الصفحة 227
الطلاق، بل يحكم ظاهراً ببقاء علقة النكاح، ولو علم بأصل الطلاق وشكّ في عدده بنى على الأقلّ، سواء أكان الطرف الأكثر الثلاث أم التسع ـ أي: شكّ بين التسع وما دونها أو الثلاث وما أقلّ منها ـ أم غيرهما..

فلا يحكم مع الشكّ بالحرمة غير المؤبّدة في الأوّل ـ أي: حالة الشكّ بين الثلاث وما دونها ـ ولا بالحرمة الأبديّة في الثاني ـ أي: حالة الشكّ بين التسع ودونها ـ ولو شكّ بين الثلاث والتسع فالأظهر: البناء على الأوّل; فتحلّ له بالمحلِّل.

10 ـ إذا ادّعت الزوجة أنّ زوجها طلّقها وأنكر هو، كان القول قوله بيمينه، وإن انعكس الأمر بأن ادّعى الزوج أنّه طلّقها وأنكرت، فالأظهر: أنّ القول قولها بيمينها، ولو كان نزاعهما في زمان وقوع الطلاق بعد ثبوته، أو اتّفاقهما عليه بأن ادّعى أنّه طلّقها قبل سنة ـ مثلا ـ حتّى لا تستحقّ عليه النفقة وغيرها من حقوق الزوجيّة في تلك المدّة، وادّعت هي تأخّره، فالظاهر: أنّه لا إشكال في تقديم قولها بيمينها.

ثمّ إنّ تقديم قول الزوج أو الزوجة مع اليمين في هذه الموارد منوط بعد كونه مخالفاً للظاهر، وإلاّ قدّم قول خصمه بيمينه إذا لم يكن كذلك، كما مرّ في نظائرها.

في أحكام الرجعة

تتحقّق الرجعة بأحد أمرين:

الأوّل: أن يتكلّم بكلام دالّ على إنشاء الرجوع; كقوله: (راجعتُكِ)، أو: (رجعتُكِ)، أو: (ارتجَعتُكِ إلى نكاحي) ونحو ذلك، ولا يعتبر فيه العربـية، بل تقع بكلّ لغة إذا كان بلفظ يفيد المعنى المقصـود في تلك

الصفحة 228
اللغة.

الثاني: أن يأتي بفعل يقصد به الرجوع إليها; فلا تتحقّق بالفعل الخالي عن قصد الرجوع حتّى مثل النظر بشهوة على الأظهر.. نعم، في تحقّقه باللمس والتقبيل بشهوة من دون قصد الرجوع إشكال، وأمّا الوطء فالظاهر تحقّق الرجوع به مطلقاً وإن لم يقصد به ذلك، بل يحتمل قوياً تحـقّق الرجوع به وإن قصـد العدم.

نعم، لا عبرة بفعل الغافل والساهي والنائم ونحوهم ممّن لم يقصد الفعل، كما لا عبرة بالفعل المقصود به غير المطلّقة، كما لو واقعها باعتقاد أنّها غيرها.

1 ـ لا يعتبر الإشهاد ـ أي الإتيان بالشهود ـ في الرجعة، فتصحّ بدونه وإن كان الإشهاد أفضل; حذراً عن وقوع التخاصم والنزاع، وكذا لا يعتبر فيها اطّلاع الزوجة عليها ـ أي على الرجعة ـ فلو راجعها عند نفسه من دون اطلاع أحد صحت الرجعة.

2 ـ يصح التوكيل في الرجعة، فإذا قال الوكيل: (أرجعتُكِ إلى نكاح موكّلي) أو: (رَجَعتُ بك) قاصداً ذلك، صـحّ.

3 ـ لو أنكر الزوج أصل الطلاق وهي في العدّة كان ذلك رجوعاً وإن علم كذبه.

4 ـ يثبت الرجوع بمجرّد ادّعاء الزوج وإخباره به إذا كان في أثناء العدّة، ولو ادّعاه بعد انقضائها ولم تصدّقة الزوجة لم تقبل دعواه إلاّ بالبيّنة، غاية الأمر أنّ له استحلافها ـ أي: يطلب منها أن تحلف ـ على نفي الرجوع في العدّة لو أنكرته، ولو قالت: لا أدري، فله أن يستحلفها على نفي العلم، أي: يطالبها بأن تحلف على أنّها لا تعلم بالرجعة.


الصفحة 229
5 ـ تثبت دعوى الرجوع بعد انقضاء العدّة بشهادة رجلين عادلين، والأقرب ثبوتها بشهادة رجل عادل وامرأتين عادلتين، ولا تثبت بشهادة رجل عادل ويمين الزوج، على الأظهر.

6 ـ إذا رجع الزوج فادّعت الزوجة انقضاء عدّتها وأنكر، كان القول قولها بيمينها ما لم تكن متّهمة ـ أي: ما لم يشكّ بصدقها في دعواها، كما إذا ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث مرّات فانقضت عدّتها ـ فإنّه لا يقبل قولها حينئذ إلاّ بالبيّنة.

7 ـ إذا اتفقا على الرجوع وانقضاء العدّة واختلفا في المتقدّم منهما، فادّعى الزوج أنّ المتقدّم هو الرجوع، وادّعت هي أنّ المتقدّم انقضاء العدّة، فالأقرب أنّ القول قول الزوجة بيمينها ما لم تكن متّهمة، سواء أكان تاريخ انقضاء العدّة معلوماً وتاريخ الرجوع مجهولا، أم كان الأمر بالعكس، أم كانا مجهولي التاريخ.

