أحكام النشوز والشقاق
1 ـ النشوز بمعنى: الترفّع ومنع أداء الحقوق كراهةً. وتارةً يكون من الزوجة، وأُخرى من الزوج.
فأمّا نشوز الزوجة فيتحقّق بخروجها عن طاعة الزوج الواجبة عليها، وذلك بعدّة أُمور:
منها: عدم تمكينه من حقّه في الاستمتاع بها; ويدخل في عدم التمكين: عدم إزالة الأُمور التي تنفّر الزوج عن التمتّع والالتذاذ منها، وكذلك: ترك تنظيف بدنها وتزيينه حسب ما تقتضيه طبيعة الزوج لذلك.
ومنها أيضاً: خروجها من بيتها من دون إذنه، ولا يتحقّق النشوز بترك غير الواجب عليها، كـ: عدم خدمتها في البيت ونحو ذلك.
وأمّا نشوز الزوج فيتحقّق بـ: منع الزوجة من حقوقها التي وجبت عليه; كـ: ترك الإنفاق عليها، أو المبيت عندها في ليلتها، أو هجرها وتركها بالمرّة، أو إيذائها ومخالفتها دون مبرّر شرعي.
أمّا لو صارت الزوجة ناشـزة، فهل تسقط حقوقها الواجبة على الزوج أم لا؟
الجواب: نعم; فلو منعت الزوج أن يستمتع بها دائماً من دون عذر شرعي فلا تستحقّ النفقة عليه، سواء خرجت الزوجة من عنده أم كانت معه في البيت، أمّا لو امتنعت من التمكين في بعض الأحيان بلا عذر شرعي، أو خرجت من بيتها دون إذنه، فلا تسقط نفقتها بذلك، على الأحوط لزوماً، وأمّا المهر فلا يسقط استحقاقها له إذا نشـزت.
3 ـ إذا عصـت الزوجة زوجها وصارت ناشـزة فيمكن للزوج أن يرجعها إلى طاعته، وذلك بطرق متعدّدة، يعمل بها تدريجاً، فيعظها أوّلا، فإن لم تتّعظ هجرها وأدار وجهه عنها في الفراش، أو ترك النوم معها على فراش واحد إذا كان يشاركها في مضجعها من قبل أن تعصيه، هذا إذا احتمل أن تعود لطاعته بالهجر..
فإن لم يؤثّر ذلك أيضاً ضربها إذا كان يأمل رجوعها إلى الطاعة، ولا يجوز له أن يضربها ضرباً مبرّحاً(1)، بل يكتفي بأقلّ مقدار يحتمل معه التأثير وحصول الغرض من الضـرب، الذي هو تركها النشـوز.
وإن لم يجد في الضرب القليل فائدة تدرّج فيه، الأقوى فالأقوى، ولا يحـقّ له أن يضربها حتّى يخرج الدم من بدنها، أو يجعله أسود أو أحمر، ويشترط أن يكون الضرب لإصلاحها لا التشفّي والانتقام منها، كما يقوم بعض الرجال بضرب الزوجة سخطاً على أهلها أو أقربائها; لأنّه لا يستطيع أن يصـبّ غيظه إلاّ عليها!!
ولو ضربها وأدّى إلى إدمائها أو اسوداد بدنها فعليه الغرامة، كما هو المحـدّد في باب الجنايات من نوع الجناية ومقدار الغرامة.
ولو لم تنفع معها هذه الإجراءات جميعاً، وأصرّت على العصيان، فلا يجوز للزوج أن يتّخذ ضدّها إجراءً آخر، كأن يهدّدها قائلا: أقتلك.
____________
1- الضرب المبرّح: هو الذي يترك الأثر على البدن.
ويجوز له أن يعِدها بما هو جائز له، كأن يقول لها: إن لم تطيعي أمري أتزوّج عليك أو أُطلّقك.
