اختاه ...
كنت قد تحدثت في احدى الاعداد السابقة عن الثفافة والعلم واختلاف مفهوميهما وموقف الاسلام من كل منهما ، وقد افترقنا آنذاك على ان نعود فنلتقي ثانية لنتابع ما وقفنا عنده من بيان خطورة غزو الثقافة الاجنبية لبلادنا الاسلامية ، واستيلائها على مفاهيمنا ومثلنا العريقة وتخديرها لافكارنا بأفيونها الاستعماري البغيض ، وتشويهها لصفحة نتاجنا الاسلامي الذي هو مرآة حضارتنا العميقة .
ولنأخذ ـ على ذلك مثلا ـ الرسم فهو في حد ذاته شيء حسن وحسن جدا ، وقد خلد وخلد كثيرا ممن نبغوا فيه وأصبح عنوانا لحضارات مختلفة توسعت في الرسم بشتى أنواعه وأشكاله من نحت ، وتمثيل وتصوير ، ولكنه في الوقت ذاته يطبع متتبعيه وهواته بطابعه الخاص لأنه مرتبط بوجهة النظر العامة عن الحياة والكون والمفاهيم المأثورة عنها ، فإذا أخذت خطوطه وقواعده عن فنان يؤمن بوجهة النظر المادية عن الحياة والكون ومدلولاتها الاخلاقية والاجتماعية أصبحت الصورة مادية متحللة من القيم الروحية .
وأما اذا بني الفن على وجهة النظر الصحيحة للحياة والكون أصبح ناطقا معبرا عن الانسانية السامية ، ومشيرا الى المفاهيم الحكيمة العالية وكذلك الادب بشعره ونثره وهو الشيء الذي لا غنى لنا عنه لتنوير أفكارنا ، وتهذيبها ، وابراز مشاعرنا وتنسيقها ، قد اصبح عند بعض الادباء المتطرفين سلعة رخيصة تأخذ عن الادب الغربي مباذله ، وتكشفه ومن الادب الشرقي ماديته وانحرافه وكفره بالقيم والاخلاق الفاضلة الخيرة !
وقد استحال بعض ادبائنا مع كل الاسف ، الى مترجمين وناشرين لا أكثر ولا اقل !! ، أفكارهم غريبة عنهم بعيدة عن واقعهم ومجتمعهم تستهويهم الصيحة ، وتطربهم نغمة ، وتسكرهم رشفة ، فيغنون بأمجاد الاعداء وهم في غفلة ساهون ، ويهللون للافكار السامة وهم لا يكادون يفقهون منها شيئا ، وقد تشبعوا بالثقافة الاجنبية التي أدخلها الاستعمار الى بلداننا منذ عهد بعيد وهي التي انحرفت بجيلنا الناشيء ذات اليمين وذات اليسار ، وحرصت على تشويه انتاجاتنا الادبية بكل أشكال ونواحيها ، ومن جراء هذا الفهم الخاطئ للثقافة وهذه الثقافة الدخلية انتشر في ربوعنا مفهوم استعماري عدائي موجه نحونا نحن بنات الاسلام بالذات ! فشوهوا علينا دعوتنا لطلب العلم واستجاباتنا لدعوة الرسول اذ جعلوا من التعلم والسفور توأمان لا يفترقان !!
فكأنما التعليم ليس بممكن لا اذا برزت بغير غطاء ! في الوقت الذي يكون ذلك سهلا ويسيرا اذا طبق النظام الاسلامي ، وتطهرت معاهدنا من النفوذ الاجنبي ، وارتفع شبابنا عن وهدة الجنس وتسامى عن حضيض الرذيلة ، واذا عمت النظرة الأخيرة وشاعت الفكر الانسانية الفاضلة بين المجتمع الاسلامي ، واذا اكتسبن فتياتنا شيئاً من صمود امهاتهن المسلمات وراجعن عهودهن الزاهرات ، أيام كن يعقدن النوادي الادبية ويفحمن اعاظم الرجال ! من وراء حجاب ، ايام كن يشهدن الحروب الدامية ! وهن كالزهرة في الاكمام لم يعقهن الخمار عن خوض الميادين ولم يقعد بهن الحذر عن الانطباع بطابع الثقافة الاسلامية الصادقة وما أحلى ابيات وردت عن لسان شاعرة نابغة اذ تقول :
بنت الهدى

أختاه ....