8 ـ إذا طلّق وراجع فأنكرت الدخول بها قبل الطلاق; لئلاّ تكون عليها عدّة ولا تكون له الرجعة، وادّعى هو الدخول، كان القول قولها مع يمينها إلاّ إذا كان مخالفاً للظاهر، كما إذا عاشا معاشرة من دون وجود مانع شرعي أو غيره لأيّ منهما عن الدخول.

9 ـ الظاهر: أنّ جواز الرجوع في الطلاق الرجعي حكم شرعي غير قابل للإسقاط، وليس حقّاً قابلا للإسقاط كالخيار في البيع الخياري; فلو قال الزوج: (أسقطت ما كان لي من حقّ الرجوع) لم يسقط وكان له الرجوع بعد ذلك، وكذلك إذا صالح عنه بعوض أو غير عوض.


الصفحة 230

العـدد


عدّة الطلاق

1 ـ الصغيرة التي لم تكمل تسع سنوات، فإنّه لا عدّة عليها وإن دخل بها زوجها اشتباهاً أو على وجه محرّم.

2 ـ اليائسة، لا تجب عليها العدّة وإن كانت مدخولا بها، ويتحقّق اليأس بعد انقطاع دم الحيض وعدم رجاء عوده لكبر سنّ المرأة ببلوغها خمسين سنة قمريّة، سواء في ذلك القرشيّة(1) وغيرها، على الأظهر.

3 ـ إذا طُلّقت ذات الإقراء ـ أي التي تكون عدّتها بالقروء ـ قبل بلوغ سنّ اليأس ورأت الدم مرّة أو مرّتين ثمّ يئست، أكملت العدّة بشهر أو شهرين، وكذلك ذات الشهور إذا اعتدّت شهراً أو شهرين ثمّ يئست أتمّت ثلاثة.

4 ـ إذا ادّعت المرأة أنّها بلغت سنّ اليأس لم يقبل قولها إلاّ بالبيّنة، على الأظهر.

5 ـ المطلّقة التي تجب عليها العدّة على أقسام:

القسم الأوّل:

المطلّقة غير الحامل التي يكون الطهر الفاصل بين حيضتين منها أقلّ من ثلاثة أشهر، وعدّتها: ثلاثة قروء، سواء أكانت مستقيمة الحيض، بأن

____________

1- القرشـية: هي التي تنتسب إلى قريش من طرف الأب، والتي تسمّى في عرفنا بــ: العلوية.


الصفحة 231
كانت تحيض في كلّ شهر مرّة، كما هو المتعارف في أغلب النساء، أم كانت تحيض في كلّ شهر أزيد من مرّة، أو كانت تحيض في كلّ شهرين مرّة، وسواء أكانت معتادة بأقسامها ـ أي: سواء كانت وقتية، أم عدديّة، أم وقتية وعدديّة، مضطربة ـ أم لا.

6 ـ المراد بالقروء: الأطهار; ويكفي في الطهر الأوّل مسمّاه ولو كان قليلا، فلو طلّقها فحاضت بحيث لم يتخلّل زمان طهر بين إجراء صيغة الطلاق والحيض، لم يحسب ذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق من الأطهار الثلاثة، واحتاجت في انتهاء عدّتها إلى أطهار ثلاثة أُخرى، فتنتهي عدّتها برؤية الحيضة الرابعة..

ولو تخلّل زمان طهر بين الطلاق والحيض ولو كان لحظة احتسب ذلك الطهر اليسير من الأطهار الثلاثة وانتهت عدّتها برؤية الحيضة الثالثة.

والظاهر: أنّه لا فرق بين الحيض الطبيعي وما كان بعلاج، وكذا الحال في الطهر.

7 ـ بناءً على ما تقدّم من كفاية مسمّى الطهر في الطهر الأوّل ولو لحظة، وإمكان أن تحيض المرأة في شهر واحد أزيد من مرّة، فأقلّ زمان يتمكّن أن تنقضي به العدّة: سـتّة وعشرون يوماً ولحظتان; بأن كان طهرها الأوّل لحظة ثمّ تحيض ثلاثة أيام، ثمّ ترى أقلّ الطهر عشرة أيام، ثمّ تحيض ثلاثة أيام، ثمّ ترى أقلّ الطهر عشرة أيام، ثمّ تحيض، فبمجرّد رؤية الدم الأخير لحظة من أوّله تنقضي العدّة.

وهذه اللحظة الأخيرة خارجة عن العدّة، وإنّما يتوقّف عليها تماميّة الطهر الثالث.


الصفحة 232

القسم الثاني:

المطلّقة غير الحامل التي يكون الطهر الفاصل بين حيضتين منها ثلاثة أشهر أو أزيد، وعدّتها: ثلاثة أشهر.

القسم الثالث:

المطلّقة غير الحامل التي تكون مسترابة، وهي مَن لا تحيض مع كونها في سنّ من تحيض; إمّا لكونها صغيرة السنّ لم تبلغ الحدّ الذي ترى الحيض فيه غالب النساء، وإمّا لانقطاع حيضتها لمرض أو رضاع أو استعمال دواء ونحو ذلك، وعدّتها: ثلاثة أشهر أيضاً.

8 ـ المدار في الشهور على الشهر الهلالي ـ أي الهجري القمري ـ فإذا طلّقها في أوّل الشهر اعتدّت إلى ثلاثة أشهر هلاليّة، وإذا طلّقها في أثناء الشهر اعتدّت بقيّة شهرها وشهرين هلاليّين آخرين، ومقداراً من الشهر الرابع تكمل به نقص الشهر الأوّل ثلاثين يوماً، على الأحوط وجوباً..