وكذلك لا يجوز له تهديدها بالفعل، كـ: فرك أُذنها أو جرّ شعرها أو حبسها، أو غير ذلك من الإجراءات.. نعم، يجوز له أن يرفع أمرها إلى الحاكم الشرعيّ ليلزمها بما يراه مناسباً له من التعزير وغيره.
4 ـ إذا نشـز الزوج على زوجته ـ بمعنى أنّه منعها من حقوقها الواجبة عليه ـ فيحقّ لها أن تطالبه بذلك وتعظه وتحذّره من تركه حقوقها، فإن لم ينفع فيجوز لها أن ترفع الأمر إلى الحاكم الشرعيّ، ولا يجوز لها أن تهجره أو تضربه أو تعتدي عليه بأيّ نحو كان.
5 ـ لو امتنع الزوج عن بذل نفقة الزوجة المستحقّة لها، لا التي لم تستحقّها، من قبيل الزوجة العاصية كما مرّ، وكانت أيضاً تطالبه بها لا أنّها ساكتة، ففي هذه الأحوال يجوز لها أن تأخذ نفقتها من أمواله بدون إذنه.
ويجوز لها أيضاً أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعيّ حتّى يجبره على الإنفاق، فإن لم تتمكّن من رفع أمرها لسبب مّا ـ كما إذا كانت في بلد بعيد عن الحاكم الشرعيّ مثلا ـ واضطرّت أن تتّخذ وسيلة لتحصيل معاشها لم يجب عليها إطاعته حال اشتغالها وتهيئة معيشتها بنفسها، وأمّا في غير وقت اشتغالها فالأحوط وجوباً: أن لا تترك إطاعته.
6 ـ إذا امتنع الزوج عن الإنفاق مع قدرته عليه، فرفعت الزوجة أمرها إلى الحاكم الشرعيّ، أبلغه الحاكم باختيار أحد الأمرين: إما أن ينفق عليها أو يطلّقها; فإن امتنع عن الأمرين معاً: فإن أمكن الإنفاق عليها من ماله، ولو ببيع عقاره إذا توقّف الإنفاق عليه، وإن لم يمكن الإنفاق عليها مطلقاً
وإذا كان الزوج غير قادر على الإنفاق على زوجته وجب عليه طلاقها إذا لم ترضَ بالصبر معه بدون نفقة، فإن لم يفعل فيجوز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي فيأمر الزوج بالطلاق; فإن امتنع وكان إجباره على الطلاق غير ممكن طلّقها الحاكم بنفسه، ويكون الطلاق في هاتين الحالتين من نوع الطلاق البائن لا الرجعي، وهذا الحكم شامل لِما إذا كان الزوج غائباً عنها أيضاً.
7 ـ قد نرى بعض الأزواج يمتنعون عن أداء نفقة أزواجهم، أو يكونون عاجزين عنها، فيتعمّدون إخفاء محلّ سكونتهم وإقامتهم كي لا يتسنّى للحاكم الشرعيّ أن يتّخذ بشأنهم الإجراءات اللازمة لو رفعت المرأة أمرها إليه، وحينئذ يجوز للحاكم الشرعيّ أن يطلّقها لو طلبت منه ذلك إذا تعذّر عليه القيام بالإجراءات التي سبق ذكرها، من إبلاغه وإجباره وغير ذلك.
8 ـ تقدّم في المسائل السابقة أنّه لا يجوز للرجل هجر زوجته دون مبرّر شرعيّ، فلو هجرها بالمرّة فصارت كالمعلّقة لا هي صاحبة زوج ولا هي مطلّقة، جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعيّ، فيُلزم الزوج ويخيّره بين: الرجوع إليها وترك هجرها، أو طلاقها لتتمكّن من الزواج من رجل آخر.
