الصفحة 27
فيك ولا في أهلك، ولا في نسلك، أنت مني وأنا منك، إنّما نزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش أصحاب البذخ والكبر، قولي: يا أبة، فإنّها أحب للقلب وأرضى للرب(1).

8 ـ مناقب ابن المغازلي أخبرنا أبو منصور زيد بن طاهر بن يسار البصري ـ قدم علينا واسطا(2) ـ أخبرنا الحسين بن محمّد بن يعقوب الشباطي الحافظ، حدّثنا أبو بكر محمّد بن عدي، حدّثنا محمّد بن عدي الابلي، حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن أبي مريم القبائي من أهل قبا، حدّثنا القاسم بن محمّد عن أبيه، عن جعفر بن محمّد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أمّه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالت: لما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله): {لا تجعلوا دعاء الرسول...} (3) قالت فاطمة (عليها السلام): فهبت النبيّ (صلى الله عليه وآله) أن أقول له يا أبة، فجعلت أقول له: يا رسول الله. فأقبل عليّ فقال لي: يا بنيّة إنّها لم تنزل فيك ولا في أهلك من قبل، أنت منّي وأنا منك، وإنّما نزلت في أهل الجفاء والبذخ والكبر، قولي: يا أبة فإنّه أحبّ للقلب وأرضى للرب، ثمّ قبّل النبي (صلى الله عليه وآله) جبهتي ومسحني بريقه فما احتجت إلى طيب بعده(4).

قوله تعالى: {إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً} (5).

9 ـ روى الطبري عن أبي سعيد الخدري عن اُمّ سلمة قالت: لمّا نزلت: {إنّما

____________

1 ـ المناقب 3:102، وعنه: البحار 43:33 والعوالم 115:40 ـ 41.

2 ـ واسط مدينة في العراق.

3 ـ سورة النور 24:63.

4 ـ المناقب: 364.

5 ـ سورة الأحزاب 33:33.


الصفحة 28
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً} دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فجلّل عليهم كساء خيبرياً فقال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي اللّهم أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، قالت اُمّ سلمة: ألست منهم؟ قال: أنت إلى خير.

وقال حدّثنا أبو كريب قال حدّثنا مصعب بن المقدام قال: حدّثنا سعد بن زري عن محمّد بن سيرين عن أبي هريرة عن اُمّ سلمة: [رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد جاءته فاطمة (عليها السلام) غدية] ببرمة(1) لها قد صنعت فيها عصيدة(2) تحملها على طبق فوضعته بين يديه فقال: أين ابن عمّك وابناك؟ فقالت: في البيت، فقال: ادعيهم فجائت إلى عليّ (عليه السلام) فقالت: أجب النبي (صلى الله عليه وآله) أنت وأبناك، قالت أمّ سلمة فلمّا رآهم مقبلين مدّ يده إلى كساء كان على المنامة فمده وبسطه وأجلسهم عليه ثمّ أخذ باطراف الكساء الأربعة بشماله فضمّه فوق رؤسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربّه فقال: هؤلاء أهل البيت فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً(3).

10 ـ وممّن روى من الصحابة حديث الكساء ونزول الآية: واثلة بن الأسقع (وهو آخر من مات من الصحابة وقد خدم النبي ثلاث سنين) فقد أخرج عنه المحدثون أنّه شهد ذلك في بيت فاطمة ففي مسند ابن حنبل 4:107 باسناده عن شداد (هو أبو عمّار ابن عبد الله الدمشقيّ) قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا علياً (يعني: بما لا ينبغي ذكره كما صرح به الطبري والحسكاني في شواهد التنزيل) فلمّا قاموا قال: لي ألاّ أخبرك بما رأيت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلت:

____________

1 ـ البرمة: القدر.

2 ـ العصيدة: دقيق بُلّ بالسمن ثم طبخ.

3 ـ تفسير الطبري 22:7، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده 6:298 مع إختلاف يسير.