فمن طلّقت في غروب يوم العشرين من شهر رجب مثلا، وكان الشهر تسعة وعشرين يوماً، وجب عليها أن تكمل نقص شهر رجب بالاعتداد إلى غروب اليوم الحادي والعشرين من شوال ليكتمل بضمّ ما اعتدّت به من شوّال إلى أيّام العدّة من رجب ثلاثين يوماً.

9 ـ قد عُلم ممّا تقدم أنّ المرأة إذا كانت تحيض بعد كلّ ثلاثة أشهر مرّة، فطلّقها زوجها في أوّل الطهر ومرّت عليها ثلاثة أشهر بيض، فقد خرجت من العدّة، وكانت عدّتها: الشهور، لا الأطهار، وأنّه إذا كانت تحيض في كلّ ثلاثة أشهر مرّة بحيث لا تمرّ عليها ثلاثة أشهر بيض لا حيض فيها، فهذه عدّتها: الأطهار، لا الشهور.


الصفحة 233
وأمّا إذا اختلف حالها; فكانت تحيض في الحَرّ مثلا في أقلّ من ثلاثة أشهر مرّة وفي البرد تحيض بعد كلّ ثلاثة أشهر مرّة، اعتدّت بالسابق من الشهور والأطهار; فإن سبق لها ثلاثة أشهر بيض كانت عدّتها ـ أي: كانت عدّتها بالشهور ـ وإن سبق لها ثلاثة أطهار كانت عدّتها أيضاً ـ أي: كانت عدّتها بالأطهار ـ.

نعم، إذا كانت مستقيمة الحيض، فطلَّقها زوجها ورأت الدم مرّة، ثمّ ارتفع على خلاف عادتها وجهل سببه وأنّه حَمْل أو سبب آخر، فالمشهور أنّها تنتظر تسعة أشهر من يوم طلاقها; فإن لم تضع اعتدّت بعد ذلك بثلاثة أشهر وخرجت بذلك عن العدّة، ولكنّ هذا لا يخلو عن إشكال وإن كان هو الأحوط(1).

القسم الرابع:

المطلّقة الحامل; وعدّتها: مدّة حملها وإن كان حملها بإراقة ماء زوجها في فرجها من دون دخول، وتنقضي عدّتها بأن تضع حملها ولو بعد الطلاق بساعة.

10 ـ الحمل الذي يكون وضعه منتهى عدّة الحامل، شامل لما كان سقطاً تامّاً وغير تامّ، حتّى لو كان مضغة أو علقة.

11 ـ إذا كانت المطلّقة حاملا باثنين أو أزيد لم تخرج من العدّة بوضع أحدهما، بل لا بُدّ من وضع الجميع.

12 ـ لا بُدّ من العلم بوضع الحمل أو الاطمئنان به، فلا يكفي الظنّ ـ وهو: ما كان بدرجة 80% به فضلا عن الشكّ.. نعم، يكفي قيام الحجّة

____________

1- الاحتياط هنا: وجوبي.


الصفحة 234
ـ أي الدليل ـ على ذلك، كالبيّنة ـ أي: شهادة عدلين ـ وإن لم تفد الظنّ.

13 ـ إنّما تنقضي العدّة بالوضـع إذا كان الحمل ملحقاً بمن له العدّة; فلا عبرة بوضع من لم يلحق به في انقضاء عدّته، فلو كانت حاملا من الزنا قبل الطلاق ـ أي: الطلاق الذي انفصلت به عن زوجها الشرعي لا الزاني بها ـ أو بعده، لم تخرج من العدّة بالوضع، بل يكون انقضاؤها بالإقراء والشهور كغير الحامل، فوضع هذا الحمل لا أثر له أصلا لا بالنسبة إلى الزاني; لأنّه لا عـدّة له ـ كما سيأتي ـ ولا بالنسبة إلى المطلِّق; لأنّ الولد ليس له.

نعم، إذا حملت من وطء الشبهة قبل الطلاق أو بعده بحيث يلحق الولد بالواطئ لا بالزوج، فوضعه موجب لانقضاء العدّة بالنسبة إلى الواطئ، لا بالنسبة إلى الزوج المطلِّق.

14 ـ لو وُطئت شبهةً ـ أي وطأها غير الزوج اشتباهاً ـ فحملت وأُلحق الولد بالواطئ ـ لبُعد الزوج عنها، أو لغير ذلك ـ ثمّ طلّقها الزوج، أو طلّقها ثمّ وطئت شبهة على نحو أُلحق الولد بالواطئ، فعليها الاعتداد منهما جميعاً، فتعتدّ أوّلا لوطء الشبهة وتنقضي بالوضع ـ أي: وضع الحمل ـ وتعتدّ بعده للطلاق ويكون مبدأُها بعد انقضاء نفاسها.

15 ـ إذا ادّعت المطلَّقة الحامل أنّها وضعت فانقضت عدّتها وأنكر الزوج، أو انعكس فادّعى الوضع وأنكرت هي، أو ادّعت الحمل وأنكر، أو ادّعت الحمل والوضع معاً وأنكرهما، يقدّم قولها بيمينها في جميع ذلك من حيث بقاء العدّة وانقضائها، لا من حيث سائر آثار الحمل، ويشترط في تقديم قولها أن لا تكون متّهمة في دعواها، وإلاّ لم تقبل إلاّ بالبيّنة.


