ونمنا ليلتنا تلك في منى وذهب مجموعة من الحاج بعد منتصف تلك الليلة نحو مكة المكرمة لاداء طواف الحج ولكن انحراف صحتنا خلال تلك الليلة منعنا عن الالتحاق بهم .. وفي صبيحة اليوم الثاني كان علينا ان نرمي الجمرات الثلاث الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ... وموقع الجمرات ليس ببعيد عن مخيمنا والطريق الذي يفصل بيننا وبينه واضح المعالم مستقيم الشوارع .
وهذه من اكبر النعم التي من الله بها علينا .. ولهذا فقد توجهنا صباح اليوم الحادي عشر للرمي وحدنا وكان الرمي مزدحما جدا والناظر اليه عن بعد لا يجد سوى رؤوس مرفوعة وأيد ممتدة وحصى تنهال كالمطر على الجمرات ، منظر رهيب يومي بالكثير .. ووصلنا الى مقربة من الجمرة الصغرى فوقفنا ننتظر لحظة مناسبة نتمكن خلالها ان نلج هذه الجموع نعم هذه الجموع التي جاءت تؤكد على الجانب السلبي من العبادة . فهي عندما طافت حول البيت وسعت بين الصفا
ووجدنا اخيرا منفذا تغلغلنا خلاله مقتربات نحو الجمرة ومن رحمة الله وعنايته بنا ان تمكنا من الوصول الى أقرب نقطة حيث أدينا واجبنا بسهولة وعدنا بسهولة ايضا . وكذلك كان الحال في رمي الجمرتين فالحمد لله رب العالمين ..
وبقينا ننتظر لكي نعود الى مكة لاداء طواف الحج وبما ان المبيت واجب في منى فكان علينا أحد أمرين .. اما ان نذهب عصراً ونعود قبل منتصف الليل وأما أن ننتظر حلول منتصف الليل ثم نخرج بعد ذلك وقد اخترنا الشق الثاني فنمنا في بداية الليل ساعة او ساعتين ثم استيقظنا بعد منتصف الليل بقليل فجددنا الطهارة وخرجنا بصحبة شقيق المتعهد وخمس من نساء القافلة ورجلين من رجالهن .. واستأجر لنا صاحبنا سيارة اوصلتنا الى باب الحرم المكي ( باب سعود ) كان الطريق خاليا هادئا تنساب السيارة فيه انسيابا مريحا وكنا نشعر بالغبطة كلما اقتربنا من مكة .. فقد كنا على موعد مع ساعات عبادة وعطاء .. ودخلنا الحرم وكان لهيبته اكبر الاثر في نفوسنا وكأننا ندخله للمرة الاولى .. وهذا من خصائص ذلك الحرم الطاهر فهو لا يفقد في نفوس داخليه هيبته وروعته مهما تكررت الزيارات وتلاحقت المشاهدات .
وبدأنا نطوف .. وكان طوافنا هذا اسهل من طوافنا الاول بكثير وذلك لقلة الزحام وهدوء الطواف ولهذا فقد ادينا طوافنا بسهولة لم نكن نتوقعها مطلقا وخرجنا من الطواف لنتجه نحو الصلاة . ووقفنا نصلي في أقرب نقطة من مقام نبي الله ابراهيم وبعد ذلك كان علينا ان نذهب نحو المسعى فاسترحنا قليلا ثم سمينا باسم الله وتوجهنا نحو الصفا والمروة وبدأنا نقطع الاشواط هناك جيئة وذهابا .. وكان صاحبنا يحمل بيده علما اخضرا وهو يسير امامنا لكي لا نضل عنه .. ولكن المجال لم يكن يدعو الى ذلك ولم يكن هناك اي خطر للضلال او لم يكن للضلال اي خطر . وعلى كل حال . فقد سرنا داعيات مرة وساكنات اخرى حتى انهينا اشواطنا السبعة والحمد لله فهل انتهت اعمال الحج بهذا يا ترى . كلا فقد كان علينا ان نطوف طواف النساء . ولولا طواف النساء هو طواف حول الكعبة الشريفة فيه من القرب والخشوع الشيء الكثير لولا هذا لكان غير مرغوب فيه لأن وجوبه يأتي بعد ان يكون الحاج قد صرف من الطاقات اكثرها . ولكن الشعور بالقرب من تلك البقعة المباركة لابد وان يتغلب في نفس الحاج على كل تعب ونصب وطفنا طواف النساء .. وكان الطواف قد ازدحم عن طوافنا الاول نسبيا ولكن وعلى كل حال لم يكن بالشكل المتعب جدا ثم ادينا صلاة الطواف الواجبة وبذلك انهينا جميع اعمال الحج .. عدى رمي الجمرات لليوم الثالث ..
وكنا نحس بمزيد الحاجة الى الماء فشربنا حتى ارتوينا وغسلنا وجوهنا ثم حمدنا الله من جديد .. ولا يسعني هنا الا ان اسجل كلمة شكر لصاحبنا شقيق المتعهد ذلك فقد عاملنا معاملة جيدة ووفر لنا في تلك الساعات جميع ما تمكن عليه من أسباب الراحة فأسأل الله تعالى ان يجزيه عنا خير الجزاء .. وللقارئ ان يتصور مدى حاجتنا في ذلك الوقت الى الراحة وهي لاتتم الا بالعودة نحو منى والطريق كان مهددا بالازدحام كلما قرب انتهاء الليل ولكن كان علينا ان ننتظر فإن احد الحجاج الذي صحبنا في منى كان قد انفصل عنا بالطواف والسعي هو وزوجته وكان علينا ان ننتظره لكي نعود معا .. هكذا قال صاحبنا المتعهد .. وحفاظا على آداب المصاحبة فقد خضعنا للامر الواقع وجلسنا ننتظر . وطالت المدة دون ان يتفضل صاحبنا فيمر علينا مرور الكرام حتى يئس متعهدنا من عودته واعتقد انه قد عاد بزوجته الى منى فخرجنا نسحب اقدامنا في الارض سحبا لشدة التعب والسهر
وكنا في حاجة ماسة الى النوم فنمنا قريرات العين لتمكننا من اداء الواجب بالشكل الصحيح .. واستيقظنا بعد ساعتين لتناول افطارنا وكنا قد استعدنا بعض قوانا والحمد لله .