وبعد ، فما أروعه من لقاء يجمعنا على صفحة قرطاس في غضون هذه الأيام أيام محرم الحرام ، وبعد ان عشنا الأسبوعين المنصرمين مع أعظم كارثة اسلامية نستعيد ذكراها المستقرة في أعماق نفوسنا نحن المسلمين ، ونمجد خلودها الصاعد على مر العصور ، ونتابع حوادثها البطولية الرائعة ، لنستمد منها أسمى معاني الكفاح المتبلور بالاشعاعات السماوية ، والزاخر بالمثل الروحانية ، المليء بكل المعاني الخيرة التي تمثلت في يوم الطف ـ من عاشوراء ـ ، ذلك اليوم الذي لم يزل ولن يزال عبرة في صدور المسلمين ، وغرة في تاريخ الاسلام . ومشعلاً وهاجاً ينشر معالم العزة القعساء والايمان الصحيح . وطريقاً مهيعاً للخلود الروحي ، والبقاء الأدبي المعنوي ! .
وأني لحريصة في لقائنا هذا أن أغتنم هذه الفرصة لأتحدث فيها عن دور من أهم أدوار هذه الذكرى المقدسة ، والذي يجيء أثر دور الأمام عليه السلام مباشرة . فأذكر
ثم درجت زينب ( ع ) وتقدمت بخطاها نحو صباها الحزين بعد فقد الرسول الكريم ( ص ) والأم الرؤم ( ع ) ومضت منطلقة بوصية الأم النائية فأصبحت للحسن والحسين عليهما السلام أماً ثانية لا يعوزها حنان الأمومة بما فيه من إيثار وتضحية . ثم تتابعت الحوادث وتعاقبت وعقيلتنا تتابعها
ومنذ تلك الساعة اخذت على عاتقها تحمل المسؤولية الكبرى واضطلعت بأروع مهمة تاريخية ، وهي تركيز نداء الحق الذي استشهد لأجله الميامين ! . فنراها وقد خرجت من المعركة ، بعد إذ فقدت فيها أعز ما يفقد ، نراها شامخة كالطود ، راسخة كالجبل الأشم ! تخاطب يزيد فتقول : ( أظننت يا يزيد ، حيث أخذت علينا أقطار الأرض ، وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى ان بنا على الله هوانا ، وبك عليه كرامة ، وان ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك ، جذلان مسروراً ، حين رأيت الدنيا لك مستوثقة ، والأمور متسقة .. فمهلاً مهلاً ، أنسيت قول الله تعالى : ( ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولم عذاب مهين ) ( آل عمران 178 ) فوالله ما فريت الا جلدك ، ولا حززت إلا لحمك ... ولأن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك ... ) .
هكذا خرجت بنت علي ( ع ) من الطف وهي أرفع ما تكون روحاً ، وأرسخ ما تكون من عقيدة وثبات .
ولقد كانت خطبتها المأثورة في الكوفة هي الشرارة الأولى للأخذ بالثأر ، ولحركة التوابين ! فلقد كفكفت دموعها وهي تلمح الكوفة مهد صباها اليانع ، وعاصمة عزها الشامخ وأشارت للجموع الباكية بالسكوت ، ثم قالت : ( أما بعد يا أهل الكوفة .... أتبكون ، فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنة ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً ، تتخذون إيمانكم دخلا بينكم ... ألا ساء ما تزرون ... أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلا ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا ، أتعجبون لو أمطرت السماء دماً ، ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون ... ) .
واستمرت بنت الرسالة تدعو إلى رسالة الاسلام على يقين وبصيرة لم يشغلها المصاب الهائل ! ولم تقعد بها الشدائد عن المضي قدماً في طريق الدعوة والهداية ! حتى أنها كانت امتداداً لحياة أخيها الشهيد (ع) وآلها الأطهار ، فلنقتبس ومضة من روحها الجبارة ، ولنستمد طاقة من طاقاتها المثالية لنحتفظ بكياننا الاجتماعي ، الذي بنته لنا ، هي وآلها الميامين ، تحت راية الاسلام الشامخة ، ولواء القرآن المظفر ، ولا يقعدن بنابنت الهدى

اختاه ...