الصفحة 235
16 ـ إذا اتفق الزوجان على إيقاع الطلاق ووضع الحمل، واختلفا في المتقدّم والمتأخّر منهما، فقال الزوج مثلا: (وضعتِ بعد الطلاق فانقضت عدّتك)، وقالت الزوجة: (وضعتُ قبل الطلاق فأنا بعدُ في العدّة)، أو انعكس فقال الزوج: (وضعتِ قبل الطلاق فأنت بعدُ في العدّة) وأراد الرجوع إليها، وادّعت الزوجة خلافه، فالظاهر: أنّه يقدّم قولها بيمينها في بقاء العدّة وانقضائها ما لم تكن متّهمة، بلا فرق في ذلك بين ما لم يتفقا على زمان أحدهما وما اتفقا عليه.

17 ـ مبدأ عدّة الطلاق من حين وقوعه، حاضراً كان الزوج أو غائباً، بلغ الزوجة الخبر أم لا، فلو طلّقها غائباً ولم يبلغها إلاّ بعد مضيّ مدّة بمقدار العدّة، فقد انقضت عدّتها وليس عليها عدّة بعد بلوغ الخبر إليها.

18 ـ لو علمت بالطلاق ولم تعلم وقت وقوعه حتّى تحسب العدّة من ذلك الوقت، اعتدّت من الوقت الذي تعلم بعدم تأخّره عنه، والأحوط: أن تعتّد من حين بلوغ الخبر إليها، بل هذا الاحتياط لا يترك(1).

19 ـ تقدّم آنفاً: أنّ المطلّقة غير المدخول بها لا تثبت عليها العدّة، فإذا طلّق الرجل زوجته رجعيّاً بعد الدخول ثمّ رجع، ثمّ طلّقها قبل الدخول، فربّما يقال: إنّه لا عدّة عليها; لأنّه طلاق قبل الدخول، ولكنّه غير صحيح بل يجب عليها العدّة من حين الطلاق الثاني، ولا فرق في ذلك بين كون الطلاق الثاني رجعيّاً أو بائناً.

ولو طلّقها بائناً بعد الدخول، ثمّ جدّد نكاحها في أثناء العدّة، ثمّ

____________

1- الاحتياط هنا: وجوبي.


الصفحة 236
طلّقها قبل الدخول، ففي جريان حكم الطلاق قبل الدخول عليه ـ في عدم ثبوت العدّة; لأنّ الطلاق قبل الدخول لا عدّة فيه ـ وعدمه وجهان، أقواهما الثاني ـ أي: لا تجب العدّة ـ ولكنّه لا يجب عليها استئناف(1) العدّة، بل اللازم: إكمال عدّتها من الطلاق الأوّل.

20 ـ لو اختلفا في انقضاء العدّة وعدمه قُدّم قولها بيمينها، سواء ادّعت الانقضاء أو عدمه ـ أي: انقضاء العدّة وعدم انقضائها ـ وسواء أكانت عدّتها بالإقراء أو بالشهور.. نعم، إذا كانت متّهمة(2) ـ كما لو ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث مرّات فانقضت عدّتها ـ لم يقبل قولها إلاّ بالبيّنة.

عدّة الفسخ والانفساخ

1 ـ إذا فسخ الزوج أو الزوجة عقد النكاح لعيب أو نحوه، أو انفسخ العقد بينهما، لارتداد أو رضاع أو غيرهما، فإن كان ذلك قبل الدخول وما بحكمه(3) ـ أي: دخول ماء الزوج في فرجها ـ أو كانت صغيرة أو يائسة، لم تثبت عليها العـدّة، وإلاّ اعتدّت نظير عدّة المطلّقة..

فإن كانت حاملا فعدّتها: فترة حملها، وإن كانت غير حامل فعدّتها: بالإقراء أو الشهور، على ما تقدّم.

وتستثنى من ذلك حالة واحدة، وهي: ما إذا حصل الانفساخ بارتداد

____________

1- أي: لا يجب عليها إعادة العدّة مرة أُخرى من بدء.

2- أي: يُشك في صدق ادّعائها.

3- المقصود من قوله: (بحكمه) أي: بحكم ما قبل الدخول، كما إذا كانت صغيرة أو يائسة.


الصفحة 237
الزوج عن فطرة(1); فإنّه يجب على زوجته أن تعتدّ عدّة الوفاة ـ الآتي بيانها ـ وإن كانت غير مدخول بها أو يائسة أو صغيرة، على الأحوط لزوماً.

2 ـ مبدأ عدّة الفسخ والانفساخ من حين حصولهما، فلو فسخ الزوج لعيب مثلا، ولم يبلغ ذلك الزوجة إلاّ بعد مدّة كانت عدّتها من حين حصول الفسخ لا من حين بلوغ الخبر إليها.

عدّة الوطء بالشبهة

1 ـ إذا وطئ الرجل امرأة شبهة باعتقاد أنّها زوجته وجبت عليها العدّة، سواء علمت بكون الرجل أجنبيّاً أم لم تعلم بذلك، وسواء أكانت ذات بعل أم كانت خليّة، أي: ليست بذات بعل.

2 ـ إذا زنى بامرأة مع العلم بكونها أجنبيّة لم تجب عليها العدّة، سواء حملت من الزنا أم لا; فلو كانت ذات بعل جاز لبعلها أن يقاربها من غير تربّص(2)، وإن كانت خليّة جاز التزوّج بها كذلك..