الصفحة 29
بلى، قال: أتيت فاطمة (عليها السلام) أسألها عن عليّ (عليه السلام).

قالت: توجه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجلست انتظره حتّى جاء رسول الله ومعه عليّ والحسن والحسين أخذ كل واحد منهما بيده حتّى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه ثمّ لفّ عليهم ثوبه أو قال: كساءً، ثمّ تلا هذه الآية: {إنّما يريد الله ليذهب...} (1) وقال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحقّ.

ونحوه ما في تفسير الطبري وفيه التصريح بقوله سألت عن عليّ (عليه السلام) في منزله أو مستدرك الحاكم 2:416 وباب مناقب أهل البيت 3:147 وغير ذلك(2).

11 ـ مسند أحمد بن حنبل حدّثنا عبد الله، حدثني أبي، حدّثنا أبو النضر هاشم ابن القاسم حدّثنا عبد الحميد ـ يعني ابن بهرام ـ قال: حدثني شهر بن حوشب،قال: سمعت اُمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) حين جاء نعي الحسين بن علي (عليه السلام) لعنت أهل العراق فقالت: قتلوه قتلهم الله، غرّوه وذلّوه لعنهم الله، فإنّي رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاءته فاطمة (عليها السلام) غدية ببرمة قد صنعت له فيها عصيدة تحمله في طبق لها حتّى وضعته بين يديه فقال لها: أين إبن عمّك؟ قالت: هو في البيت.

قال: فأذهبي فادعيه واتيني يا بنيّة قالت: فجاءت تقود ابنيها كلّ واحد منهما بيد، وعلي (عليه السلام) يمشي في اثرهما حتّى دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأجلسهما في حجره وجلس عليّ (عليه السلام) عن يمينه وجلست فاطمة (عليها السلام) عن يساره.

قالت اُمّ سلمة فاجتذب من تحتي كساءً خيبرياً ـ كان بساطاً لنا على المنامة في المدينة ـ فلفّه النبيّ (صلى الله عليه وآله) عليهم جميعاً فأخذ بشماله طرفي الكساء وألوى بيده

____________

1 ـ سورة الأحزاب 33:33.

2 ـ اُنظر نخبة البيان: 192.


الصفحة 30
اليمني إلى ربّه عزّ وجلّ قال: اللّهمّ أهلي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، اللّهمّ أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

قلت: يا رسول الله ألست من أهلك؟

قال: بلى، فأدخلني في الكساء.

قالت: فدخلت في الكساء بعد ما قضى دعاءه لابن عمّه علي (عليه السلام) وابنيه وابنته فاطمة (عليها السلام) (1).

____________

1 ـ مسند أحمد بن حنبل 6:298.

(قلت): رواه أحمد بن حنبل في الفضائل برقم: 1170، والطبراني في الكبير 3:14، وروى أحمد بن حنبل معنى هذا الحديث في مواضع عديدة من مسنده وهي كما يلي: 1: 330 و331، 2:292 بثلاثة طرق، 4:107، و6:296 و298 و304 و323 و405، وفي كتاب الفضائل برقم 978 و986 و994 و995 و996 و1077 و1080 و1149 و1168 و1170.

ورواه الحاكم في المستدرك 3:32 و147 والهيثمي في مجمع الزوائد 9:119 و166، والدولابي في الكنى 2:121 و122 بطريقين والسيوطي في الدر المنثور 5:98 والترمذي في سننه 5:351 و663 وابن جرير في تفسيره 22:6 من طريقين وغيرهم (وأقول أيضاً): ولكي يقطع النبي (صلى الله عليه وآله) تأويل المبطلين في تفسير هذه الآية الكريمة فقد عيّن أهل البيت بصورة عملية كما رواه الكثير من الحفاظ ومنهم أحمد بن حنبل في مسنده 3:259 و285 وفيه:

حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر اذا خرج إلى الفجر، (الصلاة يا أهل البيت إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً).