ما اسعدني وانا أتوجه إليك بهذا النداء ، وما اشد فخري واعتزازي إذ اكتب ، إليك من جديد وأنا واثقة هذه المرة من أنك تقرئين ما أكتب ، وتستمعين إلى ندائي بقلبك وفكرك وعواطفك . وقد كنت أنتظر هذا اليوم بفارغ صبر ، والآن وقد تحقق حلمي الذهبي ، وأصبحت واثقة من وصول صدى صوتي إليك ونفوذه إلى صفحات قلبك الطاهرة بعدما تحسست بقلبي وعيني المحصول الرائع لسنتين خضناهما معا جنباً إلى جنب ، وقلباً مع قلب ، ويداً واحدة وفكراً واحداً حتى تبلورت أفكارنا ، وتعقمت من الادران وخلصت من كل شائبة ، وغدوت أرى فتياتنا الناشئات وقد تبدلت نظرة اكثرهن نحو واقع الحياة ، واكتسبت أفكارهن إطارات جديدة تشعرهن بالمسؤولية وتنبههن إلى رسالتهن الغالية .
والآن وبعد أن أبعدتني الظروف عنك شهوراً قليلة في حساب الزمن ، كثيرة في حساب قلبي وعواطفي ، أعود إليك
أختاه ... أنا أريدك معي في هذا اللقاء لنعالج معاً نقطة حساسة في حياتنا نحن المسلمات تمس كرامتنا وعزتنا بالصميم . وتجعل من فتيات الاسلام سلعة رخيصة كالاماء في سوق الرقاق ! فأنا أريد أن أتحدث وإياك عن المهر أو الصداق بعد أن أصبح الغلو فيه موضه ومظهراً من مظاهر البذخ والدلال والاعتزاز بالفتاة ، متى اصبحت الفتاة سلعة يساوم عليها ؟ وأي ضمير انساني يسمح ان تكون للفتاة قيمة معينة قد تزيد وقد تنقص ؟ . وهي المخلوقة الطاهرة التي جاءت لتنشئ أجيالاً وأجيالاً ! وأنا إذ أكتب هذا إنما اكتبه للآباء اولاً وبالذات فهم وحدهم المسؤولون عما وصلن إليه بناتهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون ، فهم في الوقت الذي يريدون فيه ان يرتفعوا ببناتهم ينزلون بهن إلى مصاف
ولكن فتاتنا المسكينة لا تزال تحت وطأة بقايا الجاهلية فهي أما فتاة متحررة منطلقة من كل قيد وشرط ، وأما فتاة مسكينة لا حول لها ولا طول ولا تتمكن حتى من إثبات وجودها وإبداء رأيها في هذا المضمار ! فأنا لا أكاد أصدق أن هناك فتاة واحدة تقبل بكل عواطفها أن يحدد لها قيمة عقد الزواج . ولكن العرف الأعمى والتقاليد الظالمة هي التي انحرفت بنا عن طريق اسلامنا وما جاء به من تعاليم . أو ليس لنا في رسول الله ( ص ) وابنته أسوة حسنة إن كنا مسلمين ؟ فان فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وبنت سيد الأمة وحامل الرسالة والنبوة ، كان صداقها درع باعه ابن عمها ليشتري بدراهمه مستلزمات المعيشة ! وقد زفت إلى بيت ليس فيه إلا حشية من قش وبعض الأواني ومطحنة للطحين ! ولم تكن صلوات الله عليها مغصوبة في ذلك أو مجبورة عليه ، فقد استشارها أبوها فوافقت ولم يكن يبت في أمرها بغير رضاها ، نعم وافقت وهي تعلم أن عريسها فقير في ماله متواضع في بيته ولكنه علي أمير المؤمنين ( ع ) وكفى بذلك بنت الهدى

اختاه ...
تحية وإخلاصاً ودعاء ،
وبعد ، فأراني وأنا مدفوعة في هذه المرة إلى أن أخصص ندائي وأوجهه إلى أخت واحدة لا غير ، أخت عرفتها من بعد ولم أتعرف إليها عن قرب ، وأغلب الظن أني لن أتعرف اليها عن قرب ولن تتعرف إليّ هي أيضاً عن قرب ، فهي أخت مسلمة لا تجمعني وإياها سوى الوحدة تحت راية الاسلام والالتفاف حول كلمة لا إله إلا الله ولكني واستجابة للدافع الروحي الذي يهيب بي أن أكتب اليها وأن اخصها في هذا اللقاء سوف أوجه إليها ندائي ساحقة جميع الاعتبارات التي قد لا تجوز لي مخاطبة من لا أعرف عنها أي شيء اللهم سوى كونها مسلمة ومحافظة على تعاليم الاسلام ، وسوى ما قيل عنها أنها من كربلاء أو من أسرة تنتسب إلى كربلاء ، ولا أدري مقدار الصحة من هذا ولكنها قبل كل شيء شريكة لي في المبدأ والعقيدة ، وأختي في الله وفي الاسلام فان لي الفخر بأن اعتبر نفسي اختاً متواضعة لكل مسلمة ، وأن اعتبر جميع
فلعلها ليست ممن يقبلن أمثال هذه الصفحات ، أو لعلها لا تعرف عن نشرتنا الاسلامية شيئا والآن فإليك يا أختي ندائي فاسمعيني بالله عليك واستمعي إليّ بروحك وقلبك معاً ، فقد بلغني عنك يا أخية أنك طرقت أبواب العلم عن طريق المدارس والمعاهد سواء أكنت مدفوعة إلى ذلك بدافع المجتمع والمحيط أو بدافع الرغبة الشخصية حتى انتهيت في سيرك إلى كلية الحقوق لتحصلين على أكبر رقم من الثقافة .
وإلى الآن فليس في هذا ما يسترعي الاهتمام او يستوجب الانتباه ، فما أكثر الفتيات اللاتي حصلن على معدلات فتحت لهن أبواب الكليات فاندرجت أسماؤهن في سجل المتعلمات ، ومشين في ركب الثقافة الحديثة التي تتطلب السير وراء كل معالم الحضارة المستوحاة من الخارج ، فأصبحن في هذا كغيرهن من ملايين الفتيات لا يفرقن عنهن ! فأصبحن في هذا كغيرهن إلا أنهن تابعات والأخريات متبوعات ولكنك أنت يا من لا أعرف عنك حتى اسمك ، أنت نعم أنت وحدك وبالذات دخلت الكلية مرفوعة الرأس ثابتة الأساس ، صريحة في غايتك واضحة في سلوك طريقك ، إذ أنك دخلتها وأنت متمسكة بأكمامك الغالية وأممتها وأنت حريصة على حجابك الطبيعي ( فمرحاً لك يا أختي ، ومرحاً لنفسك
ثم أني أريد أن أهمس في أذنيك أيضاً بأني قد سمعت وأكثر الظن أنك أيضاً تسمعين أن الحجاب والتستر يسترعي الانتباه أكثر من السفور ، ويستوجب لفت النظر اكثر من التكشف ، ولكن لا ، فما هذه سوى دعوى الرجال المتعطشين إلى التطلع إلى محاسنك ، ومحاسن بنات جنسك المسكينات ، فدعيهم وما يقولون وسيري على بركة الله ولا تهني فأن لك الغلبة في الغد ، وليس الغد ببعيد والآن فلا أدري هل سوف يصل ندائي هذا إلى أعماق قلبك وفكرك ؟ أم هل سوف يصل إليك على الأقل ؟ .
أسأل الله أن يكون كذلك ، ودمت للمعجبة ...
أختاه ...

أختاه ...
مرحباً بك وأنت تلتقين معي على هذه الصفحات فلنراجع السير ولنتابع السور ونرجع بذاكرتنا معا إلى أزهر عهود البشرية . عهد الاسلام في فجره المشرق السعيد .