وإن كان الأحـوط الأوْلى ـ أي: الأفضـل ـ استبراء رحمها من ماء الفجور بحيضة قبل التزوّج بها ـ أي: يترك مقاربتها إلى أن تحيض وتطهر حتّى تطمئن من عدم كونها حاملا من الزنا ـ سواء ذلك بالنسبة إلى الزاني وغيره ـ أي: سواء أراد الزاني أن يتزوّجها أو غير الزاني ـ هذا إذا كانت المرأة عالمة بالحال ـ أي: إذا علمت بأنّ الذي زنى بها أجنبيّ وليس زوجها ـ وأمّا إذا اعتقدت أنّ الزاني زوجها فطاوعته في الوطء; فالأحوط

____________

1- الارتداد عن فطرة: هو خروج المسلم ـ الذي كان أحد أبويه أو كلاهما مسلماً ـ عن الإسلام.

2- التربّص هو: الانتظار.


الصفحة 238
وجوباً: ثبوت العدّة عليها بذلك.

3 ـ عدّة وطء الشبهة كعدّة الطلاق، بالأقراء والشهور وبوضع الحمل لو حملت من هذا الوطء، ومن لم يكن عليها عدّة طلاق، كـ: الصغيرة واليائسة، ليس عليها هذه العدّة أيضاً.

4 ـ إذا كانت الموطوءة شبهة ذات بعل لا يجوز لزوجها وطؤها في مدّة عدّتها، وهل يجوز له سائر الاستمتاعات منها أم لا؟

قولان، أقواهما: الأوّل ـ أي: يجوز الاستمتاع بها ـ وإن كان الاحتياط في محلّه. والظاهر: أنّه لا تسقط نفقتها في أيّام العدّة.

5 ـ إذا كانت الموطوءة شبهة خلية ـ أي: ليست بذات بعل ـ يجوز لواطئها أن يتزوّج بها في زمن عدّتها، بخلاف غيره ـ أي: غير الواطئ ـ فإنّه لا يجوز له ذلك، على الأقوى.

6 ـ لا فرق في حكم وطء الشبهة من حيث العدّة ونحوها بين أن يكون مجرّداً عن العقد أو معه، بأن وطئ المعقود عليها بتوهّم صحّة العقد مع فساده واقعاً ـ أي: لو كان قد اعتقد صحة العقد ولكنّه كان باطلا في الواقع ـ فلا يسقط وجوب العدّة على المرأة التي وُطئت اشتباهاً على هذا النحـو.

7 ـ إذا كانت الموطوءة شبهة معتدّة بعدّة الطلاق أو الوفاة فوُطئت شبهة، أو وُطئت شبهة ثمّ طلّقها زوجها أو مات عنها، فعليها عدّتان ـ على الأحوط وجوباً ـ فإن كانت حاملا من أحدهما تقدّم عدّة الحمل، فبعد وضعه تستأنف العدّة الأُخرى أو تستكمل الأُولى ـ أي: تتمّم ما بقي من العدّة ـ وإن لم تكن حاملا تقدّم الأسبق منهما، وبعد تمامها تستقبل عدّة أُخرى من الآخر.


الصفحة 239
وهكذا الحكم فيما إذا وطئ المرأة رجل شبهة ثمّ وطئها آخر كذلك، فإنّ عليها عدّتان منهما من غير تداخل، على الأحوط وجوباً ـ أي: لكلّ سبب عدّة على حدة ـ.

نعم، لا إشكال في التداخل إذا وطئها رجل شبهة مرّة بعد أُخرى.

8 ـ إذا طلّق زوجته بائناً ثمّ وطئها شبهةً، فهل تتداخل العدّتان، تستأنف عدّة للوطء وتشترك معها عدّة الطلاق، أو لا تتداخل؟

قولان، أقواهما: الأوّل، من دون فرق بين كون العدّتين من جنس واحد أو من جنسين، بأن يطلّقها حاملا ثمّ يطأها شبهة، أو يطلّقها حائلا ثمّ يطأها شبهة فتحمل منه.

9 ـ مبدأ عدّة وطء الشبهة المجرّدة عن التزويج: حين الفراغ من الوطء، وأمّا إذا كان مع التزويج الفاسد فهل هو كذلك، أو من حين تبيّن الحال؟

وجهان، والأحوط لزوماً: الثاني.

عدّة المتمتّع بها

1 ـ عدّة المتمتع بها في الحامل مدّة حملها، وفي الحائل ـ أي: غير الحامل ـ المدخول بها ـ غير الصغيرة واليائسة ـ حيضتان كاملتان، ولا تكفي فيها حيضة واحدة، على الأحوط وجوباً.

هذا إذا كانت ممّن تحيض، وإن كانت لا تحيض وهي في سنّ من تحيض فعدّتها خمسة وأربعون يوماً.

2 ـ مبدأ عدّة المتمتع بها: من حين انقضاء المدّة أو هبتها ـ أي: يبرأها الزوج ويهبها المدّة ـ فإذا انقضت مدّتها وهي لا تدري، أو وهبها لها

الصفحة 240
ولم يبلغها الخبر إلاّ بعد مدّة حاضت خلالها مرّتين مثلا، فقد انقضت عدّتها وليس عليها عدّة بعد بلوغ الخبر إليها.

3 ـ إذا مات زوج المتمتع بها في أثناء مدّتها وجبت عليها عدّة الوفاة، كما في الدائمة، وأمّا لو مات بعد انقضاء المدّة أو هبتها وقبل تمام عدّتها لم تنقلب عدّتها إلى عدّة الوفاة; لأنّها بائنة وقد انقطعت عصمتها، وأمّا إذا مات مقارناً للانقضاء ـ أي: كان وقت موته مقارناً لانقضاء العدّة ـ فيحتمل وجوب عدّة الوفاة عليها، ولكنّ الأظهر: عدم ثبوتها أيضاً.