وروي في 3:215 حدثنا عبدالله، حدثني أبي، حدثنا عفان، حدّثنا حماد عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يمر بباب فاطمة ستة اشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: "الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً" وروى في كتاب الفضائل برقم: 1340 حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا حجاج، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الصبح، يقول: الصلاة الصلاة، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً".

وروى في الفضائل ـ أيضاً ـ برقم: 1341 حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، حدثنا علي بن زيد، عن أنس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأتي بيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج من صلاة الفجر يقول: "يا أهل البيت الصلاة الصلاة يا أهل البيت، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً".

هذا، وقد ذكر معنى هذا الحديث كلّ من الحاكم في المستدرك 3:158 وفيه: لصلاة الفجر. والهيثمي في مجمع الزوائد 9:168 عن أبي الحمراء وفيه: صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعة عشر شهراً فإذا خرج...، وعن أبي سعيد الخدري وفيه: أربعين صباحاً.

وفي بحار الأنوار 43:53 عن ابن خالويه، عن نافع بن أبي الحمراء، قال: شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانية أشهر إذا خرج إلى صلاة الغداة مرّ بباب فاطمة (عليها السلام) فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً".


الصفحة 31
قال المؤلف: وروي معناه في صحيح الترمذي 13:200 و248 والمستدرك2:219 وينابيع المودة:299 وتفسير الطبري 22:8 وسنن البيهقي 2:149 ومسند أحمد 6:298 واحقاق الحقّ: 10 و26 و34 وغيرها.

قوله تعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض...} (1).

12 ـ تفسير فرات الكوفي: علي بن عتاب معنعنا، عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا عرج بي إلى السّماء صرت إلى سدرة المنتهى فكان(2) قاب قوسين أو أدنى فأبصرته بقلبي ولم أره بعيني فسمعت آذاناً مثنى مثنى وأقامة وتراً وترا، فسمعت منادياً ينادي: يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي، إشهدوا أنّي لا إله إلاّ أنا وحدي لا شريك لي.

قالوا: شهدنا وأقررنا.

قال: إشهدوا يا ملائكتي وسكان سماواتي وأرضي وحملة عرشي أنّ محمّداً عبدي ورسولي.

قالوا: شهدنا وأقررنا.

قال: اشهدوا يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي أنّ عليّاً وليّي ووليّ رسولي وولىّ المؤمنين بعد رسولي.

____________

1 ـ سورة الأحزاب 33:72.

2 ـ كذا في البحار، ولعل الصحيح: فكنت.


الصفحة 32
قالوا: شهدنا وأقررنا(1).

قال عباد بن صهيب: قال جعفر بن محمّد، قال: أبو جعفر (عليه السلام): وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحديث فقال: إنّي لاجده في كتاب الله: {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان} .

قوله تعالى: {حملته اُمّه كرهاً ووضعته كرهاً} (2).

13 ـ كامل الزيارات: حدّثني محمّد بن جعفر الرزاز، قال حدّثني محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمّد بن عمرو بن سعيد الزيّات، قال: حدّثني رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) إنّ جبرئيل (عليه السلام) نزل على محمّد (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمّد، إنّ الله يقرأ عليك السلام ويبشّرك بمولود يولد من فاطمة (عليها السلام) تقتله اُمتّك من بعدك.

فقال: يا جبرئيل وعلى ربّي السّلام، لا حاجة لي في مولود تقتله اُمّتي من بعدي.

قال: فعرج جبرئيل إلى السّماء، ثمّ هبط فقال له مثل ذلك.

فقال: يا جبرئيل وعلى ربّي السّلام، لا حاجة لي في مولود تقتله اُمّتي من بعدي.

فعرج جبرئيل إلى السّماء ثمّ هبط فقال له يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السّلام ويبشّرك أنّه جاعل في ذريّته الإمامة والولاية والوصيّة.