*
*
اذ ان مشتريات الايام الثلاث كانت قد انتثرت بين جوانبها ومشتريات تلك الساعات الاخيرة كانت مكدسة تنتظر الشد .. وعلى كل حال فما ان انتهينا من الصلاة والغذاء حتى نادى المنادي بنا ان هيا نحو السيارات للعودة الى مكة .. وسارت بنا السيارة ونحن نودع في ابصارنا وافكارنا هذه المعالم الحبيبة .. فكم هو من الصعوبة بمكان ان ينظر الانسان الى ما يحب نظرة وداع قد لا يكون من ورائه لقاء .. هذا الشعور هو اقسى ما يحسه المفارق فيود لو تزود معه
.. ووقفنا على قبرها نتساءل : أين نحن من خديجة ثم لنتساءل أيضا وبعد ان نعرف مدى البون الشاسع الذي يفصلنا عنها نتساءل أترانا مسلمات حقا ؟ وما هي علامات اسلامنا يا ترى ؟ ان الجانب الايجابي وحده لا يكفي لأن يوجد من
وكان المطر ينهمر بغزارة فيغسل جدران الكعبة ويضفي على الموقف بشكل عام هيبة جديدة من نوع فريد وكان الوداع قاسيا جدا لولا بصيص الامل في عودة اللقاء وقديما قيل :
« ما أضيق العيش لولا فسحة الامل »
*
*
وعدنا من البيت الحرام ونحن نلتفت وراءنا لنلقي آخر نظرة على ما نحب وكأننا مع كل لفتة كنا نجدد عهدا جديدا في الولاء ونؤكد وعدا مسبقا في وحدانية العبودية وخلوص الطاعة .. كانت نظراتنا تلك حكاية عن قلوب عاشت سعادة الروح في القرب وها هي تسير نحو مرارة
*
*
وقبل أذان الفجر بساعة دعينا الى المضي نحو الطائرة فحمدنا الله على نهاية الانتظار واستقل كل منا مقعده في الطائره النفاثة ( ترايدنت ) وبقينا ننتظر التحليق وكنا نأمل ان نصلي صلاة الفجر في المدينة لان لامدة بين جدة المدينة لا تستغرق اكثر من ثلاثة ارباع الساعة وطال بنا الانتظار والطائرة تأبى ان تقلع عن الارض وعرفنا ان هناك خلل يتطلب الاصلاح .. وبدأ السأم يدب الى نفوسنا ونحن نتابع الساعة خشية ان يتعارض وقت السفر مع وقت الصلاة وكدنا أن نقترح النزول الى أرض المطار لتأدية الصلاة لولا ان مضيف الطائرة أعلن عن عدم التمكن من اصلاح الطائرة وليس علينا الا الهبوط !!!
فنزلنا وعدنا من جديد نفترش امتعتنا وسط آلاف الحجاج وقضينا النهار بطوله هناك وبعد الغروب بقليل دعينا الى ركوب الطائرة فركبناها وقلوبنا وجلة خشية ان لا تكون قد برأت من عارضها بشكل كامل ولكنها وبعد دقائق اقلعت عن ارض مطار جدة .. وبهذا كنا قد توجهنا نحو المدينة المنورة .
ووصلنا الى المدينة المنورة وهي تبعد عن جدة حوالي ال (420) كيلو متر ووقفت امام قبر الرسول (ص) ان من ابرز المشاعر التي يعيشها الانسان وهو ماثل امام القبر الشريف هو شعور الخجل والتقصير !! حينما يجد ان عليه ان يقدم حسابا لقائده الذي يقف امامه .. نعم ان عليه ان يقدم حسابا عن الوديعة التي خلفها لديه وهو القائل ( اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا ) فكيف كان احتضانه لهذه الوديعة وما هو مدى تمسكه بهما ؟ وهل تراه وعى مضمون التمسك وعرف انه التمثل والطاعة والاستجابة كما يدعوان اليه ؟ سعيد ذلك الذي يجد نفسه وقد وفى لرسوله باحتضان مخلفاته والتمسك بهما ، نعم سعيد ذلك الانسان ويالها من سعادة هو يقف في بقعة طاهرة قال عنها الرسول (ص) ( بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ) ولكن لمن تتفق هذه السعادة يا ترى ؟؟ سؤال حبذا لو طرحه على نفسه كل زائر لتلك الرحاب وفي المدينة المنورة ايضا زرنا مراقد الائمة الاطهار الحسن المجتبى والامام
وقد خصصت ساعات محدودة من كل يوم تفتح فيه الابواب لزيارة الرجال فقط .. وفي القرب من المدينة المنورة زرنا مقابر شهداء احد الابرار ومسجد قبا وهو أول مسجد بني في الاسلام ومسجد القبلتين حيث نزل الوحي فيه بتغير القبلة من بيت المقدس نحو الكعبة الشريفة . وغيرها من الاماكن الشريفة وفي صبيحة اليوم الخامس فارقنا المدينة متوجهين نحو العراق وكلنا لسان شكر لله عز وجل على ما وفقنا اليه .
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*