4 ـ إذا عقد على امرأة بالعقد المنقطع، ثمّ وهبها المدّة بعد الدخول، ثمّ تزوّجها دواماً أو انقطاعاً، ثمّ طلّقها أو وهبها المدّة قبل الدخول، ففي جريان حكم الطلاق، أو هبة المدّة قبل الدخول في عدم ثبوت العدّة عليها، وعدمه ـ أي: وعدم جريان حكم الطلاق ـ وجهان، أقواهما: الثاني، ولكنّه لا يجب عليها استئناف العدّة، بل اللازم إكمال عدّتها الأُولى.

عدّة الوفاة

1 ـ إذا توفّي الزوج وجب الاعتداد على زوجته، صغيرة كانت أم كبيرة، يائسة كانت أم غيرها، مسلمة كانت أم كتابيّة، مدخولا بها أم غيرها، دائمة كانت أم متمتعاً بها، ولا فرق في الزوج بين الكبير والصغير والعاقل وغيره.

ويختلف مقدار العدّة تبعاً لوجود الحمل وعدمه، فإذا لم تكن الزوجة حاملا اعتدّت أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن كانت حاملا كانت عدّتها أبعد الأجلين أكثرهما مدّة من هذه المدّة، أي: الأربعة أشهر وعشرة أيام، ووضع الحمل، فتستمر الحامل في عدّتها إلى أن تضع، ثمّ ترى; فإن كان قد مضى

الصفحة 241
على وفاة زوجها حين الوضع أربعة أشهر وعشرة أيام فقد انتهت عدّتها، وإلاّ استمرت في عدّتها إلى أن تكمل هذه المدّة.

2 ـ المراد بالأشهر هي: الهلاليّة ـ أي: الهجريّة القمريّة ـ فإن توفّي الزوج أوّل رؤية الهلال اعتدّت زوجته بأربعة أشهر هلاليّات، وضمّت إليها من الشهر الخامس عشرة أيام..

وإن مات في أثناء الشهر فعليها أن تجعل ثلاثة أشهر هلاليّات في الوسط، وتكمل نقص الشهر الأوّل من الشهر الخامس ثلاثين يوماً، على الأحوط وجوباً، وتضيف إليها عشرة أيام أُخرى.

والأحوط الأوْلى: أن تحتسب الشهور عدديّة; بأن تعدّ كلّ شهر ثلاثين يوماً، فتكون المدّة: مائة وثلاثين يوماً.

3 ـ إذا طلّق زوجته ثمّ مات قبل انقضاء العدّة: فإن كان الطلاق رجعيّاً بطلت عدّة الطلاق، واعتدّت عدّة الوفاة من حين بلوغها الخبر، فإن كانت حائلا اعتدّت أربعة أشهر وعشراً، وإن كانت حاملا اعتدّت بأبعد الأجلين منها ومن وضع الحمل، كغير المطلّقة.

وإن كان الطلاق بائناً اقتصرت على إتمام عدّة الطلاق، ولا عدّة عليها بسبب الوفاة.

4 ـ كما يجب على الزوجة أن تعتّد عند وفاة زوجها، كذلك يجب عليها الحداد ما دامت في العدّة، والمقصود به: ترك ما يعدّ زينة لها، سواء في البدن أم في اللباس، فتترك الكحل والطيب والخضاب والحمرة والخطاط، ونحوها، كما تجتنب لبس المصوغات الذهبيّة والفضيّة وغيرها من أنواع الحُلي، وكذا اللباس الأحمر والأصفر ونحوهما من الألوان التي تعدّ زينة عند العرف.


الصفحة 242
وربّما يكون اللباس الأسود كذلك; إمّا لكيفيّة تفصيله أو لبعض الخصوصيّات المشتمل عليها، مثل: كونه مُخطّطاً، أي: مُقلّماً.

وبالجملة، عليها أن تترك في فترة العدّة كلّ ما يعدّ زينة للمرأة بحسب العرف الاجتماعي الذي تعيشه، ومن المعلوم اختلافه بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والتقاليد.

وأمّا ما لا يعدّ زينة لها، مثل: تنظيف البدن واللباس وتقليم الأظفار والاستحمام وتمشيط الشعر، والافتراش بالفراش الفاخر، والسكنى في المساكن المزيّنة وتزيين أولادها، فلا بأس به.

5 ـ لا فرق في وجوب الحداد بين المسلمة والكتابيّة، كما لا فرق بين الدائمة والمتمتع بها، وهل يجب على الصغيرة والمجنونة أم لا؟

قولان، أشهرهما: الوجوب; بمعنى وجوبه على وليّهما فيجنّبهما التزيين ما دامتا في العدّة، وفيه إشكال، بل لا يبعد عدم وجوبه عليها(1).

6 ـ لا فرق في الزوج المتوفّى بين الكبير والصغير، ولا بين العاقل والمجنون، فيجب الحداد على زوجة الصغير والمجنون عند وفاتهما، كما يجب على زوجة الكبير والعاقل عندها.

7 ـ الظاهر أنّ الحداد ليس شرطاً في صحة العدّة، بل هو تكليف استقلالي في زمانها، فلو تركته عصياناً أو جهلا أو نسياناً في تمام المدّة أو في بعضها لم يجب عليها استئنافها، أو تدارك مقدار ما اعتدّت بدونه، فيجوز لها التزوّج بعد انقضاء العدّة على كلّ تقدير.

8 ـ لا يجب على المعتدّة عدّة الوفاة أن تبقى في البيت الذي كانت

____________

1- أي: لا يجب الحداد على الصغيرة والمجنونة.


الصفحة 243
تسكنه عند وفاة زوجها، فيجوز لها تغيير مسكنها والانتقال إلى مسكن آخر للاعتداد فيه.

كما لا يحرم عليها الخروج من بيتها الذي تعتدّ فيه، إذا كان لضرورة تقتضيه، أو لأداء حقّ أو فعل طاعة، أو قضاء حاجة.. نعم، يكره لها الخروج لغير ما ذكر، كما يكره لها المبيت خارج بيتها، على الأقرب.

9 ـ مبدأ عدّة الوفاة فيما إذا كان الزوج حاضراً من حين وقوعها، وأمّا إذا كان غائباً فمن حين بلوغ الخبر الى زوجته، بل لا يبعد ذلك في الحاضر أيضاً إذا لم يبلغها خبر وفاته، إلاّ بعد مدّة لمرض أو حبس أو غير ذلك فتعتدّ من حين إخبارها بموته، وفي عموم الحكم للصغيرة والمجنونة إشكال، فلا تترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه، أي يشمل هذا الحكم الصغيرة والمجنونة على الأحوط وجوباً.

10 ـ هل يعتبر في الإخبار الموجب للاعتداد من حينه أن يكون حجّة شرعاً، كأن يكون بيّنة عادلة أو موجباً للعلم أو الاطمينان؟

وجهان، أظهرهما ذلك ـ أي: يعتبر في الإخبار أن يكون عن طريق بيّنة أو يكون موجباً للعلم والاطمئنان ـ فلو أخبرها شخص بوفاة زوجها الغائب ولم تثق بصحة خبره لم يجب عليها الاعتداد من حينه، ولو اعتدّت ثمّ ظهر صحّة الخبر لم تكتفِ بالاعتداد السابق، بل عليها أن تعتدّ من حين ثبوت وفاته عندها.

في أحكام المفقود زوجها

المفقود: المنقطع خبره عن أهله على قسمين:

القسم الأوّل: من تعلم زوجته بحياته ولكنّها لا تعلم في أيّ بلد هو.


الصفحة 244
وحكمها حينئذ: لزوم الصبر والانتظار إلى أن يرجع إليها زوجها، أو يأتيها خبر موته أو طلاقه أو ارتداده; فليس لها المطالبة بالطلاق قبل ذلك وإن طالت المدّة، بل وإن لم يكن له مال ينفق منه عليها ولم ينفق عليها وليّه من مال نفسه.

نعم، إذا ثبت لدى الحاكم الشرعي أنّه قد هجرها تاركاً أداء ما لها من الحقوق الزوجيّة، وقد تعمّد إخفاء موضعه لكي لا يتسنّى للحاكم الشرعي ـ فيما إذا رفعت الزوجة أمرها إليه ـ أن يتّصل به ويلزمه بأحد الأمرين: إمّا أداء حقوقها، أو طلاقها. ويطلّقها ـ أي: الحاكم الشرعي ـ لو تعذّر إلزامه بأحدهما، ففي هذه الحالة يجوز للحاكم الشرعي أن يطلّقها فيما إذا طلبت منه ذلك.

القسم الثاني: من لا تعلم زوجته حياته ولا موته; وفيه حالتان:

  الحالة الأُولى: أن يكون للزوج مال ينفق منه على زوجته، أو يقوم وليّه بالإنفاق عليها من مال نفسه، وفي هذه الحالة يجب على الزوجة: الصبر والانتظار، كما في القسم الأوّل المتقدّم، وليس لها المطالبة بالطلاق ما دام ينفق عليها من مال زوجها أو من مال وليّه وإن طالت المدّة.

  الحالة الثانية: أن لا يكون للزوج مال ينفق منه على زوجته، ولا ينفق عليها وليّه من مال نفسه، وحينئذ: يجوز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي أو المأذون من قبله في ذلك، فيؤجّلها أربع سنين ويأمر بالفحص عنه خلال هذه المدّة، فإن انقضت السنين الأربع ولم تتبيّن حياته ولا موته أمر الحاكم وليّه بطلاقها، فإن لم يقدم على الطلاق أجبره على ذلك، فإن لم يمكن إجباره، أو لم يكن له وليّ طلّقها الحاكم بنفسه أو بوكيله، فتعتدّ أربعة أشهر وعشرة أيام، فإذا خرجت من العدّة صارت أجنبيّة عن زوجها، وجاز لها أن تتزوّج ممّن تشاء.


الصفحة 245
والظاهر: اختصاص هذا الحكم بالنكاح الدائم، فلا يجري في المتعة.

1 ـ ظاهر كلمات جمع من الفقهاء ـ قدّس الله أسرارهم ـ أنّه كما لا يحقّ لزوجة المفقود غير المعلوم حياته أن تطالب بالطلاق إلاّ مع عدم توفّر مال للزوج ينفق منه عليها، وعدم إنفاق وليّه عليها من مال نفسه، كذلك لا يحقّ لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي مطالبة إيّاه بتأجيلها أربع سنوات، والفحص عن زوجها خلال ذلك إلاّ بعد انقطاع الإنفاق عليها من مال الزوج ومن مال وليّه..

ولكنّ الظاهر: أنّه يحقّ لها المطالبة بالتأجيل والفحص في حال الإنفاق عليها أيضاً، إذا احتمل نفاد مال الزوج وانقطاع وليّه عن الإنفاق عليها قبل تبيّن حياته أو وفاته.