فقال: قد رضيت، ثمّ أرسل إلى فاطمة (عليها السلام) أنّ الله يبشّرني بمولود يولد منك تقتله اُمّتي من بعدي.

____________

1 ـ تفسير فرات الكوفي: 30 و31. وعنه البحار 23: 282 ـ 283.

2 ـ سورة الأحقاف 46:15.


الصفحة 33
فأسلت إليه: ان لا حاجة لي في مولود يولد منّي تقتله أمّتك من بعدك.

فأرسل إليها إنّ الله جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصيّة.

فأرسلت إليه: إنّي قد رضيت.

{حملته أمّه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهراً حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضيه وأصلح لي في ذريّتي إنّي تبت إليك وانّي من المسلمين} (1)(2).

قوله تعالى: {قد سمع الله قول الّتي تجادلك في زوجها} (3).

14 ـ بحار الأنوار عن كنز جامع الفوائد (المخطوط): روى محمّد بن العباس، عن أحمد بن عبد الرحمن، عن محمّد بن سليمان بن بزيع، عن جميع بن المبارك، عن إسحاق بن محمّد، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) أنّه قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة (عليها السلام) إنّ زوجك يلاقى بعدي كذا وكذا، فخبّرها بما يلقى بعده.

فقالت: يا رسول الله ألا تدعوا الله أن يصرف ذلك عنه.

فقال: قد سألت الله ذلك له فقال: إنّه مبتلي ومبتلى به.

فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: {قد سمع الله قول الَّتي تجادلك في زوجها... الآية} (4).

قوله تعالى: {انّما النَجوى مِن الشَّيطان لِيحزَن الَّذين ءامنوا... الآية} (5).

____________

1 ـ إقتباس من سورة الأحقاف 46:15.

2 ـ كامل الزيارات 75 وروي معناه في البحار 23: 272، 25: 260، 36:158، 248 عن مصادر شتى، وسيأتي معناه في فصل "فاطمة (عليها السلام) وأولادها" بالأحاديث 187 ـ 188 ـ 189.

3 ـ سورة المجادلة 58:1.

4 ـ بحار الأنوار 36: 164 ـ 165 والآية من سورة المجادلة 58:1.

5 ـ سورة المجادلة 58:11.


الصفحة 34
15 ـ القمي في تفسيره عند قوله تعالى: "إنّما النَّجوى من الشَّيطان ليحزن الَّذين ءامنوا وليس بضارّهم شيئاً إلاّ بإذن الله وعلى الله فليتوكّل المؤمنون".

قال: فإنّه حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان سبب نزول هذه الآية انّ فاطمة (عليها السلام) رأت في منامها أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) همّ أن يخرج هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم من المدينة فخرجوا حتى جاوزوا من حيطان المدينة فعرّض لهم طريقان فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات اليمين حتى إنتهى بهم إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله (صلى الله عليه وآله) شاة كبراء ـ وهي التي في أحدى أذنيها نقط بيض ـ، فأمر بذبحها فلما أكلوا منها ماتوا في مكانهم، فانتبهت فاطمة باكية ذعرة، فلم تخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك، فلمّا أصبحت جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحمار فأركب عليه فاطمة وأمر أن يخرج أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) من المدينة كما رأت فاطمة في نومها فلمّا خرجوا من حيطان المدينة عرض له طريقان فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات اليمين كما رأت فاطمة حتى انتهوا إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله (صلى الله عليه وآله) شاة ذراء كما رأت فاطمة (عليها السلام) فأمر بذبحها فذبحت وشوّيت.

فلمّا أرادوا أكلها قامت فاطمة وتنحت ناحية منهم تبكي مخافة أن يموتوا، فطلبها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وقع عليها وهي تبكي فقال: ما شأنك يا بنيّة؟ قالت: يا رسول الله رأيت البارحة كذا وكذا في نومي وقد فعلت أنت كما رأيته فتنحيت عنكم لأن لا أراكم تموتون.

فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصلّى ركعتين ثمّ ناجى ربّه فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد هذا شيطان يقال له: "الزها" وهو الذي أرى فاطمة هذه الرؤيا ويؤذي

الصفحة 35
المؤمنين في نومهم ما يغتمون به.

فأمر جبرئيل (عليه السلام) أن يأتي به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: أنت ارأيت فاطمة هذه الرؤيا؟ فقال: نعم يا محمّد. فبزق عليه ثلاث بزقات فشجّه في ثلاث مواضع.

ثمّ قال جبرئيل لمحمّد (صلى الله عليه وآله): قلّ يا محمّد إذا رأيت في منامك شيئاً تكرهه أو رأى أحد من المؤمنين فليقل: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقرّبون وأنبياء الله المرسلون وعباده الصالحون من شرّ ما رأيت من رؤياي، ويقرأ الحمد والمعوذّتين وقل هو الله أحد ويتفل عن يساره ثلاث تفلات فإنّه لا يضرّه ما رأى، وأنزل الله على رسوله: {إنّما النَّجوى من الشَّيطان... الآية} (1).

16 ـ دار السلام للنوري وعن حاشية تكملة غرر الفوائد للسيد الأجل المرتضى، عن فاطمة بنت الحسين، عن عمّتها زينب بنت علي (عليه السلام) عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: اُهدي إلى النبيّ عناق(2) مشوية فبعث إلى فاطمة وعليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) فأجلسهم معه ليأكلوا فأوّل من ضرب بيده إلى العناق الحسن (عليه السلام) فجذبت فاطمة (عليها السلام) يده وبكت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فداك وما شأنك لم تبكين.

قالت: يا رسول الله رأيت في منامي البارحة كأنّه أهدي إليك هذه العناق وكأنك جمعتنا فأوّل من ضرب بيده إليها الحسن فأكل ومات فقال (صلى الله عليه وآله): كفّوا، ثمّ قال: يا رؤيا. فأجابه شيء: لبّيك يا رسول الله، قال: هل أريت حبيبتي شيئاً؟ قالت: لا والّذي بعثك بالحقّ.

قال: يا أحلام. فأجابه شيء: لبّيك يا رسول الله. قال: هل أريت حبيبتي شيئاً،

____________

1 ـ تفسير القمي 2:355، والبحار 43:90، 58:187، 73:198 ولآلي الأخبار 5:380.

2 ـ العناق: الأنثى من ولد المعز قبل إستكمالها الحول.


الصفحة 36
قال لا والّذي بعثك بالحقّ نبيّاً.

قال: يا...(1) فأجابه شيء: لبّيك يا رسول الله.

قال: هل أريت حبيبتي شيئاً؟ قال: لا والذي بعثك بالحقّ نبيّاً.

قال: يا شيطان الأحلام. فأجابه شيء لبيك يا رسول الله قال هل أريت حبيبتي شيئاً؟ قال: نعم أريتها كذا قال: ما حملك على ذلك؟ قال العبث.

قال: لا تعد إليها. ثمّ تفل عن يساره ثلاثاً وقال: أعوذ بالله من شر ما رأيت ثمّ قال: كلوا بسم الله(2).

قال النوري: ثمّ إنّ بعض الأعاظم نقل أصل الرؤيا مختصراً.

17 ـ تفسير العياشي: عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: رأت فاطمة (عليها السلام) في النوم كان الحسن والحسين ذبحا أو قتلا، فاحزنها، ذلك، فأخبرت به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رؤيا فتمثلت بين يديه قال: أنت أريت فاطمة هذا البلاء؟ قالت: لا، فقال: يا أضغاث أنت أريت فاطمة هذا البلاء؟ قالت: نعم يا رسول الله قال: فما أردت بذلك؟ قالت: أردت أن اُحزنها فقال لفاطمة: إسمعي ليس هذا بشيء(3).