فإذا امتنع الزوج عن كلا هذين الأمرين، جاز للحاكم أن يطلّقها إذا طلبت ذلك، وبعد تنفيذ كلّ الإجراءات الشرعيّة، حتّى حبسه ـ لو أمكن ـ من أجل إجباره على وضـع حلّ لهذه المشكلة، وفي هذه الحالة يقع
9 ـ إذا كان الزوج غير قادر على العود إلى زوجته لسبب، كما إذا كان محكوماً عليه بالحـبس مدّة طويلة، فصارت كالملّعقة بغير اختيار الزوج، فلا هي صاحبة زوج فعلا ولا هي مطلّقة، ولم ترضَ بالصبر على هذا الوضع، فيجب على الزوج أن يطلّقها، على الأحوط وجوباً، ولكن لو امتنع وجب عليها الانتظار حتّى يفرّج الله تعالى عنه.
10 ـ إذا كان الزوج يؤذي زوجته ويظلمها دون مبرر شرعيّ، جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي لينهاه عن الإيذاء والظلم، ويأمره بحسن المعاشـرة; فإن غيّر أُسلوبه معها ونفعت فيه الموعظة فبها ونعمت، وإن لم تنفع عزّره وضربه بالمقدار الذي يراه كافياً، فإن لم ينفع التعزير جاز للمرأة أن تطلب الطلاق من الزوج، فلو امتنع عنه طلّقها الحاكم الشرعيّ.
11 ـ يجوز للمرأة أن تبذل مالا للزوج أو تتنازل عن بعض حقوقها من المبيت والنفقة لجلب رضاه، ولكي يسمح لها بالخروج من الدار للنزهة أو زيارة العتبات المقدّسة مثلا، أو طلبها للعلوم المفيدة، أو لقيامها ببعض العبادات المستحبّة، كـ: صوم المستحب، فيما لو كان الزوج مخالفاً لذلك، أو غيره من الحقوق الغير واجبة عليه، أو كان يحدّث نفسه بطلاقها; لأنّه يكرهها، أو أراد الزواج عليها بامرأة أُخرى، ويحلّ له التصرّف بهذا المال وترك الحقوق التي وهبتها إليه لهذه الأسباب.
أمّا لو ترك بعض حقوقها الواجبة، أو آذاها بالضرب أو الشتم أو غير ذلك، فبذلت له مالا لإرجاع حقّها إليها وترك أذاها، أو ليطلّقها فتتخلّص من يده فيحرم عليه أخـذه، حتّى لو كان يظلمها لا لغرض حصوله على
12 ـ لو حصل خلاف شديد وشقاق ومنافرة بين الزوجين فلا يمكن التسرّع في الطلاق ـ الذي هو أبغض حلال عند الله تعالى ـ بل ينبغي التأنّي فيه ومحاولة حلّ المشاكل الزوجيّة بما هو أحسن، فلو رفع الأمر إلى الحاكم الشرعيّ يقوم الحاكم ببعث حَكَمين، حكماً من جانب الزوج وآخر من جانب الزوجة، كي يتمّ بواسطتهما الإصلاح، ورفع الخلافات بما رأياه صالحاً من الفراق أو الجمع بين الزوجـين.
ويجب على الحَكَمين البحث بدقّة عن حال الزوجين، والأسباب التي دعت إلى نشوب هذا الخلاف والشقاق بينهما، وبعد ذلك يسعيان في أمرهما، فكلّ ما استقرّ عليه رأيهما وحكما به نفذ على الزوجين، ويلزم عليهما الرضا به، بشرط أن يكون سائغاً وغير محرّم شرعاً، كما إذا شرطا على الزوج أن يُسكِن الزوجة في بلد معيّن، أو في مسكن مخصوص أو عند أبويها، أو لا يُسكن معها في الدار أُمّه وأُخته، ولو في بيت منفرد، أو لا تسكن معها ضرّتها في دار واحدة ونحو ذلك.
وكذلك يمكن أن يشرطا عليها أن تؤجّل المهر الحالّ(1) إلى مدّة من الزمن، أو تردّ على الزوج ما أخذته من المهر فيكون قرضاً عليه ونحو ذلك; فتصحّ جميع هذه الشروط..