وفائدة ذلك أنّه لو انقضت السنوات الأربع وقد فحص خلالها عن الزوج ولم تتبيّن حياته ولا مماته، جاز لزوجته المطالبة بالطلاق متى انقطع الإنفاق عليها من ماله ومن مال وليّه، من غير حاجة إلى الانتظار أربع سنوات أُخرى وتجديد الفحص خلالها عنه.

2 ـ إذا كان للمفقود الذي لا تعلم حياته زوجات أُخرى لم يرفعن أمرهنّ إلى الحاكم، ويجوز للحاكم طلاقهنّ إذا طلبن ذلك، فيجتزئ بمضيّ المدّة المذكورة والفحص عنه بعد طلب إحداهنّ.

3 ـ المشهور بين الفقهاء ـ رضوان الله عليهم ـ أنّه لا يحقّ لزوجة المفقود غير المعلوم حياته المطالبة بالطلاق وإن مضى على فقده أربع سنوات، مع تحقّق الفحص خلالها عنه، إذا لم يكن ذلك بتأجيل من الحاكم الشرعي وأمره بالفحص عنه خلال تلك المدّة، ولكن لا يبعد الاجتزاء بالفحص عنه أربع سنوات بعد فقده مع وقوع جزء من الفحص

الصفحة 246
بأمر الحاكم الشرعي وإن لم يكن بتأجيل منه، فلو رفعت الزوجة أمرها إلى الحاكم بعد أربع سنوات مثلا ـ من فقد زوجها ـ مع قيامها بالفحص عنه خلال تلك المدّة أمر الحاكم بتجديد الفحص عنه مقداراً ما ـ مع احتمال ترتّب الفائدة عليه ـ فإذا لم يبلغ عنه خبر أمر بطلاقها على ما تقدّم.

4 ـ تقدّم أنّه لا يحقّ لزوجة المفقود غير المعلوم حياته المطالبة بالطلاق ما دام للمفقود مال ينفق منه عليها، أو ينفق وليّه عليها من مال نفسه، وليس الحكم كذلك فيما إذا وجد متبرّع بنفقتها من شخص أو مؤسّسة حكوميّة أو أهليّة، فيجوز لها المطالبة بالطلاق بالشروط المتقدّمة إذا لم ينفق عليها من مال الزوج أو من مال وليّه، وإن وجد من ينفق عليها من غير هذين الطريقين.

5 ـ الولي الذي لا يحقّ لزوجة المفقود المطالبة بالطلاق منه ما دام ينفق عليها من مال نفسه، والذي يأمره الحاكم الشرعي ـ مع عدم إنفاقه عليها ـ بطلاقها، ويجبره على الطلاق لو امتنع منه، هو أبو المفقود وجدّه لأبيه، وإذا كان للمفقود وكيل مفوّض إليه طلاق زوجته كان بحكم الولي من جهة الطلاق.

6 ـ لا فرق في المفقود ـ في ما ذكر من الأحكام ـ بين المسافر والهارب، ومن كان في معركة قتال ففقد، ومن انكسرت سفينته في البحر فلم يظهر له أثر، ومن أخذه قطّاع الطرق أو الأعداء فذهبوا به، ومن اعتقلته السلطات الحكوميّة فانقطعت أخباره ولم يعلم مكان اعتقاله.

7 ـ ليس للفحص عن المفقود كيفيّة خاصة، وطريقة معيّنة، بل المدار على ما يعدّ طلباً وفحصاً وتفتيشاً، ويختلف ذلك باختلاف أنواع

الصفحة 247
المفقودين، فالمسافر المفقود يبعث من يعرفه باسمه وشخصه أو بحليته(1)إلى مظانّ وجوده للظفر به، أو يكتب إلى من يعرفه ليتفقّد عنه في ما يحتمل وجوده فيه من البلاد، أو يطلب من المسافرين إليها من الزوّار والحجّاج والتّجار وغيرهم أن يتفقّدوا عنه في مسيرهم ومنازلهم ومقامهم، ويستخبر منهم إذا رجعوا من أسفارهم.

وأمّا المفقود في جبهات القتال فتراجع بشأنه الدوائر المعنيّة بأحوال الجنود المشاركين في المعركة، أو يُسأل عنه رفاقه العائدون من الجبهات، والأسـرى العائدون من الأسـر.

وأمّا المعتقل المفقود فتسأل عنه دوائر الشرطة والجهات الأمنيّة ذات العلاقة، وهكذا.

8 ـ مقدار الفحص بحسب الزمان أربعة أعوام ـ كما تقدّم ـ ولا يعتبر فيه الاتّصال التام، بل يكفي فيه تصدّي الطلب عنه بحيث يصدق عرفاً أنّه قد فحص عنه في تلك المدّة.

9 ـ المقدار اللازم من الفحص هو المتعارف لأمثاله; فالمسافر المفقود في بلد مخصوص أو جهة مخصوصة إذا دلّت القرائن على عدم انتقاله منها كفى البحث عنه في ذلك البلد أو تلك الجهة، ولا يعتبر استقصاء البلد والجهات، ولا يعتنى باحتمال وصوله الى بلد احتمالا بعيداً.

10 ـ المسافر المفقود إذا علم أنّه كان في بلد معيّن في زمان ثمّ انقطع أثره، يتفحّص عنه أوّلا في ذلك البلد على النحو المتعارف، بأن يسأل عنه في جوامعه ومجامعه وفنادقه وأسواقه ومتنزّهاته ومستشفياته

____________

1- الحلية: أي العلامة التي تدلّ عليه، كـ: الرقم، أو الشيء الذي كان معه.