قلت: لم يتضح لنا مغزى هذه الروايات، فإنّ السيّدة فاطمة (عليها السلام) كانت عالمة محدَّثَة ولم تكن كسائر النساء حتّى يمكن أن يترائى لها اضغاث الأحلام(4).

قوله تعالى: {ويُؤثِرُون عَلى أنفُسِهِمْ وَلوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَة} (5).

____________

1 ـ الظاهر أنه سقط هنا لفظ: "أضغاث". اُنظر الحديث الآتي.

2 ـ دار السلام للنوري 1:66.

3 ـ وعن تفسير العياشي بحار الأنوار 43:91 والعوالم 11:215 والبرهان 2:55 ودار السلام للنوري 1:64. (قلت): سيأتي في فصل ما علمها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من الأدعية دعاء علمها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لدفع أثر ما تراه في النوم من السوء فراجع ثمة.

4 ـ تفسير العياشي 2:178 ـ 179.

5 ـ سورة الحشر: 59:9.


الصفحة 37
18 ـ المناقب: تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان وعليّ بن حرب الطائي ومجاهد بأسانيدهم عن ابن عباس وأبي هريرة: روى جماعة عن عاصم بن كليب عن أبيه ـ واللفظ له ـ عن أبي هريرة: أنّه جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه الجوع فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أزواجه، فقلن: ما عندنا إلاّ الماء، فقال (صلى الله عليه وآله): من لهذا الرجل الليلة؟! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا يا رسول الله، فأتى فاطمة وسألها: ما عندك يا بنت رسول الله؟

فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصبيّة، لكنّا نؤثر ضيفنا به.

فقال عليّ (عليه السلام): يا بنت محمّد (صلى الله عليه وآله) نومّى الصبيّة واطفئي المصباح... وجعلا يمضغان بالسنتهما فلمّا فرغ من الأكل أتت فاطمة بسراج فوجدت الجفنة مملوءة من فضل الله فلمّا أصبح صلى مع النبي (صلى الله عليه وآله) فلمّا سلّم النبيّ (صلى الله عليه وآله) نظر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وبكى بكاءاً شديداً وقال: يا أمير المؤمنين لقد عجب الربّ من فعلكم البارحة، إقرأ: "وَيُؤْثرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصة" أي: مجاعة "ومن يوق شُحّ نفسه" يعني: عليّاً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام): "فأولئك هم المفلحون"(1).

قال المؤلّف: وروى الشيخ، عن المفيد، عن محمّد بن الحسن المقرّي، عن محمّد بن سهل العطّار، عن أحمد بن عمر الدهقان، عن محمّد بن كثير، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة مثله(2).

19 ـ مستدرك الوسائل: عن الشيخ أبي الفتوح الرّازي في تفسيره، عن سليق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة لصلاة العشاء، فقام رجل من بين الصف فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار أنا رجل غريب فقير وأسألكم في

____________

1 ـ بحار الأنوار 4:28 و34 وأمالي الطوسي: 116 ومستدرك الوسائل 1:540 و26.

2 ـ المناقب 1:95، وبحار الأنوار 41: 34.


الصفحة 38
مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأطعموني. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيّها الحبيب لا تذكر الغربة فقد قطّعت نياط قلبي أما الغرباء فأربعة. قالوا: يا رسول الله من هم؟

قال: مسجد بين ظهراني قوم لا يصلّون فيه، وقرآن في أيدي قوم لا يقرؤن فيه وعالم بين قوم لا يعرفون حاله ولا يتفقّدونه وأسير في بلاد الرّوم بين كفّار لا يعرفون الله. ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): من الّذي يكفي مؤنة هذا الرّجل فيبّوئه الله في الفردوس الأعلى؟ فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخذ بيد السائل وأتى به إلى حجرة فاطمة (عليها السلام)، فقال: يا بنت رسول الله اُنظري في أمر هذا الضيف.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يابن العمّ لم يكن في البيت إلاّ قليل من البرّ صنعت مه طعاماً والأطفال محتاجون إليه وأنت صائم والطعام قليل لا يغني غير واحد.