لنستعرض دور المرأة المسلمة في ذلك العصر الذهبي ولنتطلع إلى موقعها في الاسلام ونظامه الاجتماعي هذا الاسلام الذي ركز للمرأة كيانها في ذلك العصر الجاهلي الرهيب الذي كانت الفتاة فيه موؤدة تسود وجوههم إذا بشروا بها . نعم في تلك الفترة المقيتة وبين معترك تلك الأفكار الهوجاء وافانا الله تعالى بدين الاسلام فأشاد بالمرأة في القرآن وجعلها في صف واحد مع الرجل لها ما له وعليها ما عليه كما جاء في الأية الكريمة ـ 195 سورة آل عمران ـ ( أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض ) وبهذا خلق الاسلام من المرأة المسلمة خلقاً اجتماعياً جديداً وركز لها مكانتها في الأوساط الاسلامية وارتفع بمعنوياتها حتى شهدت الحروب ونزلت إلى سوح الجهاد وكتبت لها أنصع صفحة في
فما أجدرنا اليوم إذ نمتحن رسالتنا الحبيبة بشتى المحن أن نرفع مشعل الدعوة الاسلامية وننشر علومنا وتعاليمنا في سبيل الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة وان نذكر دائماً وأبداً ان رسول الله ( ص ) كان قد أوصانا بطلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة لكي يكون للمرأة المسلمة نصيبها من الدعوة إلى مبدئها ونظامها الخالد ولكي تكون قادرة على صد هجمات المغرضين ورد دعايات المرجفين لا لتتلاعب مع الريح مصفرة او محمرة شرقية كانت أم غريبة ولكن لكي تسير على الطريق المهيع السوي وتتمسك بالاسلام ديناً وعقيدةً ونظاماً ولكي تتفهمه لترى فيه كل ما تطمح إليه من تقدم ورقي وازدهار فلا تعود تتطفل على المبادئ الدخلية والأفكار المستوردة ومن ثم أرادها أن تتعلم لتعرف جوهر الاسلام على حقيقته الرائعة لا لتتعرف على انحلال الغربيات وتحجر الشرقيات أرادها أن تكون شعلة من نور ملائكي ، ويحاول المجتمع الفاسد أن يحيلها إلى لفحة من نار بهيمية أرادها أن تكون ريحانة عطرة ويريدها المفهوم الحيواني أن تغدو
فإلى الاسلام يا فتيات الاسلام ، وإلى الدعوة إليه يا حفيدات خديجة والزهراء وبنات سكينة والحوراء فان فيه الأمن والأمان وهو أعذب معين ننهل منه وأصفى غدير نرد فيه ولن ينخذل أو يرتد من يدعو إليه وإليه فقط أبداً .
فقد مرت على إسلامنا الحبيب أهوال وأهوال على مر العصور ومنذ أشرق نوره في مكة ولكنه خرج منها جميعاً أوسع دعوة وأقوى حجة وأصلب عودا فالله قد وعدنا النصر والله لا يخلف الميعاد والسلام على من اتبع الهدى .
قالت صاحبتي وهي تحاورني بأسلوبها التهكمي : هبينا جاريناك بما تدعينه للمرأة المسلمة من تركيز وسمو في محيطها إذا كان مسلماً حقيقياً فما عساك أن تقولي أنت في الطلاق وتشريعه وفيه ما فيه من هدم للسعادة الزوجية وتخريب للعش الهانىء وهو لا يعدو أن يكون كلمة ينطق بها الرجل متى شاء وأنى رغب ، أفليس في هذا اجحافاً بالمرأة ووأداً لحقوقها الطبيعية ؟ فقلت لها وبصوتي رنة المرارة والأسى عليها وعلى جميع مثيلاتها من التائهات المخدوعات ، قلت : فاتك يا أخية أن تراجعي أحكام الطلاق كما شرعت وعلى حقيقتها الناصعة الواضحة وأن لم يفتك مراجعة أحدث أزياء باريس لهذا العام . فهكذا أنت ومثيلاتك المسكينات تتسابقن لتحرزن قصب السبق في أضاليل الأعداء ولتتفاخرن بتفاهات الاستعمار التي لا يراد منها إلا تخدير أرواحكن بأفيونها السام فهل فاتك أن الاسلام حمانا إذ شرع الطلاق جاء به كآخر دواء لحياة مريضة موبوءة . وبعد إذ تشغل جميع الأساليب
وأني لآسفة جداً لكونكن تأخذن أحكام الاسلام من مجتمع فاسد لا يعرف من الاسلام إلا اسمه ، فيخيل للرجل فيه أنه وقد خول هذه السلطة ، وله أن يستعملها وفقا لأغراضه الشخصية ، ويتخيل للمرأة فيه أنها أسيرة مهيضة الجناح لا حول لها ولا طول إلا إذا نقمت على الاسلام وكفرت بمثلة وتراكضت وراء المبادئ المستوردة ، فتروح تسعى لتثبت وجودها تحت بريق متكهربة كاذبة ، ولو كانت تعلم الحقيقة لاستطاعت أن تثبت كيانها الأدبي والاجتماعي على ضوء منهج الاسلام التربوي والاجتماعي تستطيع أن تشترط الطلاق ، وهي تتمكن من الفسخ إذا اكتشفت في زوجها عيباً شرعيا وهي حرة في إثبات شكايتها أمام الحاكم الشرعي المسلم ليحكم لها في الطلاق وهي قبل ذلك كله حرة في اختيار الزوج الذي ترضاه لنفسها في محيطها ومجتمعها الاسلامي الحقيقي ! لا في محيط متأرجح متحلل لا يمكنها من ذلك إلا بعد أن تسف إلى حيث الوحل اللزج ، وبعد أن تفقد عبير أنوثتها وتملأ منه أنوف الشباب ولهذا فلن يصلح المجتمع ، ولن تنال المرأة حقوقها كاملة إلا إذا تم تطبيق الحكم الاسلامي الحقيقي كما هو لا أكثر ولا أقل وعلى حقيقته الناصعة البيضاء وليس هذا ببعيد . ( نصر من الله وفتح قريب ) .