بخلاف الشروط المحرّمة، من قبيل أن يترك الزوج بعض حقوق الضـرّة، كـ: النفقة والمبيت أو غير ذلك.
13 ـ إذا استقرّ رأي الحَكَمين على أن يفرّقا بين الزوجين مع الفدية
____________
1- الحالّ: أي الحاضـر.
وحيث إنّ التفريق لا يتحـقّق إلاّ بالطلاق; فلا بُدّ من وقوع الطلاق عند اجتماع شرائطه.. ومنها: أن تكون المرأة طاهرة من الحيض، ولا يواقعها الزوج حال طهرها هذا، ومنها: أن يقع الطلاق بحضور عدلين، وغير ذلك من شرائط الطلاق.
14 ـ الأحوط وجوباً: أن يكون الحَكَمان من أهل الزوج والزوجة، فإن لم يكن لهما أهل، أو لم تكن لهم الأهليّة والقدرة على أن يكون منهم حكم تعيّن الحَكَم من غيرهم، ولا يعتبر أن يكون من جانب كلّ منهما حَكَم واحد، بل لو اقتضت المصلحة بعث أكثر من واحد تعيّن.
مَن يصـوّر الجنين في الرحم؟
لو فكّرنا قليلا في قدرة الله تعالى على الإنشاء وكيف صوّرنا في الأرحام، لارتقينا إلى مدارج الكمال..
والتفكّر من أفضل العبادات التي يثاب الإنسان عليها، ويعرج من خلالها إلى معارج المعرفة، ويسبح في غمرات الربانيّين.
من الذي يصوّر الجنين في رحم أُمّه؟
هذا السؤال حيّر عقول الفلاسفة والعظماء، لا سيما ارسطو وتلامذته ومن كان قبلهم وبعدهم، وقفوا لا يهتدون إلى شيء ولا يجدون حلاّ لهذا اللّغز العظيم، والكلّ يبدي برأيه ويتحاور مع صاحبه كي يتوصّل إلى الحلّ.
ولكنّ الجواب لا يتأتّى إلاّ على يد منقذ البشرية، الذي خاطبه خبر السماء: يا محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم)! {إِنَّا خَلَقْنَا الاِْنسَانَ مِنْ نُطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}(1).
والأمشاج: كناية عن اختلاط النطفة وتداخلها، فلا الطبيعة المحتاجة ولا كلّ ممكن يقوم بهذا الإنشاء ويصوّر هذا المخلوق في الرحم.
قال بعضهم: إنّ الجنين يتصوّر بطبيعته، وطبيعته هي التي تصوّره، وبها يتكوّن وينمو!
وقد غفلوا أنَّ المصوَّر والمصوِّر سيكونا شيئاً واحداً، ولو أمكن ذلك لجاز أن يكون المؤلِّف والمؤلَّف شيئاً واحد.
وقال آخر: إنّ في الرحم قالب يصوّر الجنين!
____________
1- سورة الإنسان 76: 2.
وهل في البيضة قالب يتصوّر فيه الفرخ؟
وهل توجد قوالب في أجواف الغنم وأرحام إناثها التي تمّ تشريحها على يد الأخصائيّين؟ هذا إذا قيل بعدم إمكان تشريح رحم المرأة، الذي صار ممكناً مع تقدّم العلم وتطوّره.
وقال ثالث: إنّ الجنين بمنزلة النبات!
ونقول في جوابه: وهل يمكن أن يبقى حيّاً إذا قطع رأسه، كما يبقى النبات لو قطعت أُصوله، أو قُصّرت أغصانه؟ فإنّ ذلك يؤدّي إلى حيويّته.
وكذلك قالوا: إنّ كلّ عضو يتخلّق من مثيله، بمعنى أنّ كلّ جزء من أجزاء (الأب) يخرج منه جزءاً شبيهاً له، ولو صحّ هذا لخرج من الأب الأعمى ولد أعمى مثله، وهكذا باقي العاهات الموجودة في بدن الأبوين.
وها هو القرآن الكريم يعطي الجواب الفصل بقوله: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الاَْرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(1).
____________
1- سورة آل عمران 3: 6.
في أحكام الأولاد والولادة
1 ـ لا يجوز إسقاط الحمل وإن كان من سِفاح ـ أي من زنا ـ إلاّ فيما إذا خافت الأُمّ الضرر على نفسها من استمرار وجوده، أو كان موجباً لوقوعها في حرج شديد لا يتحمّل عادةً; فإنه يجوز لها حينئذ إسقاطه ما لم تلج فيه الروح.
وقد ثبت علميّاً أنّ ولوج الروح في الجنين يتمّ بعد انتهاء الشهر الثالث، وأمّا بعد ولوج الروح فلا يجوز الإسقاط حتّى إذا خافت الأُمّ الضرر على نفسها أو استلزم الحرج، على الأحوط وجوباً.
وإذا أسقطت الأُمّ حملها وجبت عليها ديته لأبيه، أو غيره من ورثة الأب، وإن كان الأب هو الجاني والمسقط للجنين كانت ديته لأُمّه، وإن أسقطه غير الأبوين، كـ: الطبيب، لزمته الدية لهما وإن كان الإسقاط بطلبهما، ولمستحقّها العفو عنها(1).
2 ـ يكفي في دية الحمل بعد ولوج الروح فيه: دفع خمسة آلاف ومائتين وخمسين مثقالا من الفضة إن كان ذكراً، ونصف ذلك إن كان أُنثى، سواء كان موته بعد خروجه حيّاً أم مات في بطن أُمّه، على الأحوط وجوباً، ويكفي في ديته قبل ولوج الروح فيه دفع مائة وخمسة مثاقيل إن كان علقة، وثلاثمائة وخمسة عشر مثقالا إن كان مضغة، وأربعمائة وعشرين مثقالا إن كانت قد بنيت له العظام، وخمسمائة وخمسة وعشرين مثقالا إن كان تامّ
____________
1- أي: يحقّ لهما أن يعفوا عن الطبيب أو غيره ممّن أسقط الجنين.
3 ـ يجوز للمرأة استعمال ما يمنع الحمل من العقاقير المُعدّة لذلك بشرط أن لا يلحق بها ضرراً بليغاً، بلا فرق في ذلك بين رضا الزوج وعدمه.
في أحكام الولادة وما يلحقها
للولادة والمولود سُـنن وآداب، بعضها واجبة وبعضها مستحبة، وأهمّها ما يلي:
1 ـ ينبغي مساعدة المرأة عند ولادتها بل يجب ذلك كفاية; بمعنى أنّه إذا قام به شخص سقط عن الآخرين، هذا إذا خيف على المرأة أو على جنينها من التلف، أو ما بحكمه، كالضرر الذي يلحق بأحدهما نتيجة عدم مساعدة المرأة.
ولو توقّفت ولادة المرأة على النظر أو اللمس المحرّمَين على الرجال الأجانب، لزم أن يتكفّلها: الزوج، أو النساء، أو محارمها من الرجال.
ولو توقّفت الولادة على النظر أو اللمس من غير الزوج وكان متمكّناً من توليدها من دون عسر ولا حرج فلا يبعد تعيّن اختياره، إلاّ أن تكون القابلة أرفق بحالها، فيجوز للمرأة حينئذ أن تختار القابلة كي تولّدها، هذا في حال الاختيار، أمّا في حال الاضطرار فيجوز أن يولّدها الأجنبي، بل قد يجب ذلك.. نعم، لا بُدّ معه من الاقتصار في كلّ من اللمس والنظر على
____________
1- والجنس الذي يعطى فيه الدية يكون: فضّة في جميع مقاديره.
2 ـ يستحب غسل المولود عند وضعه، مع الأمن عليه من الضرر، والأذان في أُذنه اليمنى والإقامة في اليسرى; فإنّه عصمة من الشيطان الرجيم، كما ورد في الخبر، ويستحب أيضاً تحنيكه بماء الفرات وتربة الحسين (عليه السلام)، والتحنيك هو: أن يدلك بهما حنك الوليد أي باطن أسفل الفم من الداخل(1).
وجاء عن الكليني، عن أبي جعفر (عليه السلام): " حنّكوا أولادكم بماء الفرات وبتربة قبر الحسين (عليه السلام)، فإن لم يكن فبماء السماء "(2).
استحباب تسمية الوليد
من الأُمور التي أكّد عليها أهل بيت الرحمة (عليهم الصلاة والسلام) في كلماتهم هو: تسمية الوليد; لما في ذلك من أثر على شخصيته..
فقد ورد استحباب التسمية قبل أن يولد الطفل، وإن لم يسمّه قبل الولادة سمّاه بعدها، حتّى إن كان الوليد سقطاً، وإن اشتبه أنّه ذكر أو أُثنى فيختار له اسماً مشتركاً.
وفي هذا الباب جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: " سمّوا أولادكم قبل أن يولدوا، فإن لم تدروا أذكر أم أُنثى فسمّوهم بالأسماء التي تكون للذكر والأُنثى، فإنّ أسقاطكم إذا لقوكم في القيامة ولم تسمّوهم يقول السقط لأبيه: ألاّ سمّيتني وقد سمّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) محسناً قبل
____________
1- حنكت لسان الصبي وحنّكته، إذا مضَغتَ تمراً أو غيره ثمّ دلكته بحنكه. الصحاح 4: 1581 " حنَكَ ".
2- وسائل الشيعة 21: 407 ح 3.
3 ـ يستحب تسمية الوليد بالأسماء المستحسنة; فإنّ ذلك من حق الولد على والده، وفي الخبر: " إنّ أصدق الأسماء ما يتضمّن العبودية لله جلّ شأنه(2)، وأفضلها أسماء الأنبياء "(3) صلوات الله عليهم، وكذا أسماء الأئمة (عليهم السلام)، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " من ولد له أربعة أولاد لم يسمّ أحدهم باسمي فقد جفاني "(4).
وجاء عن أبي هارون مولى آل جعدة، قال: كنت جليساً لأبي عبـد الله (عليه السلام) بالمدينة، ففقدني أيّاماً، ثم إنّي جئتُ إليه فقال: " لم أركَ منذ أيام يا أبا هارون؟ "، فقلت: وُلد لي غلام. فقال: " بارك الله لك، فما سمّيته؟ ". قلت: سمّيته محمّـداً. فأقبل بخدّه نحو الأرض وهو يقول: " محمّـد محمّـد محمّـد "، حتّى كادّ يلصق خدّه بالأرض، ثمّ قال: " بنفسي وبولدي وبأهلي وبأبويَّ، وبأهل الأرض كلّهم جميعاً الفداء لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا تسبّه، ولا تضربه، ولا تسيء إليه، واعلم أنّه ليس في الأرض دار فيها اسم محمّـد إلاّ وهي تقدَّس كلّ يوم "(5).
ولا يخفى تكريم الله تعالى لاسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم); فقد روي أيضاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " ما من قوم كانت لهم مشورة فحضرها من اسمه محمّـد أو أحمد فأدخلُوه في مشورتهم إلاّ كان خيراً لهم "(6).
____________
1- وسائل الشيعة 21: ـ 387 ح 1.
2- المقصود: ما يكون نحو: عبـد الله وعبـد الرحيم وعبـد الكريم.
3- وسائل الشيعة 21: 391 ح 1.
4- وسائل الشيعة 21: 393 ح 2.
5- وسائل الشيعة 21: 393 ح 4.
6- وسائل الشيعة 21: 392 ح 8.
كما جاء عنهم (عليهم السلام) استحباب تغيير اسم الولد أو البنت، إن لم يكونا حسـنين(1).
4 ـ يكره أن يكنّى الوليد: (أبا القاسم) إذا كان اسمه محمّـد(2)، كما يكره تسميته بأسماء أعداء أهل البيت صلوات الله عليهم(3).
5 ـ يستحب أن يحلق رأس الوليد (الذكر) في اليوم السابع من عمره، وأن يتصدّق بوزنه ذهباً أو فضّة، ويكره أن يحلق موضعاً ويترك موضـعاً.
استحباب الوليمة
جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " لا وليمة إلاّ في خمس: في عُرس، أو خُرس، أو عِذار، أو وِكار، أو ركاز; فالعُرس: التزويج، والخُرس: النفاس بالولد، والعِذار: الختان، والوِكار: الرجل يشتري الدار، والركاز: الرجل يقدم من مكّة "(4).
6 ـ تستحب الوليمة عند الولادة، وهي إحدى الخمس التي سُنَّ فيها الوليمة، كما أن إحداها عند الختان، ولا يعتبر في وليمة الوليد إيقاعها في
____________
1- وسائل الشيعة 21: 388 ح 6.
2- وسائل الشيعة 21: 4 ح 2.
3- وسائل الشيعة 21: 398 ح 4.
4- وسائل الشيعة 20: 95 ح 5.
أحكام الختان
7 ـ الختان واجب لنفسه، أي ليس واجباً لغيره، كالوضوء الذي يجب للصلاة وغير ذلك، ولكنّه شرط في صحة الطواف، واجباً كان أم مندوباً، عدا طواف الصبيّ غير المميّز الذي يطوّفه وليّه.
ولا فرق في الطواف الواجـب بين ما كان جزءاً لحجّ أو عمرة، واجبين أو مندوبين، وليس الختان شرطاً في صحة الصلاة فضلا عن سائر العبادات.
8 ـ لا بأس أن يكون الختّان كافراً حربيّاً أو ذميّاً; فلا يعتبر فيه الإسلام.
9 ـ لو ولد الصبيّ مختوناً سقط الختان عنه وإن استحب إمرار الموسى على المحلّ لإصابة السُـنّة.
10 ـ يستحب للولي أن يختن الصبيّ في اليوم السابع من ولادته، ولا بأس بتأخيره عنه، ويجوز له أن يترك ختانه حتّى يبلغ، ولكن الأحوط استحباباً: عدم تأخيره حتّى البلوغ..
وإذا لم يُختَن الصـبيّ حتّى بلغ وجب عليه أن يختن نفسه ـ بمعنى أنّه يذهب إلى الختّان كي يختنه، لا أن يختن نفسه بنفسه ـ حتّى الكافر إذا أسلم وهو غير مختون فيجب عليه الختان وإن طعن في السنّ ما لم يتضرّر به.
كلام في الختان
ليس الختان سُـنّة إسلامية فحسب، بل هو من سوابق عقائد اليهود; كما دلّ على ذلك كتابهم المقدّس، فالقاعدة الأساسيّة في التوراة هي: وجوب الختان لكلّ مولود ذكر يهوديّ في يومه الثامن. وحملت هذه القاعدة في طياتها عدّة مشاكل:
أوّلها: تعيين مَن هو اليهودي؟
والثانية: هل يختن الذكر إذا وقع موعد الختان يوم السبت؟
والثالثة: هل يمكن تأخير الختان أو تركه في حالة المرض والخوف من خطر الموت؟
فأمّا من هو اليهوديّ حسب التعاليم اليهودية؟ فجوابه: إنّه من ولد من أُمّ يهوديّة، مهما كان دين والده، وإذا أصبحت الأُمّ يهوديّة قبل ميلاد الطفل ـ وإن كان في زمن الحمل ـ فإنّ طفلها يصبح يهوديّاً بالتبعيّة، أمّا إذا أصبحت يهوديّة بعد ولادته فيجب أن يحوّل الطفل يهوديّاً قبل أن يختن.
وقد كان هناك جدل عام 1864 م في " نيو أورليانز " حول ختان أطفال من أب يهوديّ وأُمّ غير يهوديّة، وقد قرّره أحد الحاخامات اليهود وأيّده على ذلك الحاخامات الاوربيون..
إلاّ أن الحاخام " تسفي هيرش كاليشري " أيّد ختان الأطفال غير اليهود عموماً، والأطفال من أب يهوديّ خاصّة; لأنّ التوراة في رأيه لجميع البشريّة، وقد خصّ بها اليهود قديماً بسبب حالة الشعوب في ذلك الوقت، وعليه فيجب إجراء كلّ ما يمكن أن يشجّع الآخرين لقبول التوراة، وبما أنّ
سِنّ الختان ويوم السبت
أمّا سِنّ الختان عند اليهود فقد ذهبوا إلى أنّه في اليوم الثامن كما في التوراة، فإذا تمّ الختان في اليوم السابع بدلا من اليوم الثامن لا يعتبر ختاناً، بل جرحاً كغيره من الجروح، والخاتن يأثم، ولو غلط الأب فختن أحد طفليه في التاريخ المحددّ لختن الثاني، أي ختن الطفل الثاني يوم السبت وختن الأوّل قبله أو بعده، يأثم ويجب عليه إعطاء الكفّارة.
وكانت شريعة اليهود تقدّس يوم السبت وتحترمه، وتعاقب من يستبيح حرمته بالقتل.
وكما مر في ختن الأطفال الأحرار عند اليهود كذلك فرض على اليهوديّ أن يختن عبيده، وكانت العادة أنّهم يختنوهم عند شرائهم، ولكن لا يمكن ختانهم يوم السبت إذ أنّ للسبت حرمة لا تخرق.
ولا يسمح بالختان إلاّ لطفل يكون يومه الثامن يوم السبت.
وأمّا المسيحيّون فقد رفضوا سُـنّة الختان التي ورثت من اليهود، رغم أنّ بعضهم كان يمارسها!! ولكن رفضهم للختان لا ينطلق من دليل منطقي، كاحترام الجسد وعدم إيصال الأذى إليه، كما يتصوّر البعض من كون الختان جرحاً مضرّاً لطفل بريء، غافلين عن الفوائد الصحيّة والأثار الإيجابيّة التي
____________
1- ختان الذكور والإناث: 142.
فتروي الأُسطورة المسيحيّة أن " أتيس " عشيق أحد الآلهة قد بتر أعضاءه الجنسيّة في حمية الشوق، ومات من نزيف الدم تحت شجرة، وكلّ من يريد أن يصبح خادماً لـ (سيبيل) وهو أحد الآلهة كان عليه أن يبتر أعضاءه الجنسيّة مثل عشيقها ضمن احتفالات دينيّة صاخبة، ويرميها على جموع الحاضـرين!!
ومع إنكار المسيح للختان فإنّهم يحتفلون باليوم الأوّل من السنة لذكرى اليوم الثامن من ميلاد المسيح (عليه السلام)، وهو يوم ختانه، ولتكريم العذراء مريم (عليها السلام).
ولا يعرف دقيقاً تاريخ دخول هذا الحدث في شعائرهم; وأوّل من ذكره هو المجمع الذي عقد في مدينة " توز " الفرنسيّة عام 567 م، وهذا المجمع تكلّم عنه وكأنّه عادة قديمة يتمّ الاحتفال بها في أولّ يوم من السنة، وهذا اليوم يصادف في روماً وفي مدن رومانيّة أُخرى عيداً وثنياً شهيراً لتكريم " يانوس "، ومن هنا جاء اسم الشهر " يناير " وهو يوم عبث وفواحش، والقصد من وضع العيد المسيحي في هذا اليوم هو تجنّب المسيحيين المشاركة في العيد الوثني، والتفكير بالصلاة والصوم بدلا عن الآثام التي تقترف في هذا اليوم..
فانظر إلى السياسة كيف تغسل الأذهان، وكيف تتداخل مع الدين فتفسد الأهداف التي من أجلها شرّعت الأحكام؟!!