فقال: اُحضريه، فذهبت وأتت بالطعام ووضعته فنظر إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فرآه قليلا، فقال في نفسه لا ينبغي أن آكل من هذا الطّعام فإن أكلته لا يكفي الضيف فمدّ يده إلى السراج يريد أن يصلحه فأطفأه وقال لسيّدة النّساء (عليها السلام) تعللي في ايقاده حتّى يحسن الضيف أكله ثم آتيني به.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحرّك فكّه المبارك يُري الضيف أنّه يأكل، ولا يأكل، إلى أن فرغ الضيف من أكله وشبع فأتت خير النساء (عليها السلام) بالسراج ووضعته فكان الطعام بحاله.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لضيفه: أكلت الطّعام؟ فقال: يا أبا الحسن أكلت الطّعام وشبعت ولكن الله تعالى بارك فيه.

ثمّ أكل من الطّعام أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيّدة النساء والحسنان (عليهم السلام) واعطوا منه جيرانهم وذلك ممّا بارك الله تعالى فيه.


الصفحة 39
فلمّا أصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) أتى إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (صلى الله عليه وآله): يا عليّ كيف كنت مع الضيف؟ فقال: بحمد الله يا رسول الله بخير. فقال: إنّ الله تعالى تعجب ممّا فعلت البارحة من إطفاء السراج والامتناع من الأكل للضيف فقال: من أخبرك بهذا؟ فقال: جبرئيل، وأتى بهذه الآية في شأنك: {ويؤثرون على أنفسهم... الآية} (1).

20 ـ كنز الكراجكي: محمّد بن العباس، عن سهل بن محمّد العطّار، عن أحمد ابن عمرو الدهقان، عن محمّد بن كثير، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: إنّ رجلا جاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فشكى إليه الجوع فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيوت أزواجه فقلن: ما عندنا إلاّ الماء.

فقال (صلى الله عليه وآله): من لهذا الرجل اللّيلة؟ فقال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): أنا يا رسول الله، فأتى فاطمة (عليها السلام) فاعلمها، فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصبيّة ولكنّا نؤثر به ضيفنا، فقال (عليه السلام): نوّمي الصبيّة واطفئي السّراج فلمّا أصبح غدا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنزل قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم... الآية} (2).

21 ـ كنز جامع الفوائد: وروي أيضاً عن أحمد بن إدريس، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن كليب بن معاوية، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} قال: بينما عليّ (عليه السلام) عند فاطمة (عليها السلام) إذ قالت له: يا عليّ إذهب إلى أبي فابغنا(3) منه شيئاً، فقال: نعم، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعطاه ديناراً، وقال له: يا علي إذهب فابتع به لا هلك طعاماً، فخرج

____________

1 ـ مستدرك الوسائل 1:540.

2 ـ الحشر 59:9.

3 ـ بغى الشيء: طلبه، وابغنا منه: أي اطلب لنا منه شيئاً.


الصفحة 40
من عنده فلقيه المقداد بن الأسود فقاماً ما شاء الله أن يقوما، وذكر له حاجته، فأعطاه الدينار، وانطلق إلى المسجد، فوضع رأسه فنام، فانتظره رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يأت، ثمّ انتظره فلم يأت، فخرج يدور في المسجد فإذا هو بعليّ (عليه السلام) نائم في المسجد فحرّكه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقعده فقال: يا عليّ ما صنعت:؟ فقال يا رسول الله خرجت من عندك فلقيت المقداد ابن الأسود فذكر لي ما شاء الله أن يذكر فأعطيته الدينار، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أما أنّ جبرئيل قد أنبأني بذلك وقد أنزل الله فيك كتاباً: {ويؤثرون على أنفسهم... الآية} (1).