اختاه ...
وأخير طوينا صفحة عام كامل من حياتنا معا على صفحات الأضواء عام كامل ضم في حناياه الكثير الكثير من الألام والأمال واليأس والرجاء والكسل والنشاط .
عام كامل خضناه بحراً أجاجاً تارة وشربناه كأسا رقراقة أخرى فحوادث الدهر نشر ولف وللأيام أقدار وآراء .
عام كامل كنت أسعى فيه إلى لقائك على هذه الصفحات عند مطلع كل شهر ، وطالما تلهفت واستعجلت هذا اللقاء الذي يشدني إليك ، ويدنيني من اخواتي المسلمات اللاتي يستشعرن معي خطورة مسؤولياتنا في الحياة وعمق واجبنا أمام مبدئنا السماوي .
نعم كنت أتلهف واتشوق واثقة من ان كثيراً من بنات الاسلام كن يتلهفن ويتشوقن بدورهن أيضاً ، وذلك لما دل عليه هذا الاقبال المشكور من السيدات والآنسات للحصول على مجلة الأضواء ، ولكن الذي حزّ في نفسي وآلمني هو ما تحسسته في غضون هذه المدة من روح أنطوائية تقمصتها بنات
وأنا لا أريد أن انكر وجود مجتمعات اسلامية أيضاً ولكنني أقول أنها من نقاط ضعف متركزة أولاً وبالذات على المرأة المسلمة في هذا المجتمع ، فهي أما أن تكون جاهلة قانعة بالجهل صابرة على ظلمة الفكر لا تعرف للثقافة بابا إلا أبواب التهتك والتحلل فهي غافلة عن كونها مدعوة للتثقف ولطلب العلم الذي جعله الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فريضة على كل مسلم ومسلمة وهي غافلة أيضاً عن قدرتها على تنوير أفكارها وتوسيع معارفها بطرق صحيحة تكون فيها كالزهرة العطرة بين الأكمام واما ان تكون متعلمة مثقفة ولكنها منطوية على معارفها لا تتعدى نطاق دراستها الخاصة ولا تشعر بأية مسؤولية موجهة نحوها لا ستثمار تعلمها
ولنأخذ على هذا مثلا : فقد كتبت على صفحات الأضواءمواضيع كثيرة ولم تكن كتاباتي كلها مثالية ، ولا يمكن أن تكون خالية من هفوة أو غفلة ولو من وجهة بعض النظريات فقط ، فما الذي قعد بالعارفات من بنات الاسلام عن أن يصححن ما كتبت ؟ أو ينبهنني إلى ما غفلت عنه ؟ أو يبدين وجهة نظر فيما ادعيت ؟ فهل هذا العجز فيهن وما اكثر القادرات منهن أم الجهل وفيهن والحمد لله العارفات المتنورات أو الخمول والكسل ؟ نعم لخمولهن وعدم شعورهن بالمسؤولية ! وإلا فما أحلى وما أبهى ان تجتمع اصواتنا نحن المسلمات لننبعث صرخة واحدة لا تنطق إحدانا إلا عن لسان وأفكار الباقة اليانعة من بنات الاسلام ولا تكتب إحدانا إلا بعد أن نثق أن هناك من بنات جنسنا جيشاً صامداً يقف أمام الصدمات وينبهها على الهفوات . ولست أعني بهذا أو ابتغي استجداء ادب أو فكرة ، فهذا لا يكون مني إن شاء الله تعالى ، وإنما أقصد توحيد الآراء وتحديد الأفكار فأني إذ أكتب هنا لا أهدف إلى أي غرض أو مصلحة شخصية ، فأن لي من اكتفائي الذاتي المعنوي والأدبي ما يكفيني مشقة الخوض في