدون أساليبهم .

اختبار الأفكار بالمقياس الغربي :
« يقول المودودي في كتابه الإسلام والحضارة الغربية : ها هي مدارسهم ( المسلمين ) ومكاتبهم وبيوتهم وأسواقهم ومجتمعهم حتى وأجسامهم وأشخاصهم تشهد كلها بأنه قد استولت عليه حضارة الغرب وامتلكت نفوسهم علومه وآدابه وأفكاره .
فهم لا يفكرون إلا بعقول غربية ولا يبصرون إلا بأعين غربية ولا
____________
(1) تأثير العلم على المجتمع ص 20 .
(2) سورة الزمر ؛ الآية : 18 .

( 23 )

يسلكون إلا الطرق التي قد مهدها لهم الغرب . وقد رسخ في نفوسهم سواء أشعروا به أم لم يشعروا أن الحق هو ما عند أهل الغرب حق والباطل ما يعدونه هم باطلاً ، إن المقياس الصحيح للحق والصدق والآدب والأخلاق الإنسانية والتهذب هو الذي قد قرره الغرب لكل ذلك . فيقيسون بهذا المقياس ما بأيديهم من العقيدة والإيمان ويختبرون ما عندهم من الأفكار والتصورات والمدنية والتهذيب والأخلاق والآداب ، فكل ما يطابق منها ذلك المقياس يطمئنون إلى صدقه ويفتخرون بمجيء أمر من اُمورهم موافقاً للمعيار الاوروبي . وأما ما لا يطابقه منها فيظنونه خطأ وباطلاً شعروا بذلك أم لم يشعروا ، ثم يأتي المتعسف منهم فيتبرأ منه ويرفضه علناً ، ويقف المقتصد منهم باخعاً نفسه عليه ، أو يعود يعالجه جذباً ومداً حتى ينطبق على المعيار الغربي بوجه من الوجوه » (1) .
بعض رجالنا وشبابنا سيطر عليهم الغرب لدرجة أن عقولهم غدت مستعمرات غربية ، وأصبحوا كالعبيد لهم دون قيد أو شرط ولكي يأخذوا الصبغة الغربية فإنهم يسعون إلى تقليد الغربيين في التصرفات والكلام والألبسة والتزيين في الشعر والوجه ، يعني في كل السكنات والحركات ، ويعتقدون أن هذا الإنسجام والتقليد الكلي علامة من علامات الثقافة والافتخار لهم .

تجاهل المعايير الأخلاقية :
إن اهتمام هؤلاء معدوم ، أو بشكل أفضل ضئيل تجاه القوانين والسنن الدينية والآداب والتقاليد الوطنية والعواطف والأحاسيس العائلية ، والمقاييس الأخلاقية والاجتماعية لهم ، وهم في الغالب يتجاهلونها في العمل ، بينما نجدهم بالعكس يهتمون بتقاليد الغربيين ويميلون نحو ما يقربهم ويصبغهم بالصبغة الاوروبية .
____________
(1) الإسلام والحضارة الغربية ص 8 .
( 24 )

المتغربون واحتفالات رأس السنة الميلادية :
إن هؤلاء ( المتغربين ) طبقاً لتذكرة الهوية التي يحملونها فهم مسلمون في الدين ، ولكنهم لا يعيرون الأعياد والمناسبات الإسلامية أية أهمية . هذا في الوقت الذي نجدهم يسارعون كالأوربيين للإحتفال بعيد رأس السنة الميلادية والمشاركة في الاحتفالات المقامة لهذه المناسبة ، ويرتدون الملابس المتنوعة ويظهرون بمظهر الانسان الغربي ، ويسهرون حتى الصباح ، ويحتسون المشروبات الكحولية ، ويقلدون الاوروبيين ، يغنون أغانيهم ويرقصون مثلهم على أنغام الموسيقى الصاخبة ويعاقرون الخمرة حتى الثمالة .
الشيء الملفت للنظر أن عشاق الغرب هؤلاء ، ولكي لا يتخلفوا عن قافلة الغرب ويحرموا من المشاركة في الاحتفال ، ويتلطخ شرف تقدمهم فإنهم يسارعون ويسبقون الأوربيين لحجز الموائد . وطبقاً لما تقوله الصحف إنه خلال السنين الماضية ، ونتيجة لهذا العمل ، حرم الغربيون من المشاركة في الاحتفال ، وهم أصحابه ، وذلك لعدم تمكنهم من الحصول على أماكن لهم .

الغرب والفقر الأخلاقي :
إن الغرب من حيث العلم والجامعات ومراكز البحوث والأساتذة ذوي الاختصاص غني ، ولكنه من حيث مكارم الأخلاق والفضائل الإنسانية فقير ومحتاج .
ويزداد فقره في هذا المجال يوماً بعد آخر . نحن نعلم أن الغرب متقدم في العلوم الطبيعية وفروع الصناعة والتكنولوجيا وهو يسير نحو التكامل في الحقول العلمية المختلفة ، وعلماؤه يخطون خطوات جديدة ويحصلون على نجاحات باهرة في هذه الميادين ، ولكن من جانب آخر نراهم ينحدرون في الأخلاق والصفات الإنسانية نحو الفساد والضياع ، وقد أخذ مجرموه يسيرون بسرعة نحو الإنحطاط . فأرقام الجريمة وعدد المجرمين في أوروبا وأمريكا طبقاً للإحصائيات في ازدياد مطرد .


( 25 )

التوازن المعدوم بين العلم والأخلاق :
إن عدم التوازن هذا في العلم والأخلاق يوضح هذه الحقيقة وهي أن الإنسان ولكي يعدل غرائزة وشهواته ويجتنب الشرور والخطيئة يحتاج إلى قوة الإيمان ، وبدونها لا يستطيع أن يحصل على السعادة أبداً . كما أن تقدم العلم المادي بدون الإيمان لا يستطيع أبداً أن يكبح جماح الغرائز ويحول بين الإنسان والخطيئة ، وإنما بالعكس فإن الغرائز المتمردة هي التي تستثمر العلم ، إذ إنها تتوسع وتصبح خطرة في ظل قوى العلم ، فتزيد من عدوانها ، إذ إنها تأتي بمصباح العلم لتسرق ما هو أثمن وأغلى .
إن مشكلة العالم الغربي لا تنحصر في الخطيئة وأعمال الجريمة ، بل إن المجتماعات الاوروبية والأمريكية مصابة بالتناقض الداخلي والاضطرابات النفسية المختلفة نتيجة التركيبة الاجتماعية الخاطئة والنقص الثقافي وسوء التربية . وعلماء النفس والاجتماع يعتبرون هذا التناقض وعدم الانسجام نوعاً من الأمراض النفسية .

الأمريكي والمرض النفسي :
« كارن هورني karen horny عالمة النفس المعاصرة تصرح بأن الإنسان الأمريكي مضطر لتقبل المرض النفسي ، لأنه أينما توجه يرى نفسه في قبضة قوى التناقض . مثلاً إن المجتمع يريده أن يكون إنساناً صديقاً ومحباً من جهة ، ومن جهة اخرى يسوقه بشدة نحو التفكير والعمل الفردي ( الشخصي ) وحب الذات ، يريد منه المجتمع أن يتعاون ويشارك في المساعي الخيرة ، وفي نفس الوقت يدفعه نحو الاستغلال والاستثمار والتنافس العنيف .
يريد منه المجتمع أن يكون واقعياً ، واضح الفكر ، ولكن نتيجة الدعايات الكاذبة والمختلفة فإنه يكون عكس ذلك . فالمجتمع ونتيجة الإنتاج المتزايد ، يزيد من حاجات الإنسان وطلباته ، دون


( 26 )

إن يضع الوسائل الكافية تحت تصرفه لرفع هذه الاحتياجات والمطالب .
في الوقت الحاضر نرى المجتمع الأمريكي وكالكثير من المجتمعات الغربية يفقد سلامته ومصداقيته ، فالاستثمار الفردي والمنافسة الاقتصادية وتمزق العلاقات العائلية ، جعلت الإنسان الأمريكي والاوروبي في قبضة الوحدة المرعبة ومظهرها مرض ( شيزوفرنيا ) (1) ولهذا السبب يمكن اعتبار هذه المجتمعات مريضة » (2) .

الانحطاط الأخلاقي :
إن الشعوب الغربية التي تعي بصورة أو باخرى الجرائم والانحرافات وغيرها من المشكلات التي تعاني منها بلدانها ، وترى عن كثب تمرد شبابها تعترف بالنقائص التربوية والاجتماعية ، وتعلم أن فقدان القيم المعنوية والأخلاقية والاستغراق في الشهوات والرغبات والميول النفسية تسوق الإنسان نحو الانحطاط والتعاسة ، ولكن يظهر أن ( المتغربين ) لدينا ونتيجة عشقهم للغرب اُصيبوا بالعمى والصمم فلا يرون نقائص اولئك ، ولا يهتمون بمفاسدهم وانحرافاتهم ، وينمون في أفكاره الحياة الغربية ، ويريدون أن يجعلوا من أنفسهم ( غربيين ) ، ولهذا السبب فإنهم يسيرون وراء الغربيين ، ويقلدون تصرفاتهم دون قيد أو شرط ويتصورون هذه التبعية العمياء تطوراً وطريقاً للسعادة .
إن التقليد المطلق لطريقة الغربيين في بعض القضايا مخالف للقوانين الدينية ، ورفض للأداب والسنن الاجتماعية وعدم اهتمام بالمشاعر والأحاسيس العامة ، والعواطف العائلية ، وهذا ما يؤدي إلى صراع في عقائد وآراء الشيوخ
____________
(1) schizophrenia ـ الفصام الشخصي ، انشطار الشخصية .

( المترجم )

(2) مبادئ علم الإجتماع ص 209 .

( 27 )

والشباب وظهور اختلافات ونزعات بينهم :

صراع الآداب القديمة والحديثة :
« إن أكبر خطر يهدد المجتمع في مرحلة التغيرات الاجتماعية هو الصراع الشديد بين دعاة الحفاظ على الآداب والتقاليد القديمة ، وأتباع المبادئ الاجتماعية الجديدة .
وطالما أن المجتمع لم يتغير ولم يشهد تحولاً كبيراً ، فإن الصراع بين هذه المبادئ المختلفة لن يظهر ، ويواصل الجميع حياتهم جنباً إلى جنب . ولكن بمجرد ظهور تحول مثل الحرب ، والاتصال بالمجتمعات الاخرى ، وأفكار ورغبات الطبقات الاخرى ، فإن الآداب والتقاليد يصيبها الاضطراب ، وتنهار فجأة السدود الحديدية التي تفصل بين العادات ، ويمتزج السيل العظيم لتلك المبادئ التي كانت منفصلة حتى الأمس .
وفي عالم اليوم تلعب سرعة المواصلات ووسائل الإعلام دوراً مدهشاً في مصير الشعوب ، التي لم يشهد التاريخ البشري مثل هذا الاختلاط والاتصال بينها ، كما أنه لم يكن موجوداً مثل هذا الحجم الهائل من الاختلاف والتناقض بين المجتمعات المختلفة كما هو اليوم » (1)

المخدرات وشباب الغرب :
الكثير من شباب أوروبا وأمريكا ، وبعضهم من الذين اجتازوا مراحل عالية من الدراسة ، أصابهم العجز والإنهاك نتيجة إدمانهم للمواد المخدرة ، فففقدوا جراء ذلك قوة ونشاط الشباب ، وكما تقول صحف الغرب فإن هذه الفئة السيئة الحظ والتعسة تعيش أصعب الظروف وأشدها ، وتواصل حياتها بذل وعار .
____________
(1) الأخلاق والشخصية ص 83 .
( 28 )

التسول لأجل الخبز والحشيش :
« كتب ( كنيث جنور ) الصحفي الأنجليزي مراسل صحيفة ( ديلي ميرور ) الواسعة الإنتشار في صفحتها الاولى من كابل : قام شاب إنجليزي في الثامنة عشرة من عمره ، خريج مدرسة ( هارو ) وابن أحد الأغنياء الإنجليز بالتسول في شوارع كابل للحصول على الأرز والحشيش . وهو لا يختلف عن غيره من الشباب الأنجليز الذين يجلسون على أرصفة شوارع كابل يمدون يد العوز نحو الناس . إنني كنت أخجل إذ أرى أبناء وطني في أسوأ أوضاع الاستجداء من أجال حشيش ولقمة خبز .
قبل عدة أيام نشرت منظمة تحرير العبيد الإنجليزية تقريراً كتبه ( بيتر ويلي ) ، إن الصورة التي رسمها ( ويلي ) عن الشباب التعساء مؤلمة حقاً . فهو يقول : إنني لا أستطيع أن أنسى مشهد هؤلاء الفتيات والفتيان ، وأكثرهم من الإنجليز ، الذين وقعوا ضحية الجهل والغفلة والعجز والظروف السيئة . إن الأفغانيين يتصرفون معهم كأنهم حيوانات ، ويقذفون إليهم بكل حقارة حصتهم من الحشيش وفضلات الطعام . وفي داخل الفنادق التي يصعب التمييز بينها وبين المواخير القذرة ، يعيش عدد كبير من الشباب ، وعددهم يزداد باستمرار ، وأكثرهم من خريجي المدارس العالية ، وهؤلاء لا يتورعون عن بيع أنفسهم ورفيقاتهم الفتيات من أجل الحصول على الحشيشة » (1) .

أضرار الادمان :
والآن فإن عدداً من فتياننا وفتياتنا يقلدون الشباب التعس في الغرب ، وينساقون وراء المخدرات ، دون الإلتفات إلى المنافع والمفاسد والمقارنة بين
____________
(1) صحيفة كيهان ـ العدد ( 8420 ) .
( 29 )

اللذائذ المحصلة والآلام التي تستتبعها ، ومن ثم يسقطون في الإدمان المضر الذي يدفع بعض هؤلاء إلى الانتحار ، والبعض الآخر يلجأ إلى الاستجداء ، أو السرقة ، أو الأعمال المخجلة ليعيش بقية حياته عالة على المجتمع .
إن الأحرار وأصحاب الإرادة لا يجعلون من أنفسهم أسرى للعادات المضرة ، لأنهم يعلمون أن ( العادة والإدمان ) نوع من ( الأسر ) أما الإنسان الحر ذو النفس الكريمة فلن يرضى بالأسر ولن يستسلم للذل والانحطاط .
ان شبابنا لو فكّروا بدقةٍ في مصير المدمنين من الفتيان والفتيات ، وتعاسةِ هؤلاء ، فإنهم لن يورّطوا أنفسهم بأنواع الآلام النفسيه والجسمية من أجلِ لذة وقتية سرعان ما تزول ، ويجلبوا لأنفسهم الفشل والإنحاط الدائم .
عن علي بن الحسين عليه السلام قال : « لا تعط نفسك ما ضره عليك أكثر من نفعه » (1) .

العلاقات الجنسية في إطار القانون :
طبقاً للتعاليم الإسلامية ، فإنه يسمح للنساء والرجال أن تكون لهم علاقات جنسية وفق ضوابط وقوانين ، كما أن العلاقات هذه إذا خرجت عن الموازين القانونية تعتبر عندئذ من الخطايا وغير مشروعة .
إن هذا التحديد تقرر بأمر حكيم من الله تبارك وتعالى ليؤمن الخير والصلاح للناس ، وليلعب دوراً مؤثراً في طهارة الجيل ، والعفة الإجتماعية وحفظ عواطف الزوجين ، وتعزيز أساس العائلة ، وبقية شؤون الحياة .
إن الإنسان ، ( بسبب رغباته النفسية ) يطالب بحرية الغرائز دون قيد أو شرط ، وطبعاً لا يرضى بتحديد الغريزة الجنسية ، لكنه لا يدرك جوانب خيره وشره ، ولا يعرف صلاحه وفساده ، ولكي يصل إلى الكمال الإنساني عليه أن يغض الطرف عن رغباته غير الشرعية ويطيع أمر الله تبارك وتعالى ويستسلم
____________
(1) بلاغة علي بن الحسين ص 110 .
( 30 )

للتعاليم الدينية التي تضمن له السعادة .
عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله جل جلاله : يابن آدم أطعني فيما أمرتك ولا تعلمني ما يصلحك » (1) .

الصلاح والفساد الحقيقيان :
إن الذات القدسية الإلهية هي المشروع في الإسلام ، الذي وضع جميع القوانين والقرارات الدينية على أساس المصالح والمفاسد الحقيقية ، وعدم الإهتمام بأي من هذه القرارات الإلهية والتهرب من أدائها ، هو ابتعاد عن الصلاح وميل نحو الفساد ، ينتهيان بضرر الإنسان ويصيبان سعادته بالضرر المادي والمعنوي .
عن علي عليه السلام قال : « لا يترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه » (2) .

العالم الغربي والجنس :
منذ زمن والغرب ينساق في الإفراط بالقضايا الجنسية ، وحطم الكثير من موازين العفة والأخلاق . فهو لم يسمح للنساء والرجال ، شباباً وشيوخاً ، بإقامة العلاقات الجنسية بحرية فحسب بل إن بعض البلدان أجازت وسمحت بالإنحراف الجنسي ، وأعطته صفة قانونية .
إن هذا الأمر جاء بمفاسد مختلفة حيث يعود قسم من جرائم العالم الغربي إلى الانحلال الخلقي والحرية الجنسية .
إن ( المتغربين ) في بلداننا ، الذين يتبعون بشكل أعمى الغربيين بحثاً عن السعادة ، يأملون بتنفيذ برنامج الغرب في العلاقات الجنسية في مجتمعنا ، وفتح الأبواب الواسعة أمام الذكور والإناث لإشباع رغباتهم خارج إطار القانون
____________
(1) بحار الأنوار ج 15 ، ص 155 .
(2) نهج البلاغة الكلمة 103 .

( 31 )

بهدف الحصول على اللذة ، غافلين عن أن تنفيذ هذا البرنامج في مجتمعنا غير ممكن ، ونظراً للاختلافات الموجودة بين مجتمعنا والمجتمعات الغربية ، فإن تلك العلاقات تخلق مفاسد تكون أكبر بكثير وأخطر من مفاسد الغرب .

مجتمعنا والمشاعر الدينية :
يتكون معظم مجتمعنا من اُسر تعنتق الدين الإسلامي ، وتعتبر العلاقات غير القانونية بين الذكور والإناث غير شرعية وهي خطيئة يعاقب عليها ، والآباء والاُمهات المؤمنون لا يسكتون أمام التصرفات المخالفة للعفة لدى أبنائهم . ومن المؤكد أنه ستظهر اختلافات شديدة بين الشيوخ والشباب بسبب علاقات الخطيئة والزنا بين الشباب .
ففي محيطنا الإجتماعي تعتبر العلاقات غير القانونية بين المرأة والرجل الأجنبي وصمة عار على الأبوين وسوء سمعة للعائلة كلها ولا توجد عائلة ، حتى تلك التي لا تتقيد بالدين ، ترضى بهذا العار وتتحمل أن يشار إليها بالبنان في المحافل والمجالس . وقد ينتهي الأمر بالقتل والجريمة إذا ما اضطرت مثل تلك الاُسر إلى إبداء ردود فعل معينة لإزالة هذا العار ونتيجة كل ذلك تقع أضرار لا يمكن تعويضها ، حيث توجد الآن قضايا عديدة أمام المحاكم من هذا القبيل .

نتيجة البحث :
من مجموع البحث نستنتج أن شباب الشرق ، في عالم اليوم ، ملزمون بتعلم العلوم الطبيعية وفنون الصناعة لعلماء الغرب ، والاستفادة من تجاربهم في الفروع المختلفة ، والتقدم مع التطور العلمي العالمي وتجهيز أنفسهم للتطور الصناعي ، ولكن بشرط أن يكون التقليد واعياً وبالمقدار الصحيح في إطار العقل والمنافع ، وليس أن يجعل الشرقيون من أنفسهم عبيداً للغربيين .
إن التقليد غير المشروط للأساليب الغربية جميعها ، يعني تقبل الكثير من الرذائل الأخلاقية والصفات الإجتماعية المنحطة .


( 32 )

إن مثل هذا التقليد يجر شباب الشرق نحو الشهوات المخالفة للعفة ، وإلى الإدمان المضر ، والخطيئة والجريمة والفساد والضياع . مثل هذا التقليد يوجِّه ضربة نحو إيمان الناس ويفسد أخلاق المجتمع ، ويقضي على القيم الوطنية .