قوله تعالى: {إنّ الأبرارَ يَشْربُونَ مِنْ كَأس كانَ مَزاجُها كافُوراً} (2).

22 ـ تفسير فرات الكوفي: أبو القاسم العلوي عن فرات بن إبراهيم معنعنا، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام) قال: مرض الحسن والحسين عليهما السلام مرضاً شديداً فعادهما سيّد ولد آدم محمّد (صلى الله عليه وآله) وعادهما أبو بكر وعمر، فقال عمر لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): يا أبا الحسن إن نذرت لله نذراً واجباً، فإن كلّ نذر لا يكون لله فليس فيه وفاء.

فقال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): إن عافى الله ولديّ ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام متواليات.

وقالت الزهراء (عليها السلام) مثل ما قالها زوجها وكانت لهما جارية بربرية تدعى فضّة قالت: إن عافى الله سيّديّ ممّا بهما صمت لله ثلاثة أيّام ـ وساق الحديث(3) ـ إلى أن

____________

1 ـ عنه بحار الأنوار 36:60. (قلت): ايثار عليّ (عليه السلام) المقداد على نفسه سيأتي في الحديث: 777 الآتي أيضاً.

2 ـ سورة الانسان 76:5.

3 ـ وهو أنّه (عليه السلام) ذهب إلى شمعون فاستقرض منه ثلاثة اصوع من الشعير. وجعلها اجرة غزل جزّة صوف له، والحديث قد ذكره المجلسي مفصّلا في البحار 35:237 في الباب 6 (نزول "هل أتى").


الصفحة 41
قال: وإنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أخذ بيد الغلامين وهما كالفرخين لا ريش لهما يرتعشان من الجوع، فانطلق بهما إلى منزل النبيّ (صلى الله عليه وآله) فلمّا نظر إليهما النبيّ (صلى الله عليه وآله) اغر ورقت عيناه بالدموع وأخذ بيد الغلامين فانطلق بهما إلى فاطمة الزهراء (عليها السلام) فلما نظر إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد تغيّر لونها وإذا بطنها لا صق بظهرها انكب عليها يقبل بين عينيها ونادته باكية: واغوثاه بالله، ثمّ بك يا رسول الله من الجوع، قال: فرفع رأسه إلى السّماء وهو يقول: اللّهمّ أشبع آل محمّد، فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد إقرأ، [قال: ما أقرأ؟ ]قال: إقرء "إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً "إلى آخر ثلاث آيات".

ثمّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) مضى من فورة ذلك حتّى أتى أبا جبلة الأنصاري(رضي الله عنه)، فقال له: يا أبا جبلة هل عندك من قرض دينار قال نعم يا أبا الحسن، أشهد الله وملائكته أن شطر مالي لك حلال من الله ومن رسوله. قال: لا حاجة لي في شيء من ذلك إن يك قرضاً قبلته، قال: فدفع إليه ديناراً، ومرّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يتخرّق ازقّة المدينة(1) ليبتاع بالدينار طعاماً فإذا هو بمقداد بن الأسود الكندي قاعد على الطريق فدنى منه وسلّم عليه، فقال: يا مقداد مالي أراك في هذا الموضع كئيباً حزيناً، فقال: أقول كما قال العبد الصالح موسى بن عمران عليه الصلاة والسّلام "ربّ إنّي لما أنزلت إلي من خير فقير" قال: ومنذ كم يا مقداد؟ قال: منذ أربع، فرجّع(2) أمير المؤمنين (عليه السلام) مليّاً، ثمّ قال: الله أكبر، الله أكبر، آل محمّد منذ ثلاث وأنت يا مقداد منذ أربع؟ أنت أحقّ بالدينار منّي، قال: فدفع إليه الدينار ومضى حتّى

____________

1 ـ الازقة جمع زقاق وهو: الطريق الضيق.

2 ـ أي قال: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون".